الملحق الثقافي

الاتحاد

جاهل وبخيل وجبان.. وعنصري

في البرتغال، يعتبر فاسكو دا جاما (1460 ـ 1524) بطلا وطنيّا، إذ أنه كان أوّل من أبحر بسفينته من أوروبا إلى الهند. وفي زمنه، كانت بلاده فقيرة، فيها يعيش مليون نسمة. وقد كتبت عنه العديد من الكتب المتّصلة به، وبعصره، عصر الاكتشافات البحريّة الكبيرة التي أعقبت اكتشاف كريستوف كولومبس لأميركا، أو ما سمّي بـ”العالم الجديد” في ذلك الوقت. وفي هذا العام، أصدر الهندي سانجاي سوبراهمانيام كتابا يفضح فيه الجوانب المجهولة في شخصية “البطل البرتغالي”. وهو يصفه بـ”الجاهل”، و”البخيل”، و”الجبان”، و”العنصري”، و”الرّجل الفظّ”...
وفي حوار أجرته معه الأسبوعيّة الفرنسيّة “لو نوفال أوبسارفتور” بمناسبة صدور كتابه في ترجمة فرنسيّة، قال سانجاي سوبراهمانيام: “لقد قام المؤرّخون البرتغاليّون، وأيضا الفرنسيّون من أمثال بيار شونو، وفارناند بروديل، بتفسير ذلك التّعطّش للغزوات الإمبرياليّة في ما وراء البحار لأهداف تجاريّة، واقتصاديّة. غير أن التّفسير الاقتصادي ليس كافيا لوحده لأنه يستبعد جوانب أخرى غاية في الأهمّيّة (...). وبالنّسبة لملك البرتغال دوم مانويل، وفاسكو دا غاما، أرى أن الأمر يتعلّق بجهل لمسائل بحريّة، وسياسيّة هائلة. وبسببه، انطلق البرتغاليّون إلى الهند وهم يعتقدون أن سكّان هذه البلاد مسيحيّون، لذا يتحتّم عليهم حمايتهم من المسلمين. وكان دوم مانويل ينادي بضرورة “تحرير المسيحيّين الضّائعين، والفاقدين للحماية”. وفي الآن نفسه، كان البرتغاليّون يرغبون في الحصول على الغنائم المتمثّلة في توابل الهند. وعندما أبحرت البواخر الثلاث بقيادة فاسكو دا جاما، كانت الأهداف إذن اقتصاديّة، ودينيّة في نفس الوقت. وكان فاسكو دا جاما المتحالف مع الارستقراطيّة، ومع النّبلاء، يحلم بالحصول على ثروة طائلة. أمّا الملك البرتغالي فقد كان يحلم برأسماليّة ملكيّة. ومثل شارل الخامس في ما بعد، كان يحلم أيضا بمملكة مسيحيّة عالميّة.. وعلينا ألآّ ننسى أن الإسبان في ذلك الوقت لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى أرض أميركا، ولا غزوا الكسيك، ولم يستولوا على جزر الكاريبي. لهذا السّبب، كان دوم مانويل يحلم بأن يكون إمبراطورا كونيّا”.
ويقول سانجاي سوبراهمانيام عن فاسكو دي جاما إنه كان خلال رحلته على سواحل الهند الجنوبية، يرى مسيحيّين في كلّ مكان. والحقيقة أنه كان يتوهّم ذلك. وعندما عاد إلى بلاده عام 1499، كذب على الملك، زاعما أنه اكتشف خمس عشرة مملكة مسيحيّة في الهند. والحقيقة أنه كان يتصوّر أن كلّ من ليس مسلما هو مسيحيّ بالضّرورة! وليس ذلك بالأمر بالغريب. ففي ذلك الوقت، كان هناك هوس بالإسلام لدى البرتغالييّن، ولدى الأوروبييّن بصفة عامّة. لذلك لم يتردّد فاسكو دا جاما في إغراق باخرة كان على ظهرها مئات من الحجيج المسلمين العائدين من مكّة. ويقول سانجاي سوبراهمانيام إن البرتغالييّن لا يريدون راهنا التحدّث عن هذه الجريمة الشّنعاء.
ويضيف المؤلف الهندي قائلا في الحوار مع الصحيفة الفرنسية: “لم يكتشف فاسكو دا جاما قارّة مثلما هو حال كريستوف كولومبس، وإنّما اكتشف طريقا بحريّا للسّفر إلى الهند. وهو لم يكن يعرف أن تّجار البندقيّة والعرب المسلمين القادمين من مصر، ومن المغرب، ومن اليمن، كانوا قد استقرّوا قبله على السّواحل الهنديّة. وكلّ الدّلائل تشير إلى أن تاريخ البحر الأبيض المتوسّط، وتاريخ المحيط الهندي لم يبدآ مع البرتغاليّين. ما هو جديد لدى فاسكو دي جاما هو اكتشافه لطريق بحريّ يسمح بتجنّب الطريق الأرضيّ عبر منطقة الشّرق الأوسط”.
وعن نتائج رحلات فاسكو دا جاما، يقول سانجاي سوبرا همانيام: “عاد فاسكو دا جاما من رحلاته البحرّية وقد حصل على ثروة هائلة. وبسبب طموحه للمجد، كان يرغب في الحصول على لقب “كونت”. لذلك كان مستعدّا لاستعمال كلّ الوسائل في سبيل ذلك. وبعد أن فاز بالثّروة والمجد، سيطرت عائلته على التّجارة البحريّة مع الهند!”.
ويصف سانجاي سوبراهمانيام عمله كمرّخ قائلا: “طريقتي في العمل سهلة، وهي أن أسخر من الأعمال والأفعال التّافهة والمضحكة، وأن أحزن للمأساوية منها، وأن ألعن تلك التي كانت سببا في عذاب ضحاياها”.

اقرأ أيضا