الاتحاد

ثقافة

الطوابع البريدية ناقلات معرفية طائرة

طابع هزاع المنصوري

طابع هزاع المنصوري

غالية خوجة (الشارقة)

ستظل الطوابع البريدية سفراء فوق العادة لبلد ما، وستظل تتحدى الوسائل الأخرى المعاصرة، لأسباب عديدة، أهمها ما يحمله الطابع من رمزية التوثيق التاريخي الزماني والمكاني للأحداث والأشخاص والمعنى، إضافة إلى دلالاته المعبّرة عن التحولات ومتغيراتها في مجتمع ما، وهذا محور معرض الشارقة للطوابع البريدية المحلي الإقليمي العالمي الذي احتفى بدورته العاشرة في الشارقة، والذي وجدنا فيه فرصة سانحة لإنجاز قراءة سوسيولجية، ثقافية، سيميائية لهذا «الناقل التاريخي» العابر للعصور والجغرافيات..
ولأن الطابع البريدي يعتبر نصاً بمفهوم ما، فهو يحمل دلالاته المنتمية للمكان وإنسانه وزمانه، وضمن هذا النسق القرائي، نجد كيف تتحول الرسوم واللوحات والحروف والبورتريهات والتصاميم الرمزية إلى نصوص موحية.
لعل من أبرز الطوابع ذلك الخاص بشجرة الغاف الذي يرمز إلى التسامح، بطريقة فنية تجمع بين الشجرة وبذورها وأوراقها، بأسلوب تطريزي لوني، ولقد فاز هذا الطابع بالجائزة الثالثة عالمياً، كونه خرج عن التقليدية المألوفة، وفق ما قال حميد عبد الله الشامسي، رئيس فريق هواة الطوابع. وأضاف: أول طابع رسمي صدر في الإمارات كان عام 1973، وحالياً، بلغ عدد الطوابع 800، وهي متنوعة من حيث الابتكار فنياً، ومنها ما يرتبط بالتراث، والبيئة، والأحداث والمناسبات الوطنية مثل عام الخير وعام زايد وعام التسامح، ووصول الإمارات إلى الفضاء وإطلاق خليفة سات، والعلاقات الدبلوماسية، ما يعني أنها جزء من الذاكرة الإماراتية وأحداثها وتواريخها.
ومن الذاكرة أن أول مكتب بريد في الإمارات تأسس عام 1909، في ديرة، كما قال عبد الله جاسم المطيري، وكانت الطوابع تأتي من الهند، ومر الطابع بتطورات لاحقة، منها الاتفاق مع البحرين 1966 على إصدار الطوابع. وأضاف: بلا شك، للطوابع قيمة مادية تتعلق بقدمها الزمني وندرتها، ولها قيمة معنوية كبيرة، لأنها تشير إلى ثقافة مجتمعها وتطوراته الفكرية والعلمية والمعرفية.
ويبرز طابع عام التسامح التذكاري الذي أطلقه معالي نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح، خلال فعاليات القمة العالمية للتسامح، بفنية تركيبية كولاجية، حيث يتوسط الطابع علم الإمارات الذي ترف على يمينه الشمس بجناحين من غيوم، وترف على شماله حمامة السلام الحاملة بمنقارها غصن زيتون، وتبدو النخلتان الشامختان قريبتين من الموج والرمل، وتحت دائرة عام التسامح تقف شجرة الغاف بجذرها المشير إلى عام 2019، وتظهر مثل الأم الحاضنة لهذه العناصر المتشكّلة، بترابط معبّر عن الالتقاء الإنساني بثقافاته المتعددة وألسنته المختلفة، ويقف على يسارها الصقر محدقاً بطمأنينة في المشهد، بينما يبدو على يمينها قصر الحصن كذاكرة للأرض واللحظة والتراث والمستقبل، لتكمل هذا الجانب وبشكل عمودي الوردة، ثم رسْم رمزي لقلب وهو يدخل إلى غلافه، ثم نقرأ كلمة التعايش، يليها رمز مسجد يعلوه الهلال، وما بين الهلال والشمس دلالات مختلفة منها ديمومة التسامح ليلاً ونهاراً، ومنها التقاء الأديان، إضافة إلى دلة القهوة، وحضورها الموظف كرمز لكرم الضيافة، كما تبرز الطائرة كدلالة على حركة التسامح بين الناس والبلدان، بينما تظهر الأرض بصحرائها وجِمالها، وتبرز مكونات هذا الطابع الكلامية برباعية تمثل القيم الأساسية للتسامح وهي: التعايش، السلام، الاحترام، الإنسانية، بينما تمثل القلوب الخمسة القارات الخمس التي تتصافح من خلالها الأيدي والقلوب، كما يتصافح في وسطها شخصان يلتقيان رغم الاختلاف الثقافي.
ونقرأ كيف يعكس طابع عام زايد، خطوطاً نورانية بيضاء، ترسم ملامحه المضادة للظلام، وهي حالة رمزية تجمع طبيعة المجتمع الإماراتي المحب والطيب والمعطاء، بدءاً من رمز مؤسس الاتحاد المغفور له الشيخ زايد والقيادة الحكيمة والشعب في تلاحم ضوئي مستقبلي، أنجزته الإمارات من خلال طموح زايد، ووصول أول رائد إلى محطة الفضاء الدولية، وبهذه المناسبة، تبرز مجموعة طوابع تذكارية، بالتعاون مع مركز محمد بن راشد للفضاء، تمثل أول مهمة تاريخية لانطلاق الإمارات إلى الفضاء، منها بورتريه لكل من هزاع المنصوري وسلطان النيادي، بخلفية تزينها ألوان العلم الإماراتي، وبورتريه ثنائي يجمعهما معاً، ورسم للشيخ زايد وعلم الإمارات، وصورة لمركبة الفضاء «سويوز ام اس».
ويرحل بنا طابع تحدي القراءة العربي، إلى عوالم هذه المبادرة التي استقطبت ملايين القراء العرب من الجيل الطلابي الشاب، وكيف أسهمت في دعم حركية العقول والنشر والكتب والتأليف، وعكستْ بعداً مضيئاً للمكنونات الحقيقية للإنسان العربي، وحضارته التي أسست للحضارات الأخرى.
وإضافةً لطوابع الشخصيات والرموز والأحداث، نجد طوابع المعالم مثل طابع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وطابع متحف الاتحاد التي تبرز المكان وتجسد جمالياته المعمارية وأبعاده التاريخية.
ويبدو اهتمام بريد السعودية بطوابع محلية بيئية وأثرية ووطنية، هدفها كما أخبرنا خالد الحربي، التواصل مع الآخر، والتعريف بأهمية المكان وأبعاده التاريخية والمعنوية، وضرب لنا مثلاً بالطيور البرية، وطابع السبع سنابل وأهميته الوطنية، وطابع الكهوف أو «الدحول»، وهي ستة: (دحل المفاجأة، كهف الفندق، غار أم جرسان، كهف الدودة، كهف الحجر الأسود، غار شويمس)، وتدخل هذه الأماكن الأثرية ضمن السياحة الجيولوجية، للتعرف إلى طبيعة الزمان المترسبة بين هذه الصخور، وما تقدمه من حكمة تأملية.
للطوابع العُمانية اهتمام خاص بالتنوع الطبيعي، لا سيما وأنها كانت عاصمة السياحة العربية عام 2012، وقال طارق النصيني عن محمولات الطوابع مثل السلاحف وأسمائها (الرايتونية، النملة، الريماني، الشرفاف، الخضراء)، والنباتات وأنواعها مثل (الإخشيف الأحمر، الطرطوش)، لنكتشف كيف يتعامل الإنسان العُماني مع البيئة، ومدى التأثير المتبادل بينهما، وما تعكسه هذه الطبيعة على الإنسان بين بحر وصيد وبر وزراعة، ثم نصل إلى التطور في علائق البنية الحياتية التي تهتم بالجوانب كافة، ومنها حقوق الطفل، ولهذا نجد أن طابع حقوق الطفل العُماني متصل بالرعاية الأسرية، وتجسده صور لأطفال متفاعلين مع حقوقهم في التعلم والقراءة والحياة والسعادة.
ولا بد من الإصغاء للموسيقا الفلكلورية، من خلال طابع صوري يمثل (العازي، الرواح، البرغوم، الرحماني)، وهي معزوفات بآلات تقليدية عُمانية، ولها رقصاتها الفلكلورية، ومعانيها الصادحة بين البحر والصحراء، حيث كانت وما زالت هذه الموسيقا ترافق العُمانيين في حالاتهم الاجتماعية المختلفة.
تحمل طوابع الدول صروحها ومعالمها الثقافية، وهو أمر يأتي خجولاً في طوابع الدول العربية، لذا لا بد أن نتساءل: لماذا لا تحتفي الأمة العربية كما يجب بمبدعيها من علماء وأدباء ومعالم ثقافية وفنية، كما تفعل الدول الأخرى، وتصدر لتاريخها الثقافي العلمي المزيد من الطوابع؟
وبعد، لكل بلد في طوابعها رسائل ثقافية وتراثية وفكرية، وتتشارك الطوابع بأختامها القديمة في مهمة التوثيق، والتأريخ الذي يصعب أن يلحقه الزيف، وآثار الزمان الذي يمضي محدقاً في العابرين.

طابع موحد للقدس
كان للقدس فضل اجتماع مؤسسات البريد العربية معاً وإصدار طابع تذكاري موحد بعنوان (القدس عاصمة فلسطين)، ليعبر عن القضية الفلسطينية ورمزيتها المقدسة، من خلال صورة المسجد الأقصى الذي تحتضنه حمامتا سلام، بينهما يرتفع علم فلسطين، مؤكداً شرعية القضية الفلسطينية وعروبتها الأبدية، وهكذا يأتي الطابع ليؤكد استمرار الذاكرة العربية الفلسطينية وهويتها وأصالتها وتجذرها وتفاؤلها بالقادم المنتصر على الاحتلال.

اقرأ أيضا

«الشارقة للمسرح الصحراوي».. الخروج من «العلبة» إلى رحابة الرمال