الاتحاد

الملحق الثقافي

الشرق والغرب والتباس اللقاء

لم يصنف مهرجان كارلوفي فاري التشيكي بالدرجة “A” عبثاً، فهذه المرتبة تتطلب مواصفات دولية مشروطة، قلة من المهرجانات السينمائية قادرة على تطبيقها والإلتزام بشروطها، وعلى هذا الأساس فأن أي مشاركة فيه تعني الكثير بالنسبة لصناع السينما والمعنيين بها، ومن هذا المنطلق ينظر الى مشاركة المغرب فيه بفيلم “المغضوب عليهم” كنوع من الإلتفات الى السينما العربية، والتي تمثل وفق نظرته جزءاً مكملاً لسينما منطقة يشهد الفن السابع فيها تطوراً مشهوداً، ايران وتركيا خير مثالين عليه.

خلف التل.. المجهول
السينما التركية دخلت مسابقتي الروائي الطويل بفيلم حسين تاباك “جمالك لا يعني شيئاً” والسينما الآسيوية “نيت باك” بـ”خلف التل” وخرجت من الأخيرة بجائزة أفضل فيلم، والاثنان تناولا الموضوع الكردي من منظورين مختلفين. في عمله الأول يطرح أمير ألبر المشكلة الكردية والهوية القومية عبر حكاية غاية في البساطة تجري أحداثها في منطقة سهول يفصلها تل، لا نرى منه إلا الطرف التركي، أما الطرف الثاني، حيث هناك يتمترس الغامض، فسيبقى يشكل خطراً وهاجساً مقلقاً لعائلة الإقطاعي التركي الذي أخذ قطيعاً من الخراف والماعز من أحد الرعاة “الرحل” وهي الصفة التي يطلقونها على الأكراد، فبالنسبة اليه والى “تركيا” العثمانية لا يمثل هؤلاء سوى مجموعة من القبائل الطارئة لا حق لها في الإقامة فوق أرضه وبالتالي يصبح الإستيلاء على كل ما يملكون حقاً مشاعاً لهم ما دامهم طارئين وعابرين ويسكنون “خلف التل”.
قوة عمل تاباك تكمن في التصعيد الداخلي للحدث الدرامي، فكل شيء يبدو هادئاً أول الأمر ولكنه مع الوقت يأخذ في التصاعد المشحون بالخوف معبراً عن توتر كامن في داخل أمة لا تشعر بالإستقرار وتخشى من تفكك يتجلى في مواقف متباينة لأفراد العائلة المنقسمة على نفسها. المدهش في “خلف التل” قوة تنفيده وتصويره خاصة إذا ما عرفنا أن صاحبه قد جاء من خارج عالم الفن، بعد أن درس العلوم، ومع هذا وفي أول فيلم له قدم منجزاً يعد بمولد مخرج سينمائي تركي جديد.
أما حسين تاباك في “جماك لا يعني شيئاً” فأخذ عائلة مقاتل كردي جاء من جبال تركيا طالباً اللجوء في فينا، ولم تجد راحة فيها، لكثرة ما تعرضت له من إهتزازات شديدة عانى بسببها الصبي فيصل طويلاً واحتاج كي يعيد توازنه الى كتابة قصيدة حب بالألمانية الى صبية يوغسلافية نجح في ايصالها لها لحظة مغادرتها النمسا مع عائلتها الى وطنها بعد رفض طلب لجوئهم. لم يقدم الفيلم جديداً عن أفلام الهجرة إلا في مستوى تناوله للعلاقة الملتبسة بين التركي والكردي في بلد المهجر وكيف يمكن أن تتوحد عبرهما أمة منقسمة خارج حدودها.

إيران منقسمة أيضاً..
لم يبرر الفيلم الإيراني “الخطوة الأخيرة” لعلي مصفا وجوده كثيراً داخل المسابقة الرسمية ولم يقنع فوز ممثلته الرئيسة ليلى حاتمي بجائزة أفضل ممثلة الكثيرين، على عكس فيلم “عائلة محترمة” للمخرج مسعود بخشي الذي عالج موضوعاً خطراً له علاقة بطبيعة النظام وتأثير الحرب مع العراق على المجتمع الإيراني. اختار بخشي اسلوباً تحليلياً، لتبيان أسباب التناقض الحاصل بين الرجل العائد الى بلده بعد أكثر من عشرين عاماً قضاها في فرنسا وبين آليات عمل المؤسسات الرسمية، وكيف شجعت الحرب على دخول المنتفعين والانتهازيين الى داخل السلطة لتحقيق غاياتهم الشخصية. لقد حَولوا الدولة الى “بقرة حلوب” ولا يريدون لأي أحد أن يقاسمهم غنائمهم لهذا حاولوا التخلص من الأستاذ الجامعي العائد للتو الى وطنه وهم أنفسهم سيساعدونه، ودون دراية منهم، على الذهاب الى المعسكر الثاني، الى المعارضين والمتظاهرين.

الإرهاب الملتبس
أراد المغربي محسن البصري عرض رؤيته الخاصة الى ظاهرة التطرف الديني التي يشهدها العالم ومنطقتنا على وجه الخصوص من خلال حكاية مجموعة من الفنانيين المسرحيين المغاربة تعرضوا لعملية خطف على أيدي مجموعة اسلامية متطرفة. لجأ محسن الى إسلوب متهكم وساخر ليخفي تحته موضوعاً جدياً شائكاً وملتبساً. لقد أحب جمهور كارلوفي فاري فيلمه لأنه أراد فيه عرض وجهات نظر مختلفة في موضوع واحد، وكيف يمكن أن تغير ظروف صعبة القناعات الراسخة إذا ما ركن كل طرف، ولو للحظة الى التفكير بما يعتقده صحيحاً وغير قابل للنقاش والجدل، وتفاعل انسانياً مع الطرف الآخر.
على مستوى البرامج الأوروبية والعالمية فيمكن القول أن كارلوفي فاري هي “كان” مصغرة لكونها تجلب الى جمهورها أفضل المعروض من أفلام المهرجان الأكبر، خاصة وأن الفترة الفاصلة بين انعقادهما ليست كبيرة وعلى مستوى تخصصه كمهرجان يجمع شرق أوروبا بغربها فقد قدم أفضل ما معروض فيها خلال العام وبذلك يستحق وعن جدارة تسميته “الوسيط” بين سينمتين كثيراً ما فرقت بينهما السياسة وجمع بينهما الفن السابع.

اقرأ أيضا