الملحق الثقافي

الاتحاد

أفكار المعادن..

لم يجد التراث العلمي للعلماء العرب والمسلمين ما يستحقه من اهتمام الباحثين والدارسين، التراث الديني والفقهي به اهتمام كبير وكذلك التراث الأدبي من شعر أو نثر، فضلا عن الحوليات التاريخية، لكن التراث العلمي يعامل بإنكار حينا وإهمال حينا آخر، أما الإنكار فيأتي من أن العلوم الحديثة تطورت في مجالات عديدة كالفلك والجيولوجيا والطب وغيرها، ومن ثم فلا مجال إلى أن تجاريها الكتب والنظريات التي وضعها العلماء العرب، وهناك من يذهب إلى أن العلوم الحديثة ليست إلا امتدادا للعلوم العربية، نهلت منها وتعلم علماء أوروبا عليها ومن ثم فلا مبرر أن نرهق انفسنا ونلتفت إلى الوراء.
التراث العلمي يستحق الاهتمام ليس فقط للتنبيه إلى ما كنا عليه وما يجب أن نواصل فيه البحث، لكن لآن بعض هذا التراث تحول إلى ما يشبه الخرافة وبعض جوانب السحر ومن هذا التراث كتاب “نزهة الأبصار في خواص الأحجار” المنسوب إلى محمد بن احمد بن صفر الغساني المتوفي عام 875هـ، ويأتي هذا العمل في إطار التراث العربي في علم المعادن، وهو من العلوم التي حظيت باهتمام مبكر في العصر الإسلامي وكان من أوائل المهتمين به جابر بن حيان، الذي توفي عام 200 هـ، صاحب رسالة “كتاب الأحجار” ومنهم كذلك أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفى عام 311 هـ وله كتاب “الخواص” وكتاب “علل المعادن”، نعرف ان هؤلاء العلماء لم يكن لديهم معامل مجهزة ولا يقومون باجراء التجارب على النحو الذي نعرفه في عالمنا اليوم، ولكن كتبهم ودراساتهم مهمة فقد بنيت على ملاحظات دؤوبة وتجارب بسيطة بحكم ما كان متاحا لهم.

بلا اسم
الكتاب أو الرسالة التي بين ايدينا، ليس مؤكدا مؤلفها، والأغلب أنه مجهول ولذا وجدنا د. أحمد فؤاد باشا في تقديمه لها لا يذكر بالمرة اسم مؤلفها، بل تحدث عن التراث العلمي عموما وعن هذه الرسالة إجمالا وهذا يعني أنه ليس متأكدا بالضبط من المؤلف، أما المحققان فقد ذكرا أنها منسوبة إلى المؤلف شمس الدين محمد بن احمد، ولم يتمكنا من العثور على مادة علمية حوله، ومكانته العلمية، فضلا عن مكانة هذه العلوم في ذلك العصر، وطبقا لهما جاءت الرسالة في نهاية القرن التاسع الهجري، ونعرف أن ذلك القرن شهد تراجع الحضارة العربية - الإسلامية، بينما كانت الحضارة الأوروبية تحاول الدخول إلى عصر النهضة الحديثة، ومن المفارقات التاريخية أن الغرب كان يحاول النهوض بالترجمات التي نقلت من العربية إلى اللاتينية، فضلا من الاحتكاك المباشر مع العرب والمسلمين أثناء الحروب والحملات الصليبية، وكنا نحن نتجه إلى خمول وتراجع عبر إغلاق باب الاجتهاد وتحجيم العقل وانتشار الاستبداد السياسي والحط من مكانة العلم والعلماء.
تتكلم الرسالة عن ثلاثين معدنا من المعادن بالتفصيل، فضلا عن ثلاثين معدنا آخر جمعها في فصل واحد، وإذا كانت الحضارة الغربية الحديثة اعتمدت على الحديد، في القطارات والسكك الحديدية والمصانع فإننا نجد هذه الرسالة تعطي الحديد اهتماما خاصا، إذ تقول عنه “هو أكثر فائدة من سائر المعادن، حتى أن أهل الصناعات كلها تحتاجون إليه لان ما من صنعة إلا وهو يدخل فيها”.
المؤلف يهتم اكثر بالجانب الصحي والطبي للمعادن، ويقول كلاما يحتاج إلى بحث ويقول عن الحديد “وصدؤه يأكل أوساخ العيون اكتحالا”، و يقصد الكحل لكن الكحل من برادة الحديد وليس من صدئه.
مشكلة التحقيق
وهناك بعض آراء يمكن أن تدخل في الخرافة، في حديثه عن الياقوت يقول “من تقلد بحجر منه أو تختم به، وكان في بلد فيه طاعون، لن يلحقه الطاعون، ويُقبل في أعين الناس ويسهل عليه قضاء الحوائج” وعن الياقوت الأصفر يقول “إنه يمنع الاحتلام” أما الياقوت الأزرق فله فائدة أخرى “من تختم به وجامع منع من الحَبل” وحين يأتي إلى الحديث عن العقيق يقول إن من تقلد به أو تختم بالأحمر منه ـ أي لبس خاتما منه ـ سكن غضبه عند الخصام، وهي أمور كما ترى ترتبط بأسباب نفسية أو أسباب عضوية، تعرف انه منذ سنوات تحدث أحد المهندسين عن قلائد معدنية تشفي مرض “فيروس سي” وحققت أعلى مبيعات وتصدى الأطباء له وقتها، ومع الوقت ثبت عدم صحة ادعاء ذلك المهندس، لكن في المقابل هناك بعض الأمراض تعالج بارتداء بعض القلائد أو الأساور المعدنية، خاصة تلك المتعلقة بعدد من حالات الروماتيزم وغيرها.
حين تتحدث الرسالة التي بين أيدينا عن النحاس يقول كلاما مازال معمولا به إلى اليوم مثل التحذير من تناول الطعام في أطباق أو أواني النحاس لخطورتها على الصحة، الرسالة فيها بين هذا وذاك، في حديثه عن المغناطيس يقول “وإذا أمسكته المرأة بيدها سهلت ولادتها” ولا يلاحظ هو أن المغناطيس نوع من أنواع الحديد، بل انه يتحدث عنه باعتباره شيئا آخر غير الحديد.
لهذه الأسباب وغيرها فإن هذا الكتاب يتطلب تحقيقا من نوع آخر ليس هو وحده بل كتب التراث العلمي كلها، اننا نلاحظ أن من يحقق نصا أدبيا هو نفسه من يقوم بتحقيق نص علمي، وهذه واحدة من أزمات التراث العلمي العربي، المحقق الأدبي يقوم بضبط النص وتصحيحه لغويا، وجعل المخطوطة متاحة للقراءة للقراء العاديين من أمثالنا، لكن التحقيق العلمي والدراسة شيء آخر، ومن هنا فإن التراث العلمي بحاجة إلى علماء وأطباء كل في اختصاصه لتحقيق نصوصه، ذلك أن معظم المعلومات في المخطوطة التي بين ايدينا تدخل في مجالي الطب والكيمياء، ولابد من متخصصين في هذين المجالين لتحليل النص، نعرف ان المعادن تدخل في تركيب عدد كبير من الأدوية وينصح بها الكثير من الأطباء، لذا لا يمكن أن يقوم محقق لغوي وحده بدراسة النص، بل لابد من العلماء ويمكن القول إن تلك هي المشكلة الحقيقية أمام التراث العلمي العربي، نعرف ان العلماء المتخصصين وكبار الأطباء لن يكون لديهم الوقت للتفرغ لمثل هذا العمل، ولذا لابد ان تقوم الجمعيات العلمية بهذا الواجب، خاصة أن بعض التجار ذهبوا إلى التراث العلمي وحولوه إلى وصفات طبية تضر في كثير من الأحيان أكثر مما تنفع.

اقرأ أيضا