الملحق الثقافي

الاتحاد

ساعة غروب البساطي.. «هذا ما كان»

خلال أقل من عام ونصف، من رحيل بعض كبار أشهر جيل أدبي عرفته مصر والعالم العربي، جيل الستينيات، محمد عفيفي مطر وخيري شلبي وإبراهيم أصلان، لحق بهم الكاتب الكبير محمد البساطي عن عمر ناهز 75 عاما بعد صراع مرير مع المرض، ليترك مساحات من الأسى والحزن العميق في قلوب محبيه وقرائه وعارفي قدره ودوره في الحياة الأدبية، التي احتل فيها مكانا ومكانة يشهدان بقيمة وأهمية ما كتب وما أسهم به في تطور الكتابة الروائية والقصصية لأكثر من 40 عاما.

رغم أن البساطي كان من أكثر كتاب جيله عزوفا عن الظهور والبعد عن الأضواء، إلا أنه كان من أكثرهم دأبا وانكبابا على الكتابة، حيث ترك قرابة الـ 30 عملاً ما بين مجموعات القصة القصيرة والرواية منذ استهل رحلته الأدبية أوائل الستينيات بنشر مجموعته القصصية الأولى “الكبار والصغار”، ثم نشر روايته “التاجر والنقاش”، لتتوالى أعماله القصصية والروائية التي وضعته في مصاف الكتاب الكبار مثل: “حديث من الطابق الثالث”، و”أحلام رجال قصار العمر”، و”هذا ما كان”، و”منحنى النهر”، و”ضوء ضعيف لا يكشف شيئاً”، و”ساعة مغرب”، و”الخالدية” و”المقهى الزجاجي”، و”الأيام الصعبة”، و”بيوت وراء الأشجار”، و”صخب البحيرة”، و”جوع”، و”أسوار” و”يأتي القطار”، و”ليال أخرى”. وكان آخر ما صدر له قبل وفاته مجموعته القصصية البديعة “فراشات صغيرة” الصادرة عن دار الهلال مطلع العام الحالي.

إشارات البدايات
كانت البدايات الأولى للبساطي شأنه شأن عدد كبير من كتاب الستينيات تتركز حول كتابة القصة القصيرة، وجاءت الرواية في مرحلة تالية فجيل الستينيات معظمه بدأ بكتابة القصة القصيرة، ثم الرواية بعد ذلك، فيما عدا صنع الله إبراهيم الذي بدأ مباشرة بكتابة الرواية “تلك الرائحة” ويوسف القعيد كذلك بدأ بكتابة الرواية، “الحداد”، فيما عدا ذلك، بدأ معظم كتاب الستينيات بكتابة القصة القصيرة، جمال الغيطاني، بهاء طاهر، عبد الحكيم قاسم، يحيى الطاهر عبدالله.
اقتحم البساطي عالم النشر عقب فوزه بجائزة “طه حسين” في القصة القصيرة سنة 1962م، ونُشرت القصة الفائزة بالملحق الأدبي بجريدة “المساء”، الذي كان يشرف عليه “عبد الفتاح الجمل”، الأب الروحي لجيل الستينيات بأكمله، وهو الذي احتوى واحتضن كتاب هذا الجيل، وصاحب الأيادي البيضاء على معظمه. ثم والى نشر قصصه القصيرة، بالدوريات والمجلات الأدبية المعروفة آنذاك، مثل مجلة “الكاتب” التي كان يرأس تحريرها الكاتب اليساري المعروف عباس صالح، ومجلة “المجلة” التي كان يرأس تحريرها ويشرف عليها الكاتب الكبير يحيى حقي، وكذلك مجلة “الآداب” البيروتية الشهيرة لصاحبها الروائي سهيل إدريس، كانت هذه المجلات من أهم المنابر والمنافذ التي فسحت المجال واسعا لنشر النتاج القصصي والروائي والأعمال الإبداعية عموما للأجيال الجديدة.
كانت مجموعة “الكبار والصغار” التي نشرت طبعتها الأولى عام 1967 عن دار الكاتب العربي، أول ما ينشر له بين دفتي كتاب، وهي التي جمع فيها قصصه المنشورة في الدوريات والصحف على مدى عامين، وكان البساطي خلال تلك الفترة متنقلا بين عدة أماكن حيث ترك سوهاج واستقر بالقاهرة، بعد أن أنهى دراسته وحصل على البكالوريوس من كلية التجارة، ثم عاود السفر مجددا إلى أسوان بعد أن تم تعيينه بالجهاز المركزي للمحاسبات هناك. ثم نشر مجموعته القصصية التالية “حديث من الطابق الثالث”، بدأ بعدها في كتابة الرواية، فكانت روايته الأولى هي “التاجر والنقاش”، التي تناول فيها تجربة الغربة والسفر في محافظات نائية عن القاهرة.
كانت الفترة التي قضاها مغتربا في محافظة أسوان، عقب تعيينه بالجهاز المركزي للمحاسبات هناك، أشبه برحلة أو عزلة سمحت له بالكثير من الوقت للتأمل والقراءة والتفرغ للكتابة، وهو ما حكى عنه قائلا في حوار سابق معه بقوله : “كنت وقتها في شعبة الجهاز المركزي للمحاسبات بأسوان، ماذا تفعل في بلد لا تعرف فيه أحدا وتنتهي من عملك الساعة الثانية ظهرا، وبعد ذلك أمامك الوقت سخيا متاحا؟ كنت أتجول في أنحاء المدينة وأرتاد المقاهي الموجودة وأجلس بالساعات أتأمل وأنظر للمارة والسائحين وأهل البلد من السكان الطيبين، وكنت أصطحب معي مجموعة ضخمة من الكتب والروايات التي قرأتها بل التهمتها التهاما، هذه القراءة دفعتني دفعا لكتابة أعمال قصصية وروائية، وكان لي العديد من محاولات الكتابة في الصحف والمجلات آنذاك”.
ويحكي البساطي عن ظروف كتابة روايته الأولى قائلا: “في مرحلة أسوان التي كان بها آنذاك حديقة رائعة في غاية من الجمال والتنسيق، كنت أترك مكتبي في الغرفة التي أقطن بها وأتجه إلى هذه الحديقة الجميلة لكي أقضي بها معظم الوقت، وأجلس بها أكتب ما شاء الله لي أن أكتب، وفيها كتبت روايتي الأولى “التاجر والنقاش”.

كتابة البساطي
لعل أهم ما يميز أو يجمع معظم كتاب الستينيات عموما، والبساطي تحديدا، أنها كتابة تركز على معالجة الشأن السياسي وقضايا الوطن وإشكالياته المزمنة، ففي هذا الوقت من أوائل الستينيات كان هناك زخم إبداعي كبير تناول مسألة الاستبداد بالرأي وقمع المخالفين، وكبت الحريات ومصادرة الحريات الشخصية، ورغم ذلك فإن البساطي لم يغادر السياق العام لمعظم كتاب جيله الذين عاشوا ازدواجية التناقضات الحادة في مصر الستينيات، حيث كانوا ينتقدون في كتابتهم الدولة البوليسية وقمع الحريات والاستبداد بالرأي دون أن يتخلوا عن رأيهم الراسخ من أن فترة مصر الناصرية هي أهم فترة في تاريخنا الحديث، والأخطر تأثيرا في مجريات الحياة في مصر والعالم العربي ككل، واعتبارها الفترة الأهم التي فجرت فيهم الطموح ودفعتهم دفعا للإبداع والكتابة والخروج على الأنماط التقليدية والسائدة من أشكال الكتابة، وهو ما تبدى في النقلات النوعية على مستوى الشكل والمضمون في القصة القصيرة والرواية والمسرحية والشعر والنتاج الإبداعي ككل خلال هذه المرحلة.
“هو أقرب كتاب جيله شبها بيوسف إدريس”، هكذا وصفه شيخ النقاد المرحوم شكري عياد، الذي يعد من أوائل من نوهوا بموهبة وتميز محمد البساطي القصصية، استطاع محمد البساطي في الكثير من قصصه، خاصة في مجموعته الأولى “الكبار والصغار”، أن يدفع بالعلاقات الواقعية بين الأشياء إلى عالم كابوسي يوحي بالرمز، وقصد إلى استخدام تكنيك القصة الواقعية التي أخلص لها إخلاصا شديدا، وقصد إلى تجريد الأسلوب الواقعي من زيادات وحواشي تيار الوعي أو المونولوج الداخلي، كما تخلص تخلصا تاما من زاوية الرؤية أو وجهة النظر، وربما كان البساطي أحد أهم كتاب التيار “المحايد”، إن جاز التعبير، في القصة والرواية على السواء.
ركزت أعمال البساطي في مجملها على عالم المهمشين ومعاناة الفقراء والطبقات الكادحة خصوصا من الفلاحين، وكان من الكتاب الذين برعوا في تصوير حياة الريف وتغلغل في تصوير دقائقه وتفصيلاته والتقاط الجوانب الخفية في شبكة العلاقات الإنسانية لشخوص وحيوات البسطاء في القرى والمدن النائية والجماعات الصغيرة التي تحيا على الهامش.

بعيدا عن الصحافة
كان البساطي من قلة قليلة من كتاب جيله الذين ابتعدوا تماما عن الكتابة للصحف أو المساهمة بمقالات دورية مخالفا في ذلك معظم كتاب الستينيات الذين احتلوا طوال أكثر من ثلاثة عقود صفحات الجرائد والمجلات في مصر والعالم العربي، يكتبون المقالات المختلفة والمساهمات الأدبية والنقدية عدا إبداعهم الروائي والقصصي المنشور في كتب مستقلة، وعندما سئل عن السبب وراء ذلك أجاب “أنا لا أكتب المقالات ولا الأعمدة في الصحف والدوريات المختلفة؛ لأن الذي سأكتبه في المقالات الدورية أكتبه إبداعاً خالصًا”، وفصل رأيه بوضوح أكبر حول رفضه للكتابة خارج إطار الإبداع بأن “صحيح أن الآراء والتأملات والأفكار تأخذ وقتا تطول أو تقصر حتى تتخمر وتنضج، لكنها في النهاية تكتمل وتتبلور وتخرج في صورة عمل إبداعي متكامل، أو عمل فني ناضج أو في أضعف الأحوال تكون أرضية أو خلفية يحركها أو يوظفها الأديب أو الكاتب في عمل روائي أو قصصي، والرواية في العموم تأخذ مني في كتابتها من 3 إلى 4 شهور، وذلك بتفرغ تام، دون الانتباه أو الالتفات إلى أي شيء آخر يمكن أن يؤثر في عملية الكتابة، وهذا أجدى بالنسبة لي من أي شكل آخر من أشكال الكتابة”.

فتش عن «السيرة»
لم يسجل البساطي سيرته الذاتية في كتاب، وإن حملت معظم أعماله ظلالا منها وأصداء لتجاربه الشخصية، إلا أن عددا كبيرا من رواياته برزت فيها ملامح صريحة من حياته الشخصية وسيرته الذاتية مثل “الخالدية” و”فردوس” و”أوراق العائلة” و”يأتي القطار” و”دق الطبول” و”جوع” و”أسوار” و”من وراء النافذة”.
كان البساطي على قناعة بأن الكاتب لا يقبل على كتابة سيرته الذاتية إلا عند إحساسه بدنو الأجل ونهاية العمر، وأنه لم يعد لديه المزيد ليقدمه، عندها يشعر الكاتب أنه لم يعد قادرا على الاغتراف من نهر الكتابة، فيتوقف ليستجلي مراحل حياته المختلفة وتحولاتها وتطوراتها ليقدمها شهادة على العصر، وكان حتى السنتين الأخيرتين قبل وفاته يؤكد أنه لم يجل بخاطره كتابة سيرته الذاتية أو شيء منها في كتاب مستقل.

في نقد الثقافة الرسمية
في أواسط التسعينيات من القرن الماضي تولى البساطي مسؤولية تحرير سلسلة “أصوات إبداعية” المخصصة لنشر إبداعات الأصوات الجديدة من المبدعين الشبان، وهي إحدى السلاسل التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن حركة كان الغرض منها إسناد رئاسة تحرير السلاسل الناشئة لكبار الكتاب، فأسندت رئاسة تحرير سلسلة الذخائر إلى جمال الغيطاني، ورئاسة تحرير سلسلة آفاق الكتابة إلى الراحل إبراهيم أصلان.
كان إشراف البساطي على سلسلة أصوات ضمن هذا السياق العام، ناجحا ومؤثرا وكان طموحا لإحداث طفرة في طبيعة العناوين والأعمال المرشحة للنشر، واتفق مع كثير من الكتّاب، كان يقوم بالاتصال بهم ويطلب منهم إبداعاتهم وأعمالهم الأولى كي ينشرها في السلسلة، التي لاقت رواجا ونجاحا غير مسبوقين، وكانت النافذة التي أطل منها بعض شباب الكتاب الموهوبين على ساحة النشر، كما كانت هي الإعلان الرسمي عن هذه الأسماء الذين سيبرزون بعد ذلك ككتاب مهمين.
وعندما ثارت أزمة الروايات الثلاث في عام 2003 قدم البساطي استقالته، وابتعد تماما عن العمل بأية جهة أو هيئة أو مؤسسة لها علاقة بالمؤسسة الرسمية أو تابعة للنظام، كما رفض المشاركة أو الانضمام إلى أي لجنة أو نشاط أو فعاليات ثقافية رسمية حتى وفاته، وظل منذ ذلك التاريخ رافعا لواء الخصومة مع المؤسسة الثقافية الرسمية التي انتقد رأسها، وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني انتقادا عنيفا.
واعتبر البساطي أن السبب وراء إجهاض السلسلة التي كان يرأس تحريرها، بإثارة الأزمة المفتعلة حول الروايات الثلاث هو محاولة من مؤسسات ودور كبرى للنشر تحالفت مع وزير الثقافة الأسبق، للحد من نشاط النشر بالوزارة لاستشعارها خطرا أو تهديدا من السلاسل التي أشرف عليها البساطي هو وزملاؤه الغيطاني وأصلان، وأنه ربما نتيجة لرواج الأعمال المنشورة في تلك السلاسل، ربما تؤثر بالسلب على إصدارات تلك الدور الكبيرة، وربما كانت تلك الضجة المفتعلة للحد من تأثير ورواج تلك السلاسل حتى يزول الخطر الذي يتهدد تلك الدور الضخمة.
كان البساطي شديد الانتقاد لسياسات الثقافة الرسمية التي كان يرى سمتها العامة فيما سماه “المظاهر الشكلية الفارغة”، فهناك أموال طائلة تنفق ببذخ رهيب على الاحتفالات والملتقيات والمهرجانات، دون استثمار حقيقي أو ملموس للثقافة أو لإحداث تنمية ثقافية حقيقية، وكان يقارن بين تجربة فاروق حسني التي كان يراها تجربة “فاشلة”، وبين تجربة الوزير المثقف ثروت عكاشة عندما أحدث تنمية ثقافية حقيقية خلال الفترة التي تولى فيها وزارة الثقافة، وليس استهلاكا نمطياً فجاً دون إنتاج أو تنمية حقيقية، وليس سياسة من شأنها أن تفرق المثقفين ولا تجمعهم على موقف واحد، مع مراعاة التنوع والاختلاف، ضد أي تجاوزات أو انتهاكات تحدث في حقهم أو حق المجتمع الذي ينتمون إليه ويعيشون فيه.

اقرأ أيضا