الملحق الثقافي

الاتحاد

أسئلة الكون.. الشفيفة

نشرت “الاتحاد الثقافي” يوم الخميس 7 يونيو 2012، مجموعة قصائد نثر لستة شعراء إماراتيين هم: نجوم الغانم حيث كتبت “ماء المساء”، وميسون صقر “السر العالق”، وإبراهيم الملا “ارق”، وحبيب الصايغ “البراهين”، وسعد جمعة “كرة الصخر” واخيرا كتب خالد بدر “في صمت”، وعلى الرغم من أن لهؤلاء الشعراء تجاربهم الخاصة، فهي في هذه القصائد تقترب من بعضها البعض سواء في تشكل عالمها أو في التقنيات الخاصة بكل قصيدة وكانها تنظر من نافذة واحدة نحو الحياة، فعالم هذه القصائد وتساؤلات شعرائها، والتقنيات التي استثمروها والتفاصيل الصغيرة التي ضمتها قصائدهم تمنحنا فرصة قراءتها مجتمعة لعلنا نخرج بصيغة جامعة لوجهات النظر الفنية لهؤلاء الشعراء وهم يعيشون ضمن افق بأسئلة مصيرية، تتعلق برؤاهم عن جدوى الحياة، وقسوة سيولة الزمن وهي تخرب النفوس والأجساد بقسوة بالغة.
يتشكل أفق هذه القصائد بمواجهة صريحة لإشكالات الوجود، والمصير الإنساني، وهي في منحاها هذا، تطمح ان تسجل وجهة نظر إزاء الحياة والزمن اللذين يتجليان كقوى متجبرة لا تحفل بنداءات الذات التي تطمح أن تعقد علاقة صلح، معهما دون جدوى، وهذه القصائد تتجاهل مجريات الحياة اليومية ومنغصاتها، وآلامها كما هو حال معظم قصائد النثر العربية التي تحتشد فيها مجازات واستعارات هجاء الواقع المعيش المهلكة، ونلاحظ في تشكل أفق هذه القصائد ميلها الواضح إلى تجنب الوقوع في شرك نداءات الذات العاطفية التي تحيل إلى الشكوى ومرارة المعاناة الفردية، لأنها تطمح إلى إنشاء خطاب واع، يجسد أسئلة الوجود المحيرة وافق التجربة الإنسانية، وهي تصارع وجودها مع إشكالات الزمن، وتابو العلاقات القارة المؤذية.

وجهات النظر
إن هؤلاء الشعراء يتخذون من تعدد وجهات النظر ـ الالتفات ـ لكسر حدة الصوت الواحد، وخلخلة بؤرة النشيج الذي يمكن أن تديمه وتعلي صوته نداءات الذات، وخساراتها التي تجسدها جمل شعرية لاحظنا تمردها على البنية الكلية للقصيدة لتنفرد في إعلاء صوتها على الأصوات الجماعية التي تتناغم في القصيدة الواحدة كما في قصيدة نجوم الغانم:
وتجيب: أي وزن لأي شيء حين
لا تكون سوى شعلة الموقد
بدلا من الموقد
أو غصن الشجرة بدلا من الشجرة
أو زوجة الراعي بدلا من الراعي (من قصيدة “ماء المساء”)
وكذلك في قصيدة “أرق” لابراهيم الملا حيث تتمرد هذه الجمل عن سياق القصيدة:
بالرهافة ذاتها التي تهشم الزجاج
بالحنان المكور في القلب
يزورنا الأرق في السرير ذاته
الذي سرحناه يوما خارج النوافذ
وعلى الرغم من كل ذلك تبقى هذه الجمل الشعرية ضمن أفق القصيدة، تضيء، وتشتبك مع غيرها لإضاءة وجهة نظر الشاعر.
في قصيدة “ماء المساء” للشاعرة نجوم الغانم، عزوف عن حياة اليقظة، وهروب باتجاه أبواب الليل الرحبة، حيث تخفى أسرار الذات وجراحاتها، في رحلة فردية ضامرة منتكسة بعد سيرة حياة أعطت الكثير دون أن تجد عزاء أو لمسة حنان، لذا تجد في “أرواح الليل” ترجيعا مؤنسا لمخاوفها:
لنطرق باب الليل، فإن أجابت أرواحه فلأنها
مستيقظة... ولأنها مستيقظة
فستصغي إلى صوت خوفنا الذي يشبه
صراخ الطيور المهاجرة في العتمة
ثم تستثمر الشاعرة، رحابة حركة السرد، لتحكي حكاية الأنثى/ الأم التي تخشى مكائد اليقظة فـ”تضع قلبها بقربها على الطاولة
وترجو الأحلام ان ترفع صلواتها الخافتة إلى أي سماء مفتوحة”.

الأنا الجمعية
في هذه القصيدة الجميلة تناوب بليغ بين صوت الأنا الجمعية الذي يدشن، الصوت الجماعي للإناث، وهن يدثرن آلامهن ومعاناتهن بعباءة الليل الكثيف ليخفي أسرار المعاناة والغربة “وصوت خوفنا” مقابل العطاء الباذخ الذي يذهب هباء ويسرده المقطع الثاني من القصيدة، بتقنية ضمير الغائب”
كرحلة حتى حافة السهل
تذهب ، متأبطة وردة أيامها كقربان.
ويبدو الزمن الذي يتجسد بإشكال متنوعة سرا لا يمكن مسك حركته حتى بأقوى التوسلات فهو كرمال متحركة:
“تسيج الأفق بأسوارها” و”إنني صرت رهينة حبسها”، ليبقى الزمن نائيا ساخرا من توسلاتنا.
إن رحلة الأم:
“التي تقبل أن تخزها شوكة الموت
على أن يقتل قلبها، بسكين الغفلة”
هي رحلة عطاء دائم وانفتاح نحو حياة الآخر الذي يكون بخيلا في كل شيء، لتجد نفسها وحيدة “متأبطة وردة أيامها كقربان، لأنبياء الجبال...” تبحث عن “اقل مما تريد” في أفق يبدو مستحيلا عليها، والشاعرة نجوم الغانم، تديم خطابها الإبداعي في هذه القصيدة مرة بالجملة الفعلية التي تنتقل من معنى الأمر إلى الرجاء لان الخطاب فيها موجه من الذات الضعيفة إلى “أرواح الليل” المجهولة، وفي هذه الجمل الشعرية تستثمر الشاعرة طاقة الفعل المضارع، وقدرته على تكليل الحدث الآني باتجاه مستقبل يستجيب لنداء الذات التي تسكنها الرتابة وحصار الزمن، وبالشكل الذي يفتح أفقا حلميا لها، تديمه الجمل الشعرية والاستعارات المتنوعة التي تبتكرها الشاعرة للام لتجدد في شكل حياتها الراكد فهي “تتأبط وردة، يداعب فكرها سحاب الأعالي، تتكسر تحت أقدامها أحجار الطريق وتجري دماؤها بمحاذاة الينابيع ثم تطمح أن “ستكون الإوزة في بركة قصر الأمير (...) تجلس بالقرب منه كما لو أنها على عرشها الجديد” وكل ذلك من أجل إدامة الأمل في نفسها، ومن اجل تنمية الأحلام المستحيلة في نفسها الضامرة التي غررت بها “خرائط الطريق”.

تساؤلات الذات
وفي قصيدة ميسون صقر المعنونة “السر العالق”، يؤطر الفعل المضارع بنيتها، ليشير الى راهن ممتد الى المستقبل، يحتضن تساؤلات الذات، وهي تستنكر غواية اقتحام عالمها وفض وبعثرة أسراره الدفينة:
“انام
العيون مفتوحة على سري
استيقظ
الشفاه تتحدث في السر
أسير
أيد تشد السر مني
أعود
محملة بأسرار عديدة”
وهذه القصيدة المكثفة التي تحدد سيرتها أفعال متحركة في الآن، وتشي بامتداد الزمن في نفق الآتي، تبنى جملها الشعرية بناء متضافرا مع دلالة العنوان الذي يبدو كثريا او لافتة أو إعلان مثبت في واجهة الذات، تحتمي فيها الذات من تطفلات الآخر سواء في أوقات النوم والاستيقاظ او الحركة ثم العودة، وكل ذلك يشير الى دلالة ظاهرة ومفهومة، ولكنها بنفس الوقت تطمح لان تدشن الأعمق في الدلالة عندما نقرأ هذه الجمل الشعرية:
السر عالق في فمي
لا يخرج فيتحلل ولا يدخل السريرة فيهدأ
السر عالق في هدبي
يتأرجح بين مقلة العين وجفنها
لا يقع ولا يدخل الرؤية
التي تحيلنا إلى النفري في شطحاته حين يقول:
لكل شيء سر: إذا وقفت عليه، حملته ولم يحملك، ووسعته ولم يسعك.
أو:
أقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه وإذا خرج فلا تمدّه وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان.

تناص التأليف
هذه الإحالة لا تعني تناصاً مع النفري في المعنى ولكنه تناص في التأليف بما يراد للكلمات أن تشير إلى محمولات لدلالات متباينة منها ما هو قريب ومنها ما هو بعيد، ولذا فأن الأفعال المنفية “لا يخرج فيتحلل ولا يدخل ويهدأ” ونفي الفعل المضارع بلا النافية، في الجمل التي تشكل نهاية القصيدة، تعبر عن معنى الحيرة والارتباك وعدم اليقين في معرفة كنه السر الذي يتلبس الذات: أهو سر من أسرارها الخاصة أم أنه سر من أسرار الحياة لا يمكن فك طلاسمه وأحاجيه؟
إن الإجابة عن كل هذا النفي المتجسد في الأفعال: يدخل، يخرج، يتأرجح، ثم لا يقع، لا يطيح، ولا يطير، كلها تدشن كينونة السر الذي لو عرفنا معناه فسوف ينتفي أن يكون سراً ولذا فأن الشاعرة كي تتخلص من حيرة وغموض أسئلتها وإجاباتها، تلقي مرساتها في بحر الحياة: “السر في الحياة” لتنفتح القراءة مرة أخرى بهذا الاتجاه، فيتعمق الإحساس بالحيرة، ويتخذ مسارا يستبدل به أنا المتكلم بضمير الغائب الذي يتحرى ويصف بجمل شعرية تكون خارج إرادة الذات وهواجسها، بأن سر الحياة وهاجس ديمومتها نسبة الى فنائنا عالق في الجميع.

الصمت والسرية
ترسم قصيدة “أرق” للشاعر إبراهيم الملا جواً مغلفاً بالصمت والسرية، والتكرار لشبه الجملة “في الصمت” لإشاعة جو غرائبي تتسيد فيه جمل شعرية باتجاه تكليل الغريب من الصور في انتقالات بوجهات النظر يتحكم فيها ضميري الغياب مرة والأنا الناطقة بلسان جماعة المتكلمين مرة أخرى للانتقال من مشاهد قارة وصفية إلى سرد متحرك باتجاه تجسيد رؤى حلمية تلغي التسلسل الزمني في السرد الشعري الذي يحملها “صورة بالأبيض والأسود”، لإنشاء فضاء خيالي متحرر من المكان والزمان وذلك بالانتقال من حاضر يكلله الصمت الأكيد لليل، في الصمت الموصوف “بأكثر دقة من الإبرة” حين “خرجت أرواح بيضاء من الشجرة”.
ومن مفارقات هذه القصيدة تكليل الأرق بأسماء تمجيدية مشرقة بالصور الجميلة والأحاسيس المرهفة:
“ضيف وحيد كان يدق أبوابنا
ذلك الذي نسميه: الأرق الذهبي
بتيجانه المرصعة ونبله الذي يضيء السواحل”
ويكتسب الأرق أهميته في وجهة نظر الذات المنشدة، إنه يتوغل في إضاءة الماضي البعيد “إلى أرصفة الطفولة السائلة، حيث النشيد الهرم للذكرى” وجملة النشيد الهرم للذكرى إحالة إلى زمن غابر تجاوزته الذات الى الكهولة، لكن الأرق الذهبي يحتفي بهذا الماضي حين يستعيد الطفولة مجسدة “بالطائرات الورقية، عيوننا المعلقة في النجم، طابور من السحرة، ثم صورة بالأبيض والأسود لحصان بلا ضجيج..” وكل ذلك تدشنه أفعال وأسماء مضافة الى ضمير الأنا الجمعية لرفع رتبة الماضي التليد الى حياة بديلة عن الحاضر وهو يمعن في ركوده وديمومة الصمت فيه، باتجاه عالم الأحلام والأرواح “البيضاء” وهي تتسيد كضيف “وحيد كان يدق بابنا”.

تقنية الالتفات
في قصيدة “كرة الصخر” للشاعر سعد جمعة، لم أجد ذلك الراقص الذي تفر منه “الحيوانات كلها، وأمه الكون، تسقيه حليب السباع” وجدت خطابا مملوءا بالحزن الشفيف يبدأ بـ”تسقطين أيتها البهجة، ونمر في النفق الطويل مع جنون المخيلة”.
فتصبح الحياة “كرة صخر” تتحطم عليها أمواج البهجة والسرور، وتتكلل برؤى كابوسيه يتسيد فيها زمن قاس يضبب الرؤية ويجعلها لا ترى إلا الوجه المظلم منها.
والشاعر في سعيه لتجسيد “كرة الصخر” المهلكة يستثمر صيغ فعلية وتناوب في وجهات النظر ـ تقنية الالتفات ـ بالشكل الذي يعمم ويشخصن التجربة في آن، فهو في نعيه للبهجة يستثمر الفعل المضارع المقترن بنون النسوة، “تسقطين” وباستثمار ضمير الأنا الجمعية في ترصيع جو القصيدة بمشاهد عامة تشي بالرعب من هذا السقوط:
تلبسنا الرعب
وقعت حواجب وجوهنا
وأظافرنا الطويلة قلمت بمقص أشجار
تهالكت أصابعنا في لمس الطري
لينتقل بعد ذلك إلى ضمير الأنا النائبة عن الذات الناطقة، باستخدام الفعل رأى بمعناه البصري والرؤيوي، وبطريقة الجمع بين الذاتي والتجسيد الصوري بعين الكاميرا، التي تجسد المخفي عن العين الباصرة:
رأيت جميع من سقطوا، وحتى عيون البلاد مضت
دون أن يدري أحد أن جمالها يتوجع
رأيت الطفل ذا الشعر الأغبر الكث بملابسه التي جلبها له أبوه منذ سنين
ثم يبدأ سيل الأسئلة التي تنقل معنى الاستفهام إلى الرجاء دون أن يكون لهذا الرجاء أدنى استجابة:
من يأتي لينتشل الزمان المنهك من على وجهي
وأنا لم أمض حتى إلى الأربعين...
من يوقظ في قلبي الجمر الأخضر.
إن قصيدة “كرة الصخر” قصيدة رثاء بنشيج متصل لعذاب الفقدان، وتسيد الزمن وجبروته على ذات مرهفة لا تملك التمرد او الرفض بل تقف حائرة وهي تراقب “الذئب/ الزمن” “الذي مازال يطاردني على الشاطئ...”
لتصل الى ذروة الوحدة التي تكرس مرارة نفي الانتماء الى أي جهة يمكن لها أن تعيد البهجة الى النفس:
أي خريطة على الكرة الأرضية.. هذه التي نحب؟
أي حلم اندفعنا إليه منذ أن عرفنا ملوحة البحر؟
اي رمل هذا الذي تركناه يغرس في أقدامنا.

الجدوى واليقين
وفي قصيدة “البراهين” سأتوقف متأملا هذا النفي المطلق والهجاء المبطن بالسخرية المرة “لسفر المكابدة” في هذه القصيدة للشاعر حبيب الصايغ التي تنفي كل برهان عن الوجود المشخص للذات وهي تتحرى وتبحث عن الجدوى واليقين بلا النافية للجنس التي يبدأ بها قصيدته وبتكرار بليغ، يؤسس لهذا المعنى ضمن أفق مغلق وبتكثيف عال وجمل شعرية دالة على علاقة نفي مع العنوان الذي يمثل في هذه القصيدة ثريا متمردة على متن القصيدة، فالعنوان يحفز البحث والتحري والاستجواب عن يقين من نوع ما، بخلاف جمل المتن الشعرية التي تكرس الخمول واليأس والنكوص:
“لا بحثا عما تلقنه الحتوف للصباحات
ابدأ سفر المكابدة
وأرتق بالحسرات فتوق المعاني
ثم
لا بحثا ولا شغفا، اصطاد السمكات،
بصنارات الخوف واستلقي على سرير الريبة
لا بحثا ولا موتا”.
ومفردات الشاعر حبيب الصائغ المقتضبة الدالة على قدرته الكبيرة في التكثيف والإيجاز، وانتقالاته المفاجئة في عالم الفعل المضارع، من نزوع الذات الى الحركة والبحث في الآن بالفعل “ابدأ سفر المكابدة” وصولا إلى إلغاء رحلة البداية “واستلقي على سرير الريبة، لا بحثا ولا موتا”، يضاف الى ذلك استخدامه مفردات تشي بالعجز مثل “الحسرات، الخوف، الغد البردان، خيباته” وأيضا عباراته الشعرية الدالة:
“البراهين تعود إلى جحرها أعلى الجبل
ويبقى ظلي وحده على سفح خيباته”
لتكشف اهم برهان في التجربة الإنسانية بعدم قدرتها على ايقاف حركة الحياة، وتقيدها في منجز الذات نفسها، وكل برهان على ذلك يكون زائفا، ويبقى “ظلي وحده على سفح خيباته
يبعثر ما تبقى في البوم طفولته من طوابع وانطباعات
كـ”براهين الذات” على حقيقة وجودها، ومستوى هذا الوجود.

عزلة الإنسان
وفي قصيدة الشاعر خالد بدر “في صمت” رثاء محمل بالأسى والحزن العميق لوحدة الإنسان وهو يعيش “في جوف الوحدة” وتحت أمطار الأنين “قبل أن يتبين هول الحياة”، وهو في غمرة مشاغله ومتطلبات حياته اليومية، وهذه القصيدة تتحدث في صمت بليغ عن عزلة الإنسان وضياع حياته التي أمست “كأنها لم تكن” أوكأنها “غير ذرات غبار تتجمع على مرايا الكون” و”تمسحها يد الموت”
وتعيدنا قصيدة “في صمت” إلى أجواء القصائد التي تناولناها وهي ترسم أفقاً للغياب والفقدان الذي ترشح في معظم تلك القصائد، خصوصا تلك التي تعتني بمفارقات الحياة وهي تنفرط من جسد الكائن، حتى لتبدو اليقظة كابوساً مخيفاً:
“ومع النهار، المتع الصافية
هبات اليقظة المزيفة تلك ستتلاشى
كأنها لم تكن”
في حين يبدو الليل بديلاً ومرتعاً خصباً للأحلام هروباً من جبروت النهار: “في هداة النوم تومض شعل الأحلام”.
ويستثمر الشاعر خالد بدر صيغة النداء ليرسم صورة كلية مقربة “للمخلوقات الطينية” وهي تعيش “في جوف الوحدة” تهطل عليها أمطار الأنين بلا توقف، وهو بهذه الصورة المفزعة للحياة يجسد الرعب من الوحدة، وهي تنهش حياة الكائن وتحوله إلى:
“ذرات غبار تتجمع على مرايا الكون
وفي كل مرة تمسحها يد الموت..”
إن الأسى والحزن العميق تجاه المخلوقات الطينية ـ وهي إشارة إلى جموع البشر دون تميز ـ التي تعيش في “جوف الوحدة” هو رثاء للإنسان الذي يجد أمه الرؤوم ـ الأرض ـ وقد ضاقت به ورفضت “كل مولود جديد”، أما خطابه الذي يحمل نبرة التهديد تجاه الأرض فهو يذهب أدراج الرياح مخلفاً صدى هذا التهديد وهو يتردد خافتاً:
“سنهب المتاهة أغانينا في صمت
ونغيب”
إن رحلة هؤلاء الشعراء نحو تخوم الأسئلة المحيرة والنداءات المستحيلة للتصالح مع الزمن وإيقاف حركته، هي رحلة الشعر الجميل وهو يتجاوز إشكالات الحياة اليومية، أو استثمار بعض تفاصيل الحياة اليومية لتجسيد رؤى وأفكار هؤلاء الشعراء والتعرف على عوالمهم التي تتجه دائما نحو أسئلة محيرة، تسهم في إنشاء أفق حيوي يحتمل الكثير من التأويلات المتنوعة.

اقرأ أيضا