الملحق الثقافي

الاتحاد

العزلة الكندية والطفولة النرويجية.. أو المشترك الإنساني الصعب

لا يعكس فوز الأفلام المتبارية على جوائز المسابقات في أي مهرجان سينمائي بالضرورة أفضلية مطلقة، فهي تبقى تعبيراً عن ذائقة وإتفاق مجموعة صغيرة تتمثل بأعضاء لجنان تحكيمها والتي لا تتوافق وأحيان كثيرة مع المتوقع أو المرجح من قبل الحاضرين، من صحفيين ونقاد، وربما منح جائزة أفضل فيلم روائي طويل في الدورة الـ47 لمهرجان كارلوفي فاري للنرويجي “أشبه برجل” لمارتين لوند واحدة من الأمثلة الساطعة على التناقض الدائم التكرار بين الحضور وبين المقررين المجتمعين في غرفة ما من غرف المهرجان.
“أشبه برجل” يتوافق مع مزاج سينمائي إسكندنافي وأفكار معاصرة إجتماعية تخرج منها تتعلق بالموقف من الرجل والمرأة وعالم الطفولة الشديد التعقيد. وربما لهذا المناخ التأثير على منحه الجائزة كونه يذهب الى البحث في وجود الكائن الطفولي في أعماق الرجل الناضج، وبقاء تأثيرات الطفولة والميل لإعادتها عند رجل ينتظر هو بدوره أن يصبح أباً، ومن هنا جاء عنوانه الملتبس والعصي على الفهم السريع. لقد ظل في داخل هنريك (الممثل هنريك رافائيلسن الحاصل على جائزة أفضل ممثل في الدورة) ذاك الطفل الذي كان يظهر في تصرفاته وسلوكه غير المفهوم أحياناً والمتناقض مع وجوده وتكوينه كرجل ناضج. وما يعمق من الفكرة ويوسعها تشابه عدد من أصدقائه وسلوكه الطفولي. فجموعته كثيراً ما كانت تميل الى الصخب واللعب والمشاسكة والى خلق معارك عابرة بريئة تزعج كثيراً المحيطين بهم.
إنه سلوك أطفال مترسخ يمارسه رجال كبار، أو وما داموا على هذا الحال هم “أشبة برجال” ما دمت في باقية دواخلهم هذة الرغبة. لقد وضع المخرج لوند سلوك هنريك “الفرداني” في تناقض مع المجموعة “الآخرى” ومَثَلها بالزوجة والأم. لقد مَثلن العالم الخارجي الذي يرفض قبول الطفل في داخل الرجل، منسجمات في موقفهن، مع أغلبية تريد فرض صورتها النمطية للرجل الناضج وعليه سيجد هنريك نفسه ملزماً بقبولها والتصالح معها، وليس مع ذاته المنشطرة بين عالمين بل كما يريدها المجتمع ويرسم حدودها وفق نظرة عامة تحدد تطور الكائن وفق معاير “زمنية” صارمة، متناسين التداخل والتشابك المعقد في كل مرحلة من مراحل حياته.
ليس بعيدا عن المناخ النرويجي كان سائق الشاحنة جيرمين الكندي يعيش في عزلة شبه تامة بعد وفاة زوجته. كان وحيداً عزاءه عمله الذي يشغل به حياته، لكنه وفي لحظة مباغتة، حين اصطدمت سيارة خصوصية بشاحنته وأدى الحادث الى وفاة المرأة التي كانت تقودها، وجد نفسه وحيدا وبحاجة الى مكالمة ولديه ليعبر لهما عن الألم الشديد الذي يملأ قلبه. فيلم “الشاحنة” صادم يبدأ من اللحظة الرتيبة الى الأخرى العنيفة ثم يعود ليرسم العلاقات الإنسانية بين ثلاث ذوات متقاربة من حيث صلتها البيولوجية ومتباعدة من حيث التكوين والميول، ثم يمضي الى الكشف عن حاجة الشخصيات الثلاثة الى التقارب وحتى العيش سوية بالرغم من قوة القوانين الإجتماعية الإقتصادية الرأسمالية التي تفرض شروطها على الكنديين. لعمق بحثه عن المشترك في الإنسان ولطريقة شغله الخاصة استحق صاحبه رافائيل أوليت جائزة أفضل مخرج. لقد صنع فيلماً بسيطاً من ناحية الشكل لكنه صادم، وديناميكي ترك التفاصيل تأتي بسهولة وببطأ لكنها لا تبعث على الملل على العكس فرض علينا نوعاً من التواصل والملاحقة لمعرفة الى أين ستؤول العلاقة بين المثلث الإنساني وكيف سيختط كل واحد منهم وفي زاويته طريقه الخاص، بشكل خاص الأب الستيني الذي زعزع حادث السير جوانياته، غير أنه سرعان ما عاد الى توازنه والى عمله وسط مساحات هائلة من الجليد عليه السير فوقها ما دامه قادرا على العمل وبه رغبة في التواصل.
بعد النجاح الذي حققه فيلم “انفصال نادر وسيمين” الذي لعبت فيه ليلى حاتمي دور البطولة وحصل على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين عادت وحصلت على جائزة أفضل ممثلة في كارلوفي فاري عن دورها في فيلم “الخطوة الأخيرة” للمخرج علي مصفا. المقارنة بين الفيلمين غير عادلة، وليست في صالح فيلمها الأخير، لكن حصولها على الجائزة يحمل تكريماً للسينما الإيرانية وإعترافاً بمكانتها وهي جزء من حراك نحن معنين به كون إيران واحدة من دولة منطقتنا وتطور مسارها يفرض أسئلة محفزة عن سبب نجاحها وما الذي يمنع سينمتنا العربية من الوصول الى مستواها خاصة أن الظروف التي تنشأ فيها، سواء داخل ايران أو خارجها، قريبة الى حد بعيد من ظروف كثير من الدول العربية. وما دمنا في الحديث عن السينما العربية فقد قلت المشاركة عن العام الماضي ولكن حضور النقاد والصحفيين ومدراء مهرجانات فيها زاد كثيراً ويشير الى تَغيّر قد نحصد مردوده في الدورات القادمة.

اقرأ أيضا