الملحق الثقافي

الاتحاد

مكونات الفتق والرتق

يجمع مثقفو الأردن على وجود خلل في المشهد الثقافي، ويتحدثون دائما عن أوجاعهم وهمومهم ويطالبون وزارة الثقافة بتخفيف الوجع، لكن المطلوب أكثر من إمكانياتها خاصة بعد تقليص موازنتها السنوية، الأمر الذي أدى سلبا على المنتوج الثقافي عموما وتحميلها المسؤولية عمّا أسموه أزمة الثقافة بدل البحث والتفكير في حلول.
ومن هذا المنطلق اختتمت وزارة الثقافة الأردنية المؤتمر الوطني للثقافة “الثقافة والمتغيرات” بهدف وضع اليد على الجرح من خلال ثمانية مسارات ناقشت القضايا التي تهم الثقافة بمشاركة مثقفين يمثلون مختلف الطيف الثقافي.
ونظرا لتفاوت مستوى الأوراق المقدمة، سنعرج على أربع فقط باعتبارها الأكثر اختراقا وتوصيفا وتشخيصا للوضع الثقافي، ففي ورقته “الخطاب الثقافي في ضوء متغيرات الواقع العربي الجديد” يرى الدكتور رائد عكاشة المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي “أن امتنا تعيش اليوم ظروفاً موضوعية جعلتها قابلة للانصهار في التكوينات المعرفية المتنوعة، فالغزو الفكري يكاد يضيّع شخصيتها والغزو العسكري يحاصرها، والغزو السياسي قوقعها، والغزو الاقتصادي جعلها سوقاً مستهلكاً”.
ومن وجهة نظره أسهم تفاعل الشخصية العربية مع محيطها الخارجي ببروز تفاعلات أكبر وأوضح مع مكوناتها الداخلية لا سيما على مستوى الهوية والبناء المعرفي، فظهرت مصطلحات ومفاهيم كالهوية والتبعية الثـقافية والاستلاب الثقافي والغزو الثقافي والاختراق المعرفي والانتماء والارتماء والأمن الاجتماعي والنهوض الحضاري والأصالة والمعاصرة.

انتقال للديمقراطية
وجاء في الورقة “إن ما شهده عالمنا العربي مؤخراً ليس ببعيد عن مسيرة الانعتاق، فلم يعد الوعي مقتصراً على خاصة الخاصة يمارسون أبويتهم وسدانتهم على باقي شرائح المجتمع، ولم يعد المكوِّن العلمي أساساً للفتق والرتق وإشعال فتيل الحراك، ولم يعد المركز هو الأساس في صنع خميرة التغيير.. فنحن نعيش مرحلة انتقال نحو الديمقراطية ولا نعيش مرحلة الديمقراطية”.
ويرى عكاشة أنه ثمة حاجة ماسّة الآن إلى تجدُّد الخطاب الثقافي، فالوقائع والنفوس والمتغيرات غير ساكنة وهذا يتطلب تأطيراً نظرياً تنظيرياً لإصلاح المجتمع وتجدّده وبلورته من خلال الربط بين التجديد والحراك الاجتماعي والسياسي للمجتمع.
وحسب عكاشة فإن الوظيفة الأساسية والمهمة للمثقف هي إثارة الوعي تجاه قضايا المجتمع والعالم العربي والأمة الإسلامية.
وتحدث الباحث عن أزمة حرية التفكير وقال إن المثقف لا يتمتع بالأمن الثقافي ولا بحرية البحث والتفكير بل إن لغته وأسلوبه مقيدان مما يؤدي إلى المواربة وعدم الصراحة وثمة أزمة أخرى تتعلق بدور المثقفين في مواجهة جماعات الضغط الأخرى مثل التكنوقراطيين الذين تسلّموا السلطة مما أدّى إلى ضعف خطاب المثقفين.
أما مدير منتدى شومان الثقافي الدكتور ثابت الطاهر فتحدث عن الأمن الثقافي ورأى أن أبرز معالم الإرادة الشعبية التي قادت الحراكات بدأت عفوية دون أن يكون هناك من يأخذ بيدها أو يوجهها، أي أن الحركات من وجهة نظره افتقدت النخب الثقافية التي يمكن أن تحسن توجيه مسارها ولهذا حدث الكثير من التجاوزات ومشاهد غير مألوفة وتحولات مفصلية غير معززة بمخزون ثقافي كاف أو بدور واضح للنخب الثقافية.
ويرى الطاهر أن مرحلة جديدة بدأت في الوطن العربي بقيادة شبابية بينما وقفت أجيال كاملة موقف المتفرج والمراقب لما يجري وما يؤسف له غياب النخب الثقافية ومن يمكن أن يحدد ويرصد بدقة الوجهة القادمة.
من جهته رصد الدكتور حسين الخزاعي وهو اختصاصي في علم الاجتماع في ورقته “المسؤولية المجتمعية لمواجهة العنف” 62 مشاجرة داخل الحرم الجامعي عامي 2011 و2012، وعزا أسبابها إلى التساهل في تطبيق العقوبات بحق المشاركين والفزعة والنخوة والوساطة والمحسوبية وعدم استثمار وقت الفراغ والتباعد بين المحاضرات والفهم الخاطئ للعشائرية وعدم تركيز الإعلام على قصص النجاح للطلاب المبدعين.
من جانبه رأى الدكتور محمد شاهين أن مشكلة العنف هي أزمة ثقافة وان طلبة الدراسات الإنسانية الذين نشأ العنف بينهم ينعمون بمزيد من وقت الفراغ عكس طلبة الكليات العلمية الذين لا يجدون وقتا خارج دراستهم يمكن أن يؤدي لانحرافهم نحو العنف.

لماذا يتغيبون؟
وأثناء جلسات المؤتمر ظهرت مشكلتان الأولى تغيب المثقفين عن الحضور الذي فسره الدكتور محمد مقدادي الأستاذ المشارك بالجامعة الأميركية بأنه يعود للنظام السياسي العربي الذي أمعن في تهميش المثقفين وتهشيم البنية الثقافية مما أدى لحالتين الأولى إقصاء المثقف الذي لا ينتمي للقطيع والثانية تبني الثقافة المفضية لمزيد من الإذعان لمشيئة النظام السياسي الذي لم يحقق سوى المزيد من الإخفاقات على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي.
وحول اتهام الجامعات بعدم القيام بواجبها وصف مقدادي لـ”الاتحاد الثقافي “بعض الجامعات العربية بـ”دكاكين” تستأثر بها فئات بالجاه والمال انعكاسا لما يحدث بالمجتمعات العربية فمعظمها لم يؤد رسالتها التعليمية ولم تشكل جزءا من المجتمع المدني الذي يفترض أن يفيد ويستفيد.
وحسب مقدادي فإن بعض المؤسسات الأكاديمية نأت بنفسها عن الأبحاث العلمية والرصينة واتجهت نحو استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلبة لتحقيق المزيد من تراكم المال الذي تتم جبايته من جيوب المواطنين وعلى حساب لقمة عيشهم مقابل تخريج أفواج من أنصاف المتعلمين الذين ينضمون لجيش المعطلين عن العمل.
أما الناقد فخري صالح فقال صحيح ان هناك عيوبا في الجسم الثقافي وعزوفا من المثقفين عن متابعة الندوات والمؤتمرات الثقافية، لكن هناك جانبا آخر للمسألة يتعلق بإحساسهم باليأس من حدوث تغيرات جوهرية على المشهد الثقافي وعدم رغبة المسؤولين وأصحاب القرار في تحسين أوضاع المثقفين والاهتمام بالثقافة والفنون، والدلالة على ذلك اعتصام الفنانين منذ 25 يوما دون أن تستجيب مفاصل القرار الثقافي والسياسي لمطالبهم.
وحسب صالح فإن الثقافة لصانع القرار شيء هامشي يمكن الاستغناء عنه في أية لحظة لأنه ببساطة ديكور وليس جزءا مؤسسا من الهوية الوطنية.
والمشكلة الثانية هي عدم موافقة المشاركين على توصية باستنكار إساءة فنانين لوزير الثقافة الدكتور صلاح جرار واللجنة التحضيرية للمؤتمر حيث وصف الفنان جميل عواد أعضاءها بالمرتزقة.
وتعليقا على ذلك قال الدكتور جرار انه إذا كانت القضية شخصية فإنه يتنازل عن حقوقه مستطردا القول: نسمع الكثير ويوميا مثل هذه الاتهامات التي أصبحت ظاهرة بالمجتمع الأردني الذي يميل إلى كيل الاتهامات بدل تحديد المشكلات ووسائل علاجها.
وزاد وزير الثقافة قوله إنه لم يقصد الفنانين بعبارته في حفل الافتتاح “بدل لطم الخدود” بل توجيه المثقفين إلى تجاوز الواقع والتفكير في حل مشاكلهم بطريقة علمية بعيدة عن لطم الخدود.
وقال: لقد تعرضت لإساءات كثيرة لكنني أتنازل عن حقوقي وتبقى حقوق أعضاء اللجنة التحضيرية الذين وصفوا بالمرتزقة والمنتفعين.

ثقافتنا والتطرف
وعقب ثماني جلسات عمل اصدر مؤتمر “الثقافة والمتغيرات” بيان عمان الذي اعتبر أن الثقافة الوطنية تواجه تحديات في ظل ظروف الهيمنة الثقافية المتمثلة بما تفرضه قوة العولمة وأن الثقافة هي الجدار الأخير والمنيع للدفاع عن هوية الأمة والحفاظ على مكتسباتها وخصوصيتها.
ولفت البيان إلى أن ثقافتنا تقوم على الحجة والبرهان وترفض التطرف والمغالاة والعنف وترسيخ مفهوم الحرية والعدالة والديمقراطية والتنوع الثقافي والتعددية والالتزام بحقوق الإنسان وحرية التعبير والرأي والرأي الآخر.
كما أصدر المؤتمر 37 توصية أبرزها إعادة تفعيل صندوق دعم الثقافة والفنون وإنشاء مجلس أعلى للثقافة مهمته دعم المبادرات والمشاريع الثقافية الفنية وفق أسس ومعايير مدروسة وعادلة.
ووفق ما تلته الشاعرة نبيلة الخطيب دعا المشاركون لإنشاء فضائية ثقافية للترويج للثقافة والمثقف والفنان ومساعدته على تقديم منتجه وصياغة استراتيجية وطنية تكون قادرة على النهوض بالشأن الثقافي وتدعيم الاقتصاد الوطني.

اقرأ أيضا