الملحق الثقافي

الاتحاد

مجاورات الواقع والمخيلة

يشكل المشهد التشكيلي القطري فسيفساء يجمع ألواناً متعددة، متناغمة، فيها من الاتباع والإبداع الشيء الكثير، أما الاتباع فهو طريق لديهم لم يخرج عن الموروث الاجتماعي والبيئي، لذا فإنه يلتقط كل جزئيات الواقع في ماضيه عبر الذاكرة في أغلب الأحيان، كون الواقع قد تغير بشكل واضح وملموس، ولهذا فإن ملامحه “أي الواقع” لا تزال في الذاكرة، ومن هنا صارت الذاكرة هي ملعب هذا الفنان ومن خلالها يمكنه تخيل ذاك الواقع البعيد.
من خلال الذاكرة تجتمع الأشياء، ملامح الواقع البعيد حتى لتبدو اللوحة كلاً يحمل في الذاكرة من ماضٍ بعيد، تجتمع تلك الأجزاء من خلال فكرة، تصور، وفي كثير من الأحايين ينجح الفنان في إقناع المتلقي بأن ما قدمه لوحة واقعية وإلا فإنه يقدم أجزاء من واقع لم تستطع لوحته المواءمة فيما بينها ليكتمل الكل بلا تشوه أو تنافر.

ذلك ما يفعله التشكيلي الذي يعتمد مخيلته لتصوير الماضي الذي لم يبق منه شيء، ولهذا نجده في كثير من الأحيان يهرب من ابتغاء حالة التجانس بين الأجزاء تلك إلى مزاوجة المتخيل مع التجريب، أي أنه يدخل عناصر تجريبية بسيطة ليسد الثغرات التي قد تحصل في عمله، فيجعله بذلك وقد رسم لوحة لا هي بالواقعية الصرفة من جهة ولا هي بالتجريدية من جهة أخرى، فإذا ما حاكمناه بخصائص الواقع الذي يريد رسمه يحتج بأنه يبغي التجريد وإذا ما حاكمناه بالتجريد فإنه يحتج بأنه يبتغي الواقع.
هذه الموضوعة تحمل طرافتها فعلاً كونها تخلق أنماطاً تشكيلية متعددة، حيث تزيح الرسمة من شكلها الحقيقي إلى شكلها المفترض الذي يعبر عن الحقيقة بالرمز، إذ أن الكثير من الفنانين من يرون أن الأشياء تظل غير منظورة في الفن إلا من خلال رمزيتها.
من الجانب الآخر هناك فنانون إبداعيون أي أنهم يشتغلون على الابتكار الذاتي، أي أنهم لا يقاربون الواقع بشيء، بل حتى ملامح ذلك الواقع لا تظهر في أعمالهم إذ هم يطمسون كل شيء يوحي بشكل ما، ولم يبق لديهم سوى الرمز المعبر عنه بالأشكال المغايرة،، وهذه الطريقة تجنب الفنانين فعلاً من مشقة المحاكمة والتعرف المباشر “المباشرة بالطرح” وتجعلهم أقرب للطرح المفاهيمي المتفلسف، والذي يباغتك برأيه الذي هو بعيد كل البعد عما تتصور، أو تتخيل.

اشتغال الذاكرة
حسناً هنا نقول: إن الذاكرة تشتغل عند الإتباعيين بشكل حاد وقوي وتغيب أو تعوض بالرمز عند الإبداعيين، لأن أولئك يريدون الجسم الحي المنقول من الواقع إلى اللوحة وأولاء يريدون الجسم الساكن المرمز المطمور في اللوحة.
هذان الأسلوبان في الغالب نجدهما في خريطة الفن التشكيلي الخليجي بكثرة وبحدة بسبب تغيرات الواقع وتحولات المدن من مدن بسيطة تعتمد البناء الذاتي إلى مدن متحضرة تعتمد البناء الغربي والعالمي المتطور، حيث تغيب وتختفي البنى الاجتماعية الكلاسيكية، والأنظمة الاجتماعية التقليدية لتحل محلها نظم متلاقحة من مصادر مختلفة، ولهذا فإن العودة بتلك البنى والنظم المفقودة في لوحة التشكيل تظل مرهونة بذاكرة الفنان وباستدعائه لملامح بعيدة، ولعادات ربما اختفت.
قلت إن هذين الأسلوبين موجودان في الفن التشكيلي الخليجي، وهو ينعكس بشكل كبير في الفن التشكيلي دون سواه لأنه فن تصويري، بصري، كما أنه ينعكس في الفن السينمائي كون هذين الفنين يحملان الخصائص ذاتها، ناهيك عن الفوتغراف.
حسناً.. ما جعلني أطرح هذا الافتراض هو ما نشاهده في الفن القطري الحديث الذي توزع إلى جهتين، الأولى كلاسيكية “اتباعية” واضحة من خلال لوحات كثيرة والثانية حداثية “إبداعية” واضحة من خلال لوحات أيضاً كثيرة.
في هذا المضمار ينظر الدكتور حمد الكواري وزير الثقافة والفنون والتراث القطري إلى هذه الإشكالية من جهة الأجيال حيث يرى أن مفردات البيئة المحلية انعكست في لوحات الرواد في حرص واضح على تجسيد خصوصيتهم، أما الجيل الجديد من التشكيليين القطريين فإنهم اتجهوا إلى روح التثاقف مع مدارس الفن التشكيلي في الوطن العربي والعالم كونهم قد ابتعثوا دراسياً أو اطلعوا على تلك المدارس فأسسوا لتجارب متقدمة حصلوا من خلالها على جوائز جديرة بالاعتزاز. ويؤكد الكواري خلال تقديمه لكتاب يجمع 55 تشكيلياً قطرياً منهم جيل الرواد والجيل الوسطي وجيل الشباب فيقول: “وبعد رسوخ تجارب جيلين من الأساتذة القطريين في مجال الفن التشكيلي ظهرت أسماء شابة نتطلع إلى أن تطور تجاربهم ليواصلوا مسيرة الفن التشكيلي في قطر بالاستفادة من الانفتاح على العالم مع الحرص على الخصوصية.

تجاور الفنون
وتبدو آراؤنا في طبيعة مكونات هذه المجموعة من الفنانين مقروءة من زاوية العلاقة بين اللوحة التشكيلية التي تشكل منهجاً عند مبدعها والواقع والتخيل والذاكرة، بينما تبدو آراء حمد الكواري مقروءة من خلال الأجيال، أي أن جيل الرواد قد تعاملوا مع البيئة بخصوصية، بينما الجيل الجديد تعامل مع ثقافته بخصوصية، وهذا الفهم هو وجه آخر لما أردنا أن نقوله من خلال قراءة أعمال أغلب هؤلاء الـ”55” فناناً التي جاءت في كتاب “فنانون من قطر” الذي أصدرته وزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر تحديداً.
وقبل أن نتصفح الملامح العامة لما أنجزه هؤلاء الفنانون لابد من التأكيد على أن ما قدموه يتجسد في التشكيل والخط العربي والحروفية والخزف والنحت، وفي كل هذه الحقول الثلاثة كانوا اتباعيين وإبداعيين، لهم رؤيتهم ونظرتهم الخاصة في ملامسة العالم الذي يفترض تشكيله في أعمالهم.
قدم أحمد الحداد - الخزاف البارع - شكلاً خزفياً يحتل الخط العربي مركزه في تشابك فسيفسائي جميل وقدم أيضاً شكلاً تمركز في وسطه اسم الرسول الكريم “محمد” مع حروف عربية لملء فراغ اللوحة يحيط به إطار لونه من جنس لون قاع التسمية، هذا بالإضافة إلى لفظ الجلالة “الله” الذي كان يحتل الفراغات الأربعة في الزوايا الأربع للمركز.
جهد أحمد الحداد من خلال خزفياته أن يدخل الحرف العربي بتشكلاته الأسلوبية المختلفة مع زخرفات شجرية وأيقونات متموجة ومزررة، هذا بالإضافة إلى تنوعات في “الطرّة” التي كان يقدمها في مواقع مختلفة من أعماله.

استخدامات الموروث
في جداريات أحمد السبيعي استخدامات موروثية، ويبدو في أعماله المرمزة يحيل الشكل النحتي إلى ماضي البحر وعطاياه، ضمن حركات قوية، مبهرة، يشتغل فيها على أصداف البحر وقواقعه، ولؤلؤة ضمن حركة ولادة مبكرة للجمال.
من جانب آخر يهتم الفنان القطري أحمد سلطان بملامح شخوصه، بنظرتهم الثاقبة، بالعيون وهي تفضح أسرار تلك الشخوص، الوجوه تبدو لديه قاسية، حادة الملامح، تحمل ريبتها وقسوتها، بالإضافة إلى أنها منسحقة، بدأ التشوه يزحف إليها ليشكل منها وجوهاً أخرى.
وهذا الاتجاه نراه في أعمال ابتسام الصفار التي جعلت وجوه شخوصها مطموسة في ظلام حيث لم يبن منها إلا بعض الملامح التي تشي بمدى إحساس المرأة بحزنها الشديد وبألمها، وقد نتساءل هل أرادت ابتسام الصفار أن تقدم درساً أكاديمياً في الأبعاد من خلال لوحتها وجه أنثوي ودائرة وهمية تعزل الأنف والفم والرقبة في بعد واحد يمتلك أبعاداً دقيقة؟ قد يكون كل ذلك موجوداً فعلاً.
في أعمال أمل العاثم يتجلى التجريد بوضوح، إذ يصبح اللون هو الموضوع ذاته، وتصبح الحركات اللونية موضوعة لقصة، لحكاية ما، حين يمتزج الأحمر والأزرق والأسود والأخضر في تشابك خلاق، ولكن بالرغم من ذلك تراها تقدم ملامح أجساد بشرية كما في لوحتها الأجساد الثلاثة بالأحمر “اثنان” والأصفر “واحد” وثمة ملامح لمدينة، بعيدة، لقد اشتغل اللون لدى العاثم بقوة في صناعة اللوحة.

اللوحة والخطوط
من جانب آخر لعبت خولة المناعي على انعكاسات اللوحة والخطوط ذاتها، كما أنها مازجت التشكيل بالحروفية العربية التي تكررت في لوحتها ضمن اصفرار قاسٍ يشق اللوحة نصفين ويحيط بها من جهات عدة، هذا بالإضافة إلى محاولتها تقديم الخطوط المتوازية والملتفة والبؤرية الخادعة للبصر معبرة عن الدوامة، ولم تبعد المناعي من أن تقدم الزهور وجمالياتها في أعمالها.
اشتعل صالح العبيدلي على الحرف العربي والنقطة العربية وخصائصها الأسلوبية الموحية حيث استوحى من هذا البيت الشعري “من يقول إني نسيتك/ وأنا أتنفس هواك” رؤية بصرية لقوة العاطفة التي جسدتها الحروف العربية، كذلك في لوحتين له تتشابك في الأولى الحروف وتتعاقب في الثانية الكلمات، وفي كل ذلك يستخدم الشعر توظيفياً لخدمة المعنى.
يحاول الخزاف طلال القاسمي أن يشكل الجرار وأغطيتها مبحراً في ألوانها المتناسقة والموحية بشكل يجعلها أكثر جاذبية، وهو من خلال جسد الجرة يتمثل “المرأة” إذ يحول رأس الغطاء فيها إلى وجه أنثوي.
يقدم عبدالرحمن المطاوعة عالماً قطرياً بأبنيته وشوارعه وأزقته وإنسانه من خلال جولة رجل في السوق، يعتني المطاوعة بأبعاد اللوحة وبألوانه الباهتة، وبالضوء والظل بشكل دقيق وكأنه يقدم درساً في تمازج الضوء وانعكاسه.
أما فاطمة الشيباني فإنها تعتمد ازرقاق البحر في أغلب لوحاتها، حيث ترى عوالم الشاطئ والمراسي والانبهار اللوني تشكل لوحاتها التي تمازج فيها بين لوحتين في لوحة، في أعمال الشيباني رقة وعفوية ودراسة دقيقة للبعد الموضوعاتي للوحة.
في الوقت الذي نرى فيه فاطمة النعيمي منشغلة بجزئيات الموروث “الفانوسان” و”الطفل والدمية” و”الطبيعة الصامتة” حيث تلعب النعيمي على الألوان بأدنى درجاتها وكثافتها اللونية، نبصر مريم الملا وقد اختارت رأس ورقبة الحصان لتعبر عن جدارتها في تحديد الأبعاد الهندسية لرسمتها، كذلك في لوحتها “حصانان” فإنها تقرأ البعد الهندسي للجسد ولعمق اللوحة، وفي لوحة ثالثة لها نرى باباً قديماً وقد فتح أحد أضلاعه وجرّة ماء على كرسي و11 حمامة أمام باب الدار في محاولة لتشخيص عالم الواقع الذي بدأ يمضي بعيداً.

البعد اللوني
مريم الموسى اعتمدت التجربة في محاولة لبث الرمز في اللوحة كذلك موزة الكواري وتأتي ثالثة لهما في هذا الاتجاه موضي الهاجري في الوقت الذي نرى أن موضي تعتمد الحجارة وما فيها من بعد لوني على شاطئ البحر لتعبر عن قراءتها لعالمها الأثير.
تلجأ نادية المضاحكة إلى الصقور والخيول لتلتقطها في لحظة انتباه، في لحظة توجس مع توظيفها للبعد اللوني في اللوحة بدقة تضيف إلى اللوحة معنى يعطيها قراءة متعددة.
أما نوال المناعي فهي تقرأ الموروث عبر المبخرة والوجه النسائي خلف قناع من اللؤلؤ والتشجير، إذ نحس أن ثمة بعداً آخر، أو معنى آخر تريد أن تقوله المناعي.
تلجأ هنادي الدرويش إلى أحضان الطبيعة عبر الرمز والتجريد، إنها تعيش لحظة انطباعيتها، وتأملها للأشياء المحيطة، بينما يشكل أحمد المسيفري البادية والصحراء في لوحته “الخيول الأربعة والبدوي” ضمن قراءة هندسية للأبعاد، حيث بدأ الحصان الأقرب للرجل أكبر من حجمه في الواقع وكان عليه أن يختار بعداً هندسياً آخر.
ومن زوايا الدكاكين وسطوح البيوت جلس رجل مسن وفتى يتأملان، الأول في الزمن الذي انقضى والثاني في حمائم “سوداء وبيضاء” وهي تتحرك أمامه كانت الواقعية البارعة هي المسيطرة في لوحتي أمل البرغوثي في هذا المشهد التشكيلي الكبير.

أبعاد هندسية
قدمت حصة المفتاح لوحتين “لبيت بعيد” و”لمضرب حديدي على باب قديم” ومن خلال الألوان البارعة والاستخدام الأمثل للظل والضوء نرى براعة ريشة هذه الفنانة حقاً.
وتنقل سلمى النعيمي الموروث المادي لمجتمعها عبر “الفانوس الأزرق المعلق” و”الفتاة صاحبة الشيلة الزرقاء” في تجسيد لوني وموضوعاتي دقيق، وتشابهها في ذلك سمية المطوع في فانوسها المعلق و “الجمل والرجل”.
ويقدم عبدالله دسمال الكواري أبعاداً هندسية في رسمتيه التكعيبيتين ليقدم رؤية هندسية لمدينة عبر “الدائرة” و”المستطيل” و”المثلث” والأبعاد السنتمترية، في إطار من الترميز والإيحاء والتجريد الفعال.
وعودة للبعد الواقعي نرى أن اشتغالات عيسى المالكي في لوحتيه “الرجل والثلاثة جمال” و”الغواصان” في هذا الكتاب الذي يشكل بانوراما الفن التشكيلي القطري تقترب من الدقة التي تحدثنا عنها في عدم الخروج من البعد الهندسي للجسد في اللوحة الأولى التقاطة بديعة وتمثل جميل وفي الثانية براعة في الاهتمام بالجزئيات وتكريسها في اللوحة.
في أعمال فيصل عبدالله نجد روح المكان وتشكلاته ويقابله مبارك المالك في حروفيته وأيقوناته المجردة الإيحائية، بينما نجد في عملي “محمد الخراز” وهما “المدينة” و”زمن سلفادور دالي” براعة في استعادة العوالم إذ المدينة “الدكاكين والقيصريات والمظلات والأبنية القديمة” توحي بالماضي - بوصفه زمناً - وفي لوحته “الزمن المنسكب” لدالي، نرى قراءة فيها لمسات هذا الفنان البارع.
في اشتغالات هيفاء عباس الخزاعي “الفتاة في اللباس الشعبي” و”النساء الثلاث” نرى تمثلاً جميلاً لامتزاج الألوان ولاستخدامات ظلالية مهمة للإيحاء بموضوعاتها التي تريد التعبير عنها بين روح الفتاة المحيرة، الساهمة، وظلالة الريح والنار التي تهب كالريح على نساء ثلاث.
وبالطبع لا يمكن أن نستبعد يوسف السادة الفنان الذي قدم لوحتين “لامرأة تحمل جرّة ماء” ولرجل يجلس أمام باب داره الذي يطل منه رأس حصان، هما صورتان من ماضٍ لا يزال لم يغادر الذاكرة.

اقرأ أيضا