الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
مدركات الفساد ..عربياً
30 أكتوبر 2010 20:40

لايزال مؤشر “مدركات الفساد” الذي تصدره سنوياً منظمة الشفافية العالمية يلقى صدى هزيلاً مقارنة بالترتيب المؤسف لمعظم الدول العربية والذي يفترض أن يثير سخط المعنيين فيها ولو من باب رفع العتب. فهذا الترتيب إدانة بشكل ما للفاسدين في هذه الدول وللساكتين عنهم على حد سواء. ويمكن مشابهة ذلك برد فعل العراقيين على نشر موقع “ويكليكس” مئات آلاف الوثائق السرية الأميركية المتعلقة بمجريات وفضائح حرب العراق والممارسات الفظيعة للجيش الأميركي وبعض العراقيين. فرغم أن إدارة الرئيس الحالي ليست مسؤولة عن جرائم تلك الحرب وأن الرئيس أوباما يفتخر بأنه بطل إنهاء حرب العراق، لكن المؤسسة العسكرية والسياسية تفاعلت بشدة مع نشر الغسيل الوسخ لحرب العراق. في المقابل بدا وكأن العراقيين تلقوا الأمر ببرودة أعصاب مثيرة لأنه لم يضف شيئاً كثيراً إلى ما يعرفونه عن قرب ولأن “في كل بيت عراقي إما قتيل أو سجين تم تعذيبه” كما قالت إحدى السيدات العراقيات. كذلك، يمكن تفسير عدم غضب الدول التي يقيّمها مؤشر منظمة الشفافية بأنها الأكثر فساداً والأقل نزاهة وتفسير تسليم شعوبها بهذا التقييم. فهنا يسود يقين بتفشي الفساد وكثيرون من مسؤولي وأبناء هذه الدولة قد يعلمون ما هو أسوأ من معطيات منظمة الشفافية العالمية نفسها ثم أن التقييم ناتج عن استطلاعات مع الناس والخبراء ورجال الأعمال في كل دولة. فهو نوع من تقييم ذاتي للدولة ومن هنا ينتفي وجه الاستغراب من ضعف ردود الفعل. ومع ذلك يمكننا إيجاد ثغرات في رؤية المنظمة إذا رصدنا عملها لسنوات. شخصياً لدي مأخذ كبير على بعض “دروسها” ونصائحها المعلنة سابقاً. فبينما كانت أدبياتها العامة خلصت قبل فترة عام إلى أن الفساد في دول المنطقة متجذر لأسباب بنيوية سياسية واجتماعية وثقافية- أي أن تفشي الفساد في منطقتنا سيستمر لأجيال طويلة- جاءت النتائج المبهرة التي حققتها بالتحديد بعض دول مجلس التعاون الخليجي في السنتين الأخيرتين لتبيّن أمراً مغايراً وهو أن مكافحة الفساد تأتي بنتائج إيجابية وسريعة عندما يأتي من أعلى السلطة. كما أن قفز تقييم بعض الدول العربية إلى مراتب عليا من حيث الشفافية (مثل قطر والإمارات العربية المتحدة) وتقدم الدول الخليجية عامة على باقي الدول العربية، في الوقت الذي “حققت” فيه بعض دولنا الأخرى قفزات معاكسة إلى أسفل الترتيب، يشكل ظاهرة فعلية تفترض وجود عوامل وأسباب جوهرية. لا شك أن الوفرة المالية قد تكون أحد هذه العوامل، ولكن الوقوف عندها يشكل تعمية خطيرة ويهدد بمراوحة اخطر عند حال تفشي الفساد عدا عن أن الوفرة نفسها تكون غالباً مجلبة لأبشع صوره. أما الفرضية الأصح والأرجح في حالة الكثير من مجتمعاتنا، فهي أن السلطة الرشيدة تبقى المدخل الرئيسي للإصلاح ومكافحة الفساد أو سبيلاً لتحسين تقييم أي دولة في مؤشر الشفافية ومكافحة الفساد. دعماً لهذه الفرضية، يكفي ربما أن نتذكر مؤشر العام 2009 عندما قفزت الإمارات العربية المتحدة من المرتبة 35 عالمياً إلى المرتبة 30 عالمياً مقتربة من ترتيب فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، وهو أمر أرجعت منظمة الشفافية حينها فضله إلى مقاضاة متورطين في الفساد ومنهم بعض المسؤولين التنفيذيين، إضافة إلى تعزيز دور هيئة الرقابة المالية. د.الياس البراج barragdr@hotmail.com

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©