الملحق الثقافي

الاتحاد

لعبة الكلاسيكية والحداثة

لا بدّ من الإفضاء بأن ما دفعنا إلى هذه الدراسة المقارنة بين شاعرٍ عربي معروف كعمر أبي ريشة (1908 ـ 1990) في قصيدته “إلى معبد كاجوراء الهندوسي”، وبين شاعرٍ إنجليزي هو جون كيتس (1795 ـ 1821) الذي يعد الأشهر من بين شعراء القرن التاسع عشر في قصيدته “أنشودةٌ إلى أيقونة إغريقية”، هو الوقوف عند الفن الوثني، وماهية الرسائل التي يزجيها هذا الفن إلى التاريخ من بعده، بل إلى العوالم التي تقرؤه وهي ترى فيه عوالم مفتوحةً أيضاً، تنفتح بقدر أدوات القراءة، وتتجاوز الانفتاح النصي إلى التأويل إن قُرئ النص مرتبطاً بتاريخية الأعمال الوثنية الكبرى وأحلامها في الانتقال من طور المباشرة إلى أطوار الانعتاق والتواصل مع أحلام البشر التي لا تقف عند حد.

لابدّ من الإفضاء بأن ما دفعنا إلى هذه الدراسة المقارنة بين شاعرٍ عربي معروف كعمر أبي ريشة (1908 ـ 1990) في قصيدته “إلى معبد كاجوراء الهندوسي”، وبين شاعرٍ إنجليزي هو جون كيتس (1795 ـ 1821) الذي يعد الأشهر من بين شعراء القرن التاسع عشر في قصيدته “أنشودةٌ إلى أيقونة إغريقية”، هو الوقوف عند الفن الوثني، وماهية الرسائل التي يزجيها هذا الفن إلى التاريخ من بعده، بل إلى العوالم التي تقرؤه وهي ترى فيه عوالم مفتوحةً أيضاً، تنفتح بقدر أدوات القراءة، وتتجاوز الانفتاح النصي إلى التأويل إن قُرئ النص مرتبطاً بتاريخية الأعمال الوثنية الكبرى وأحلامها في الانتقال من طور المباشرة إلى أطوار الانعتاق والتواصل مع أحلام البشر التي لا تقف عند حد.
من اللافت أيضاً أن شاعراً سورياً معاصراً يدعى حامد حسن قد استعاد صورة امرئ القيس مع النساء اللاتي قاربهن، تحت عنوان امرئ القيس والعذارى، فجاءت القصيدة جاهلية اللغة والتفكير في عصرٍ أزاح الجاهلية أو حالو إزاحتها، ومنها:
أزف الترحل فالمطهمة العتاق الهوج تُسرج
والفاتنات الهيف تبسم للكميِّ وقد تدجج
وأطل فرعاها وما خجلا على الكفل المرجرج
والناهد البطر المكوّز دائم الوثبات أهوج
وظلال أهداب العيون حقول أزهار البنفسج
رسمت على الحدقات سطراً مبهم الكلمات أعوج
وبكلِّ بارقةٍ تطلّ دنى بفتنتها تموّج
والدرب من ألقٍ ومن غزلٍ ومن عبقٍ مضرّج
ليس في القصيدتين: قصيدة حامد حسن ومعلقة امرئ القيس سوى صورة واحدة، هي صورة الذكورة مركزاً وعوالم الأنوثة أطرافاً، وهذه الصورة ـ بشكلٍ ممتد أو منبسط ـ تختصر صورة الشاعر العربي في علاقته مع المرأة.
أما المعبد الوثني الذي وقف أمامه أبو ريشة فقد كان عالماً يريد الاحتفاظ بالجنس البشري كما ذكرنا كحال دفاعٍ عن الوجود ضد أشكال الفناء، ولذلك كانت الحجر هي الصورة الأداة في تخليد هذه الفكرة، فالحجر عند الإنسان القديم يؤكد دائماً كما رأى هيجل (1831 ـ 1770) الفيلسوف الشهير على “ضخامة الشكل وضآلة الفكرة” وعنده مرت فكرة الجمال بثلاثة أطوار تختصر مراحل تطور الفن، فالمرحلة الأولى هي الشرقية والمصرية، سيطرت فيها المادة على الفكرة، وكانت الفكرة ضعيفةً، ولذا كان الجمال يتمثل في الأشياء الجليلة كالمعابد المصرية، وهذه مرحلةٌ رمزية، والمرحلة الثانية يتعادل فيها الشكل والمضمون، الفكرة تصادف أتم تعبيرٍ عنها، وهي مرحلة الكمال الفني وشاهدها المرحلة اليونانية، وأما المرحلة الثالثة فهي سيطرة المسيحية – ثم الرومانتيكية وفيها تغلب الفكرة الشكل، ثم يختل التوازن بين الشكل والمضمون” لكن الحجر قام بدوره التاريخي في عملية البقاء، إذاً ثمة بقاءان: بقاء الجنس البشري، وبقاء الفن الذي هو نظيرٌ له، ومن هنا كانت المسوغات التاريخية لما عرف سابقاً بالبغاء المقدس.
وفي القسم الخامس من البيت الثامن والخمسين إلى الثالث والستين أشار الشاعر أبو ريشة إلى مسألة الكبت الجنسي كإحدى المسائل الشرقية القادمة من عمق الشرق الإسلامي ومن قبله مرحلة البداوة، إلى الشرق الاستبدادي من دولة الخلافة الأولى إلى نهاية الخلافة العثمانية، والخلافة العثمانية أورثت الدولة المستقلة في الولايات العربية كلها إرثها وإرث من تقدم عليها في الاستبداد.
نقول أشار الشاعر، وما قوله بإشارة، إنما قراءتنا هي التي توصلت إلى هذا، لكن القصيدة تحتمل مثل هذه القراءة التأويلية، وعلى الرغم من أن الشاعر أبا ريشة، وكأي شاعرٍ عربيٍّ قبل عصر الحداثة ـ نستثني خليل مطران والشابّي ـ لا يشير إلى الدلالة التاريخية للحريات الوثنية على المستوى الفردي والمستوى الجنسي، ويبدو أن الشاعر العربي الكلاسيكي والرومانسي ـ على الرغم من تقدمهما مع العصر ـ إلا أنهما ظلا متشربين لمرحلة الإحياء، ومرحلة الإحياء هي الحاضن الحقيقي للموروث السياسي والديني أساسي: الاستبداد.
بطبيعة الحال لا يقوى الشاعر عمر أبو ريشة من خلال قناعاته الأيديولوجية أن يعيد المسألة. مسألة اللوحات الرخامية التي أبهرته وغرّبته عن واقعه وتاريخه. إلى وضعيتها التاريخية، ولا يستطيع أن يحلل ـ كما ذكرنا غير مرة ـ إشكالية الحرية، وهذه الإشكالية قائمةٌ في بنيتين: الأولى الاستبداد الشرقي منذ العبودية إلى الإقطاع (النظام الخراجي الشرقي الممتد من الصين شرقاً إلى سواحل اليونان) والنظام الخراجي الشرقي نظامٌ غير مكتمل كالبنية الإقطاعية، ومن هنا لم يستطع أن يتحول إلى نظامٍ رأسمالي كما حدث في الإقطاع الأوروبي،”إن التكوين الآيديولوجي للمجتمع الخراجي لم يتبلور مرةً واحدة في فترة وجيزة، بل تشكل بالتدرج، فبدأ هذا التكوين بالظهور في حضارات الشرق القديم ليبلغ نضوجه في العصر الهيليني، ومنذ ذلك العصر اتخذ هذا التكوين المكتملة بنيته أشكالاً متتالية، تقاسمت المنطقة بينها وهي شكل الهيلين، والمسيح الشرقي البيزنطي، والإسلامي، والمسيحي الغربي” والبنية الثانية هي البنية الإيديولوجية لدولة الخلافة الإسلامية.
وفي القسم الأخير من البيت الرابع والستين إلى الثامن والستين نشاهد صورةً مكررةً للاستلاب الذي أفصح عنه في المقدمات الأولى للقصيدة، والاستلاب الذي يُقرأ في القصيدة هو على شكلين: الأول هو استلاب الشاعر للمعبد وصوره وأشكال الإباحية فيه وتشخيصها نحتاً تشخيصاً ـ بالنسبة إليه ـ مريباً. الشكل الثاني هو الاندهاش المرتاب مما جعلنا نعتقد أن الشاعر لم يستطع أن يتوصل إلى القراءة التاريخية، لكنه ـ أي الشاعر ـ لم يلغ أهمية الأشكال التي جعلته مغترباً، بل على العكس لقد قدر قيمتها رغم رفضه المكنون لها، والرفض المكنون لم يكبح شاعريته، بل إن شاعريته كبتت رفضه ذاك وقد أنجز مطوّلته هذه، وهنا نستذكر مقولة يوليوس في أوليس “إن للكبر شرفه ومأثرته” تلك هي مقولة الشاعر الإنجليزي تينسون وهو يحاول قراءة العالم الوثني، فإذا سلّمنا أن أبا ريشة كان يريد أن يقابل المعبد الوثني باللغة الشعرية، فإننا أمام صورتين منفصلتين كلٌّ منهما احتفظ لذاته بخصائصه من دون وعي الآخر: صورة العالم الوثني مشخصاً بالمعبد وصورة الشاعر العربي المنقسم على نفسه بين استلابه للجمال الفني، وبين تربيته الإسلامية الشرقية.
ففي التراث الغربي ولا سيّما الأنجلوسكسوني تتم المقارنة اعتيادياً بين أشكال الفنون بعضها ببعض من دون أن يكون هناك قواعد صارمةٌ للمقاربة بين الأشكال، فثمة شاهدٌ نراه مناسباً، إنه الشاعر شلي حين يقف أمام تمثال رمسيس الثاني في بريطانيا (إزموند يوس)، لكن شلي لم يكن موقفه كموقف أبي ريشة، بل كان موقفه موقف الشاعر الذي يقرأ العالم الوثني من خلال قراءته للتاريخ التأسيسي، فلم يجعل شلي إرثه المسيحي حائلاً بينه وبين قراءة العالم الوثني، وثمة شاهدٌ آخر للشاعر وليم ورد زوريث وهو يقف أما لوحةٍ فنيةٍ هائلة أُطلق عليها (الحاصدة المتوحدة)، واللوحة في المتحف البريطاني، اللوحة غنيةٌ بصور الأعمال الزراعية كقراءةٍ أولى انطباعية، لكنها تحكي تاريخاً وهو مسيرة التطور البشري بين طورٍ وآخر، وفي المتحف البريطاني أيضاً نجد تمثالاً مكسوراً بشكلٍ نصفي، الوجه محطم وقد كتب على القاعدة “أنا ملك الملوك، انظر إلي أنا ملك الملوك” فما الذي رواه التمثال؟ إنها قصةٌ... “قابلت مسافراً من أرضٍ بعيدة، ثم روى قصة التمثال... ذهب ملك الملوك، وبقي الفن الذي احتفظت بصورته مشاعر الفنان من خلال السونيث.
يمكننا أن نستعيد من تاريخنا الأدبي قصيدة ابن خفاجة الأندلسي وهو يحاور جبلاً أثار تساؤلاته الوجودية، وتعد تلك التساؤلات التي جاءت على شكل قصيدة خرقاً مبكراً لتراتبيات الشعر العربي ونمطياته الثابتة ذات الشكل المقترب من القداسة، نقول خرقاً من موقعٍ نراه وهو مقابلة اللغة بظواهر الطبيعة، وما كان لهذه التجربة الباكرة أن تكون في المشرق، فالمشرق (الجزيرة، الشام، العراق) متركزٌ حول الخليفة وشؤونه، وعلى السلطة الروحية والسياسية وما ينتج عنهما، وحتى الشعر الجاهلي ـ بعيداً عن الصعاليك ـ كان مرتبطاً بالبنية السلطوية التي أنتجها ذلك العصر، إنما نجد هذه التجربة الباكرة في الأندلس حيث أعتق الشعر نفسه من ربقة النموذج وسلطته، وعلى الأخص في الطور الثاني من الوجود العربي في الجزيرة الأندلسية، وقد نما النثر الأندلسي كخصيصةٍ تقدم بها أهل الجزيرة على المركز الشرقي، وإن تقدمه ذاك جاء في مناخٍ مناسبٍ، هو مناخ انهيار الدولة المركزية، وقيام الفكر الأندلسي على أسسٍ مختلفةٍ عنه في المشرق منهجياً، وعلى الرغم من أن القضايا الأولى كانت موجودةً في بغداد إلا أن المناخ السياسي والديني السائدين في الأندلس سمحا للحريات الفردية والتفكير الحر النسبي بالإنبثاق، ومن هنا نقول: كان ابن خفاجة ت 533هـ ـ عهد ملوك الطوائف ـ إبان دولة المرابطين - يشير إلى أشكال الطبيعة على أنها خالدةٌ وعلى أن الإنسان متحوّل، فالزمان والمكان متوحدان في بنيةٍ واحدة، أما الإنسان فبنيةٌ أحاديةٌ متحوّلة، قال يصف جبلاً خارج الأزمنة، محاولاً أنسنة الطبيعة محاولةً أقرب إلى الفطرية.
وأرعن طماح الزؤابة باذخٍ
يطاول أعنان السماء بغارب
أصخت إليه وهو أخرس صامتٌ
فحدثني ليل السرى بالعجائب
وقورُ على ظهر الفلات كأنه
طوال الليالي مفكرٌ في العواقب
وقال: ألا كم كنت ملجأ قاتلٍ
وموطن أواهٍ تبتل تائب
فحتى متى أبقى ويظعن صاحبٌ
أودع منه راحلاً غير آيب
فأسمعني من وعظه كل عبرةٍ
يترجمها عنه لسان التجارب
أما في الميراث الغربي فقد تحقق الخلود في مفهوم الشعر مترافقاً مع تحققه في مفهوم الطبيعة، وهذا ناتجٌ عن تقدم الكشوف العلمية من بيكون ونيوتن وداروين وفرويد، مما ساهم في تعزيز النزعة العلموية في مقابل النزعة اللاهوتية، والنزعة العلموية تلك تأسست في البداية على قاعدتين: هما الكشوف الجغرافية والإصلاح الديني.
وفيما يخص قصيدة كيتس التي قاربناها مع مطوّلة أبي ريشة، نستدعي البيتين الأخيرين منها ونشير فيهما إلى مسألة الغموض، ويبدو أن هذين البيتين من الأنشودة من أكثر أبيات الشعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر غموضاً، ويبدو الغموض من مصدرين: طبيعة النص نفسه، ومن طبيعة الأسئلة التي تطارحها النقاد حول الأيقونة، ويمكن لنا أيضاً أن نعد البنية الشكلية للقصيدة (أدوات الترقيم ـ أشكال الكتابة) من أكثر الأشكال الشعرية غرابةً.
وأهم تلك الأسئلة المتطارحة. من المتحدث فيهما؟ بل من القائل؟ هل الأيقونة هي التي تخاطب الشاعر؟ أم الشاعر هو الذي يخاطبها؟ أم يخاطب القارئ؟ كل ذلك قائم ظناً حيناً وترجيحاً حيناً آخر، لكن الأرجح هو أن الأيقونة نفسها هي التي تتحدث إلى الجنس البشري كله بعيداً عن التحديد العرقي أو الانتماءات الأخرى، وهذه هي الرسالة.
فالمسألة تبدو إذاً في قواعد اللغة. أي في البنية الشكلية للإنجليزية وما تستخدمه من أدوات الكتابة وأشكال التقديم، وما حاولناه وما سنحاوله من طرح الإجابة على تلك الأسئلة إنما هو محاولةٌ من دون ادعاء الإجابة النهائية، أو إلغاء الآراء النقدية المحتسبة في المرجعيات العليا، وقد نرى أن الأيقونة. أيقونة كيتس ـ رغم أنها في وضعٍ صامت ـ إلا أن لديها ما ترويه من حكايةٍ تختزل جزءاً من التاريخ تكثفه أو تعيد إنطاقه، ومن حق تلك الأيقونة أن يصغى إليها، ولا يقف الأمر هنا، إنما هي قادرةٌ بصمتها على أن تجيب على أسئلةٍ تساءلها الشاعر نفسه في اللحظات الأولى من مقاربته الأيقونة عندما كان في لحظة اندهاش بما يرى.
إننا ندرك أن هناك تساوقاً بين مشروع الأيقونة بالرواية عن نفسها، ونفسها تروي عن التاريخ، وبين شروع كيتس بالإنشاد لها، وقد حاول أن يُخضعها لتساؤلاته المفتوحة، وهنا ـ في إخضاعها ـ منحها حرية الحديث عن تاريخيتها، فلقد أبانت بما نُقش عليه وحُفر: أن بعض المفسرين رأوا فيها رجالاً وفتياناً وفتيات ريفيين يمضون من خلال الطقس إلى التضحية لكننا نزعم أن ما نراه هو هيبة الفن وكثافته السيكولوجية، وهو يفصح عن قوة العقل البشري ذاته في إدراك الجمال، وتبدو تلك الحكاية تتأبى أن تصل إلينا أو تتجاوز عصرها عبر المفاهيم المجردة، أو على سبيل السرد المباشر للأحداث، بينما نرى أن الرواية الأيقونية الشعرية قد تبنت نقل الحقيقة عبر تجربتها المباشرة، فحقيقة الجمال فاجأت الشاعر فداخلت مخيلته، وهنا ـ وعلى الأرجح ـ تكمن الإجابة أو يقر التفسير في قراءة البيتين الأخيرين الموسومين بالغموض الذين يتخيل المتحدث عبرهما: أن الأيقونة تزجي رسالتها إلى الجنس البشري: “الحقيقة هي الجمال – الجمال هو الحقيقة” والجمال ليس مظهراً أو شكلاً بل - هو فكر التأسيس وفلسفة الوجود والاستمرار.
فلا يمكن لأي ناقد أو قارئ أن يحدد مصدر هذه العبارة، لكنها لا تغادر أحد مصدرين: الجنس البشري وينوب عنه الشاعر، التاريخ وينوب عنه الفن، ولقد شخص الشاعر الجنس البشري بمقولة مجردة مفادها: أن كل ما يحتاج أن يعلمه على الأرض هو أن الجمال هو الحقيقة المطلقة، بل إن الجمال والحقيقة مستغرقان في مقولة واحدة استغراق المحمول في الموضوع، بل الاتحاد الهارموني بين الفكر والفن، وعلى الرغم مما قلناه، وما قاله غيرنا فإن كل قراءةٍ تبقى مشروعة إن وجدت إلى هذه الرسوم والحفريات ملتمساً أو طريقاً.
في حين نقف عند مطوّلة الشاعر العربي أبي ريشة وهو منبهرٌ من اللحظة الأولى إلى آخر لحظات الكتابة بالمعبد الهندوسي، فما وجدناه متكلماً عن المعبد كعملٍ فني له تاريخه وخصائصه التي أراد صانعوه أن يزجوا ـ من خلاله ـ رسالةً تتجاوز زمانهم إلى الجنس البشري القادم بعدهم، ورغم إجهاده لشاعريته في محاولةٍ منه للوصول إلى مفهوم الخلود، إلا أنه لم يتوصل، فمفهوم الخلود في خلفيته مفهومٌ توحيدي مختلفٌ عن مفهوم الخلود عند فلاسفة القرن التاسع عشر، لكنه أشار إليه بشكلٍ مباشر كمفهوم في الأدب والأشكال مسبق التهيكل، وذلك لوقوعه تحت تأثير الرؤية البصرية، ووقوعه تحت الاستلاب والاندهاش الذين يحصلان لضعيفٍ أمام كبير، وهذا ما حال بينه وبين الرؤيا الفنية التاريخية، ونعني بذلك قدرة هذا الفن الرخامي على تشخيص عصره، ونقله رسالته إلى عوالمنا، وكأن عمر أبا ريشة في النصف الثاني من القرن العشرين هو البحتري (ت 284 هـ) في القرن الهجري الثالث عندما وصل إيوان كسرى، فاستغرق نفسه بالوصف الشعري وصف الشاعر البدوي بلغته الصحراوية لهيكلٍ حضاريٍ فارسي كان يمكن للبحتري أن يقرأ فيه رسالته الفنية والسياسية:
حضرت رحلي الهموم فوجهـ
ـت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلى عن الحظوظ وآسى
لمحلٍ من آل ساسان درس
حللٌ لم تكن كأطلال سعدى
في قفارٍ من البسابس ملس
لو تراه علمت أن الليالي
جعلت فيه مأتماً بعد عرس
يغتلي فيهم ارتيابي
حتى تتقراهم يداي بلمس
فالعالم الذي يشخصه الإيوان الفارسي قابله البحتري براعةٍ عربيةٍ في هندسة الكلمات، من دون أن يقوى على تبليغ رسالة عبر القصيدة، ويبدو أن الشاعر العربي في القرون الهجرية الأولى كان مأخوذاً إما بالإرث الصحراوي (الخيمة، الخيل، السراب، المرأة...) وإما بالإرث الذي أسسته دولة الخلافة الراشدية والأموية والعباسية، وفي كلا الحالين الشاعر مستلبٌ غير ناقد وبالتالي فالقصيدة تابعةٌ غير رائدة .
وهذا ما جعل أبا ريشة ينظم قصيدةً كلاسيكية في مواجهة معبد تاريخي هندوسي، وهنا نشخص عند العرب عقليةً في الشعر مؤداها: أن لحظة الانبهار بالكبريات من التاريخ والمواقف والأشخاص تلازمها خوالد الشكل، لكن خوالد الشكل لا تنتزع من السلطان الممدوح ـ شعراً ـ وجودها الأهم، إنما تبقى أهمية القصيدة في قدرتها على أن تكون لاحقاً بموضوعها أو مناسبةً له.
فقد نظم بدر شاكر السيّاب في مدينة بور سعيد وهي تقاوم العدوان الثلاثي عام 1956 قصيدةً كلاسيكية رغم أنه من رواد الحداثة ومؤسسيها والداعين إليها، وعلى الأخص في الطور الأول من عمر القصيدة الحديثة، حيث كان العراقيون السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي قد أسسوا للانعتاق من القصيدة الاتباعية بقصيدة التفعيلة، يقول السيّاب:
يا حاصد النار من أشلاء قتلانا
منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا
نحن الذين اقتلعنا من أسافلها
لات وعزى وأعليناه إنسانا
حييت بور سعيد من مسيل دمٍ
لولا افتداءٌ لما نعليه ما هانا
عاناك في الليل داجً من جحافلها
نوراً من الله أعماها ونيرانا
ما عاد ليلٌ قد استخفى بأقنعةٍ
من أوجه الناس لولا أنت عريانا
والموقف نفسه عند الشاعر أحمد شوقي عندما زار الأندلس (إسبانيا اليوم) وقارب الآثار العربية فيها مثلت أمامه صورتان: صورة التاريخ العربي المجيد في الأندلس، وصورة البحتري وهو أمام إيوان كسرى، وكلا الصورتين جعلت شوقياً منبهراً هو الآخر مندهشاً بآثار العرب في إسبانيا، فانصرف بالشعر عن الآثار ورسالتها الجمالية والتاريخية إلى السلطة الأموية التي دفعت بجيوشها إلى غزو الجزيرة بحثاً عن موارد للدولة تحت غطاء أيديولوجي وهو تعميم الإسلام، ومن هنا نطق شوقي قائلاً:
وعظ البحتري إيوان كسرى
وشفتني القصور من عبد شمس
والفارق ـ كلما قاربناه بين الشعر الأنجلوسكسوني والشعر العربي ـ يزداد نمواً باتجاهٍ واحد، هو أن الشعر العربي ذو رسالة صامتة، بل رسالة مسبقة الإعداد والقراءة لا تختلف فردياً بين البحتري في القرن الهجري الثالث وبين شوقي في القرن العشرين، وقد كرر عمر أبو ريشة صورة الشاعرين: العباسي والإحيائي في حين أعلن كيتس الإنجليزي من خلال أنشودته عن حراك التاريخ وقدرة الشاعر على تحريكه، رغم إيمانه بمرجعية الطورين: اليوناني والروماني، إلا أن الذهنية الأنجلوسكسونية وهي تعيش الاعتراف بالمرجعيات لا تلبث أن تعيش قلقاً تجاهها، فتنقلب عليها لتؤسس مرجعيتها هي ولاسيّما على المستوى الفردي.

اقرأ أيضا