الاتحاد

الملحق الثقافي

عن سحر الأسئلة السخيفة

هناك كم هائل من الأسئلة حولنا التي لم نلحظها ولم نجهد أنفسنا بالبحث عن أجوبة لها، أسئلة قد تبدو للوهلة الأولى بدهية، ولكنها تحظى بتفسير علمي عميق، مثل السبب وراء زرقة السماء، أو كون القمر أبيض رغم أنه يعكس ضوء الشمس الأصفر، أو السبب الذي يجعل الكواكب مجبرة على الدوران حول الشمس، وكيف بدأ الكون.. وغيرها من الأسئلة..

إن هذا التفكير العميق للعقل عبارة عن تفاعل مع الواقع والخيال، وقد انتج كثيراً من العلوم والاكتشافات التي نشهدها اليوم، ولعل هذا التفاعل يطلق عليه مسمى التساؤل، أي أن العقل يستفهم ويستفسر عن ماهية الأشياء وفلسفتها وخلفيتها العلمية.. إن هذا النوع من الحيوية العقلية هو ما يتميز به الأطفال، حيث يسألون بشغف ويبحثون عن الإجابة بأيديهم وتجاربهم الخاصة، ولكن هذا الشغف المعرفي يختفي شيئاً فشيئاً عندهم، إذ ينمو لدى الأطفال ـ فيما بعد ـ حالة من الخوف من السؤال، بسبب تذمرنا منهم وقمعنا لتساؤلاتهم، والسبب يكمن في عجزنا عن توفير إجابة صحيحة عما يطرحونه، فنهرب أمامهم من مواجهة جهلنا بقمع التفكير لدى الطفل ومنعه من السؤال، وبالتالي تحطيم مجاديف عقله الحر.

المفكرون الصغار
إن الأطفال مفكرون صغار، يجب أن يتم أخذ أفكارهم وأسئلتهم بعين الاعتبار وعلى محمل الجد، في المدرسة وفي المنزل، فذلك كفيل بأن يصنع منهم عقولاً مبدعة ومنطلقة تخدم البشرية، والذي يحدث مع الأسف أنه مع تقدم الإنسان في السن وبسبب القمع الفكري الذي يواجهه في مجتمعه، تقل تساؤلاته وكأن العلم مخصص لمرحلة عمرية دون غيرها، أو كأن السؤال يجب أن يكون دقيقاً ومحدداً وواضحاً، وغير ذلك من الشروط والمواصفات والهالات، لدرجة تجعلك تقرر الصمت، حتى بتنا نخجل من إجهاد عقلنا بالتفكير بشكل علمي لنستشعر مدى غموض الكون ومدى جهلنا.
نقطة انطلاق الإنسان وتحوله إلى إنسان مفكر وعالم ومبحر بالمعرفة، هي السماح للعقل بالتساؤل وإعطاءه أجنحة تحلق به إلى فضاء أوسع. عرف علماء النفس السؤال على أنه مجموعة من العمليات العقلية حيث يستخدم الإنسان ذاكرته وذكائه وخياله.. ذاكرته من أجل الاستفادة من خبراته وتجاربه وربطها بالموضوع الذي يتساءل حوله، وعنصر الخيال مهم في عملية السؤال من أجل تكوين فرضيات حول الموضوع قد تحتمل الصواب والخطأ، أما عنصر الذكاء، فهو يضمن أن يتم بناء الفرضيات على أسس منطقية ومثبتة، ومن هذا المنطلق يكون السؤال هو اللبنة الأولى لأشهر النظريات العلمية والابتكارات والاختراعات.. ولا مبالغة في القول إنه يبني الحضارات ويطور الإنسانية.

خطوات العلم
المنهج العلمي عبارة عن عدة خطوات يتم السير عليها للوصول إلى نظرية علمية صحيحة، وهي: الملاحظة، حيث يتم إدراك حقائق محددة. والفرضية، وهي عبارة عن تكوين فكرة حول الطبيعة العامة للظاهرة التي تكون تحت مجهر البحث. والتنبؤ، حيث يتم توقع حدث مستقبلي بما يتلاءم مع الفرضية. وأخيراً، التجربة وهي إجراء اختبار لمعرفة ما إذا كان التنبؤ صحيحاً أم لا.. وهذا التسلسل معروف ويتم تعليمه، ولكن إلى جانب هذه الخطوات الأربع يعتبر كثير من العلماء إن طرح التساؤل أو المشكلة، ومن ثم البحث عن الجواب هو من أبرز وأهم الخطوات في المنهج العلمي، فهو الطريق الذي يؤدي للخطوات الأربعة (الملاحظة، الفرضية، التنبؤ، التجربة). يقول مؤلفا كتاب “أهم خمسة أفكار في العلوم” تشارلز وين وآرثر ويجنز: “يرى البعض أنه لا يوجد منهج واحد منفرد للعلم، ويقولون إن مثل هذه المناقشات تجعل الأمر يبدو كما لو كان المرء يمكنه بسهولة تطبيق هذه الخطوات بالترتيب للتوصل إلى اكتشافات وحل أي مشكلة عليمة، في الحقيقة إن العلم لا يبدأ بالملاحظات أو الحقائق ولكنه يبدأ بالمشكلات”. ومن هنا، يتبين أن طرح السؤال وإدراك المشكلة أهم بكثير من الخطوات العلمية التي تسمى بالمنهج العلمي، وأن البحث عن إجابة السؤال كفيلة بإيجاد نظريات علمية واختراعات دون الحاجة للخطوات الأربعة. والذي يدعم رأي هذان العالمان هو قصة العالم الكيميائي دالتون الذي اكتشف الذرة، حيث يقول جيكوب برونوفسكي في كتابه “التطور الحضاري للإنسان” حول بداية دالتون في اكتشاف الذرة: “كان دالتون رجلاً ذا عادات ثابتة، لقد ظل يخرج كل يوم سائراً من مانشستر سبعة وخمسين عاماً. كان يقيس معدل سقوط الأمطار ودرجة الحرارة، وكان عملاً مملاً جداً، ومن كل هذا الكم من المعلومات لم يخرج بشيء إلا بسؤال واحد دقيق يكاد يكون صبيانياً، وقد كان السؤال عن الأوزان التي تدخل في تركيب الجزيئات البسيطة، وعن هذا السؤال ظهرت النظرية الذرية الحديثة. هذا هو جوهر العلم، اسأل سؤالاً لا علاقة له بالموضوع تكون على الطريق لإجابة وثيقة الصلة بالموضوع”.

تفاحة نيوتن
ولعل السؤال الأكثر شهرة في التاريخ والذي غيّر مجرى التفكير الإنساني برمته، يتلخص في القصة الشهيرة للعالم اسحاق نيوتن الذي جلس تحت شجرة التفاح فسقطت عليه واحدة وتساءل ببساطة: لماذا سقطت التفاحة بدلاً من أن تطير في الجو؟! ألا يبدو هذا السؤال سخيفاً وغبياً! ومن هنا نبع أشهر قوانين الفيزياء على الإطلاق وهو قانون الجاذبية.. والذي ينص على أن كل جسم له قدرة على جذب الأجسام الأخرى له وتزداد قوة الجذب كلما زاد حجم الجسم. لو أن نيوتن اكتفى بأكل التفاحة بدلاً من التساؤل الذي قد يراه البعض غبياً لتأخرت البشرية عقوداً طويلة في الوصول إلى لتطور الحضاري الذي نعيشه اليوم. إنها الأسئلة التي نعتقد أنها بسيطة أو كما يطلق عليها البعض الأسئلة الغبية هي تلك التي غيرت وجه الأرض ونقلت الإنسانية نحو التطور والرقي..
ومع الأسف، فإن في الوطن العربي هناك محاربة بطريقة أو أخرى للسؤال، أو محاولة وضع شروط ومتطلبات، وهذه حالة معروفة في الأروقة العلمية في الجامعات، فلا تذهل من تذمر أحد أعضاء هيئة التدريس من أحد طلابه ووصفه بأنه كثير الأسئلة، وبالتالي قمعه أو الطلب منه بشكل واضح وصريح أن لا يسأل، والحالة أكبر في مراحل التعليم الأولية حيث ينشأ أبناؤنا مقموعين خائفين من السؤال، وهو ما يعني عدم التفكير، وعدم التحليل، وعدم إطلاق ملكات العقل بكل حرية وعفوية. لكن لو تم إنشاء وتربية هذه العقول على التساؤل والاستنتاج وملاحظة الحقائق والأحداث، فإنهم من دون شك سيكبرون ويكون لهم أثر بالغ، وهذا ما فعلته الحضارة الغربية في بداية انطلاقها، حيث عودت التلاميذ على التساؤل وطرح المشكلات والصعوبات دون خوف أو تردد؛ ولذلك ظهرت اكتشافات واختراعات لعلماء كان الأساس الذي انطلقوا منه هو السؤال.

بنسلين فلمنج
ولعل قصة الدكتور الكسندر فلمنج الذي اكتشف البنسلين خير دليل في هذا السياق، حيث لاحظ وجود عفن أخضر اللون بدأ بالنمو في إحدى الأطباق، وقد قضى على الجراثيم التي كان فلمنج يجري تجاربه عليها، عندها تبادرت لذهنه عدة استفسارات عفوية وبسيطة مثل: كيف يقضي هذا العفن على الجراثيم؟! وبدأ بالبحث حتى توصل في عام 1929 إلى أن هناك مادة تبيد الجراثيم، تدعى البنسليوم، وبالتالي تم اختراع المضاد الحيوي الأشهر والمعروف لدينا الآن وهو البنسلين. ولو أن فلمنج اكتفى بغسل الطبق لتأخر هذا الدواء عشرات من السنوات!
غني عن القول إن المجتمع الذي يتقبل السؤال هو مجتمع واثق من نفسه ومن قدراته ومن علومه، ولعل الصورة تكون أوضح للمجتمع برمته عندما نشاهد أحد الآباء أو الأمهات وهم يلجمون أسئلة طفلهم العفوية الصريحة المباشرة، بل يزجرونه وفي أحيان يعاقبونه، وهذه الصورة من الأسرة هي نتاج لثقافة المجتمع ومعرفته ومدى تعلمه، وإن كنا ولله الحمد في مجتمع معرفي، إلا أن الحال مختلفة مع الأسف في كثير من البلدان العربية..
ويبقى السؤال هو الوسيلة التي تحرر عقل الإنسان وتدفعه نحو التفكير والاختراع والابتكار.. فلنكن إذن، أناسا متسائلين.. ولنكن أيضاً مندفعين في البحث عن الإجابات، ولنعطي التعليم الأولي الاهتمام الكافي والعناية الكبيرة، ولتكن البداية بإطلاق حرية السؤال لأطفالنا ولنعودهم على البحث والتقصي والسعي نحو المعرفة والاكتشاف.. وسيبقى السؤال مفتاح العلوم وبداية كل تطور، فلا نسيء الظن بمن يسأل.. ولا نغضب عندما لا نعرف الإجابة أو نتذمر بل نسعى نحو معرفتها.

اقرأ أيضا