الاتحاد

عربي ودولي

السودان الدولة والنظام إلى أين؟


محمد أبو الفضل:
تكشف التحركات الدولية إزاء السودان عن مجموعة كبيرة من المضامين السياسية ، ففي الوقت الذي حسبت فيه دوائر كثيرة أن الهدوء على وشك الاقتراب من البلاد ، والاستقرار أضحى قريبا من أقاليمها، فوجئنا بثلاثة قرارات دولية خلال ثمانية أيام فقط، مما أعطى ايحاء بخطورة الأوضاع وحساسيتها، فقد تراوحت القرارات ، 1590 و1591 و1593 ، بين ارسال قوات لحفظ السلام في الجنوب ومحاكمة 51 من المتهمين بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي مرورا بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية ، وهو ما أعادنا الى مربع الشد والجذب الأول ،الذي كاد يتوارى عقب توقيع اتفاق نيفاشا في يناير الماضي ، وبعد شروع الحكومة في إجراء مفاوضات مع متمردي دارفور في أبوجا ، وبدء محادثات أولية مع قوى المعارضة الشمالية في القاهرة ، وتعهدها بمنبر تفاوضي لشرق السودان ، وكلها مؤشرات جيدة فتحت باباً للتفاؤل ، غير أن القرارات الأخيرة فرضت أجواء من التشاؤم ، عند قراءتها وفقا لأسبابها وأهدافها وتداعياتها ، والخطورة أن الحالة تصنف الآن تحت الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة ، باعتبارها مهددة للسلم والأمن الدوليين ، بموجب قرارات مجلس الأمن أرقام ، 1554 و1564 و1574 الصادرة العام الماضي ، الأمر الذي يمثل أحد عوامل الإضعاف لفرص المحاكمة الوطنية لمنتهكي حقوق الانسان في دارفور ، كما تريد الحكومة الآن ·
والشاهد أن الحكومة وقعت في سلسلة من الأخطاء الداخلية وأخفقت في قراءة الأهداف الخارجية ، حيث أقرت اتفاق نيفاشا تحت ضغوط دولية متواصلة ، لم تمهلها فرصة خلال العامين الماضيين لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها ، إذ احتلت مشكلة جنوب السودان مكانة متقدمة في الأجندة الأمريكية واتخذت مطية لتصفية جملة من الحسابات السياسية مع الخرطوم ، واعتبرت بمثابة المدخل المناسب لمجموعة من التوجهات الاقليمية ، تنطلق من تسوية الصراعات المزمنة وتهيئة المناخ الملائم لإجراءات الاصلاح في المنطقة ، وقدمت الحكومة تنازلات صعبة لم يكن من المتوقع حدوثها في ظروف مغايرة ·
تقديرات متصادمة
المثير في الخطوات السابقة ودلالاتها أن الاهتمام بالجنوب وتسوية مشكلاته أو تسكينها لم يتزامن معه تركيز مماثل على النزاعات الصاعدة في الغرب والشرق ، واعتقدت الحكومة أن أي تسوية في الجنوب تعطى لها مبررات كافية لحل الصراعات الأخرى ، إستنادا الى تقديراتها وانطلاقا من رؤاها لتثبيت أوضاعها ، بما يتوافق مع معطيات المرحلة الجديدة، التي من المفترض أن تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة السياسية فى معالجة الاحتقانات، حتى تكون رقما مهما في التوازنات المقبلة ، فأهملت أزمة دارفور حتى استفحلت وأضحت قضية دولية لم تقدر عواقبها المستقبلية، وتركت الشرق يغلـي حتى أصبح مشكلة اقليمية تثير الكثير من الحساسيات مع اريتريا ، وتناست صيحات وتحذيرات قوى المعارضة الشمالية حتى باتت شوكة بظهرها في الداخل وصداعاً برأسها في الخارج ، وفي هذا السياق أكد مراقب سوداني مقيم في القاهرة أن هناك حالة من التربص للنظام وايقاعه في فخ الرسائل الخاطئة ، بمعنى سواء أجاد في التعامل مع مشكلاته أم لا ، كان سيواجه تصعيداً دولياً، فلا يعقل فتح صفحة بيضاء معه من دون حسابه على خطاياه السابقة وتحمل نتائجها السلبية ·
في المقابل هناك من دحض هذا التحليل ، فالحكومة عندما استدارت الى مشكلاتها ومعارضيها لم تتعامل معهم بجدية كافية ، لتفويت الفرصة على من قيل أنهم يتربصون بها ، ما أعطى مجموعة قوية من الذرائع للنيل منها ، فقد استمالت فريقا واستبعدت آخرين ، وعلى منوال طويل من المشاحنات وعميق في المناورات عاد المشهد السوداني للفوران على جبهات كثيرة ودخل مرحلة من الغليان في قضايا كبيرة ، حتى الجنوب لحقه شيء من القلق في ظل التطورات المتسارعة وتشككت بعض الأوساط في استكمال مسيرة السلام على جنباته ، والحكومة مشتتة بين المضي قدما في السلام والوفاء بالتزاماته ، وبين تحديد آليات التعامل مع القرارات الدولية ، التي مال خطابها نحو مواجهتها اعلاميا ومحاولة الهروب منها لا الانحناء لما تنطوي عليه من مطالب محددة، وفي هذا الخضم بدأت علامات الاستقواء بالداخل السوداني تتعرض للتشكيك ، فالنظام لم يوفر القواعد اللازمة لحمايته بصورة واقعية ، واكتفى بالنعرات الجهادية والطائفية التي تفتقر الى دعائم حقيقية ، وتأزم الموقف أمامه بشكل أصعب من ذي قبل ·
وبدلا من السعى لتقوية الجبهة الداخلية لمقابلة التحديات الخارجية بدأت الحكومة مواجهة غير مبررة مع حزب الأمة، ومهما كانت تفاصيلها صغيرة أم كبيرة ، فإن قيادته استثمرتها في تأكيد حضورها الشعبي ، بعد فترة طويلة من المراوحة والمناورة ، ونشأت الأزمة على ضوء إعلان الحزب في بيان له تأييد القرار 1593 ودعم التحالف الدولي الذي تقوده فرنسا وبريطانيا بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور ، ووجد فيها الصادق المهدي فرصة لتوجيه انتقاداته اللاذعة للنظام السوداني ، ومناسبة لزيادة أهمية تحركاته واضفاء هالة حول جولاته الخارجية ، واتسع نطاق الأضواء المسلطة على حزب الأمة عقب تداول تصريح المهدي بعدم استبعاد أن يلقى مصير رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق ، في اشارة الى أنه أصبح مستهدفا لشخصه من قوى داخلية وأخرى خارجية، لكن المعنى الكبير يكمن في احتمال تصاعد دوره السياسي ، سواء عند الحكومة التي ستعمل على وقف مواجهاتها مع بعض القوى الوطنية، أو عند دوائر خارجية ، إذا ثبت أن القرارات الدولية مقدمة للعد التنازلي للحكومة الحالية في الخرطوم ، وبشكل عام يبدو المهدي وحزبه أكثر القوى المرشحة للقيام بأدوار فاعلة ، خاصة أن توجهاته يمكن البناء عليها لإحداث توازنات مرضية على الساحة السودانية ·
تراجـع تدريجـي
من جهة أخرى ، جاءت خطوة الحكومة بمحاكمة المتهمين في الداخل متأخرة عن موعدها ، فحدوثها قبيل صدور القرار 1593 كان غرضه إثناء القوى الدولية عن هذا القرار ، لكنه صدر بصورة قوية ومحكمة ، فالدول الفاعلة لديها هواجس سابقة من عدم قدرة الحكومة على الاقدام على تحرك حقيقي في هذا الاتجاه ، وأن غرض المحاكمات الوطنية القفز على التحركات الدولية ، والمشكلة أن التركيز على منحى المحاكمات ستنعكس تداعياته السلبية على كثير من القضايا :
أولها دارفور ، لأن المتمردين من المرجح عدم عودتهم للمفاوضات مرة أخرى طالما لم تستجب الحكومة لمطالبهم السياسية ، ولأن القرار 1591 أشار الى حظر الطيران الحكومى فوق دارفور ، إلا بإذن من الأمم المتحدة، ومنع الحكومة من ارسال طائرات عسكرية الى الاقليم ، وتشكيل لجنة من أربعة خبراء لتحديد وضع آلية لمتابعة تنفيذ القرار ، وثانيها جنوب السودان ، فعلى ضوء الانهماك الرسمي في البحث عن وسائل ناجحة للتعامل مع المستجدات الدولية سيظل الانسداد مخيما على الموقف ، لاسيما أن الالتزام باستحقاقات التسوية ربما يتطلب تنازلات تؤكد أن الحكومة جادة في مساعيها للسلام ، وثالثها اشتعال الشرق وضغط القوى الشمالية لتوقيع اتفاق القاهرة النهائي ، في وقت لدى الخرطوم ادراك مليء بالمخاوف ، من جراء الاستجابة لمطالب هؤلاء في مناخ مضطرب وتتعرض فيه لضغوط بالغة ، وبالتالي تتزايد المسألة السودانية غموضا في مستوياتها المختلفة ، بسبب الانهماك في البحث عن مخارج لقضية المحاكمات ·وعلى هذا الأساس بدأت علامات التراجع تشق طريقها في الخطاب الرسمي بناء على نصيحة عدد من الخبراء المصريين في القانون الدولي ، التقاهم مصطفى عثمان اسماعيل خلال زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي، بهدف البحث عن صيغة للتعامل مع القرار 1593 ، وأجمع الخبراء على ضيق هامش المناورة وصعوبة الفكاك أو المراوغة ، ورأوا أن هناك ضرورة قصوى في التعامل الايجابي مع هذا القرار وعدم التملص من التزاماته ، خشية الدخول في مواجهات أكثر صعوبة ، قد تترتب عليها نتائج خطيرة ، لأن القرار له حيثيات دولية صارمة ، كما أن القرار 1591 يمكن أن يستند إليه المجتمع الدولى لدفع المسألة نحو مزيد من الضغوط والتعقيد ، حيث تضمن عقوبات اقتصادية وعسكرية صريحة ·
لذلك سينصب التركيز في المرحلة المقبلة على أداتين ، الأولى التهدئة التدريجية ومحاولة تأمين أكبر قدر من التماسك الداخلي ، استنادا الى خطوات سياسية محسوبة ، والثانية كيفية الاستفادة من الاتحاد الافريقي والدفع نحو مشاركته في ملف المحاكمات ، فضيق الخيارات لم يترك مجالا سواه ، ومن هنا يمكن تفسير أسباب الدعوة لعقد قمة خماسية بشرم الشيخ في العشرين من ابريل الجارى بحضور مصر والسودان وليبيا ونيجيريا وتشاد ، وبالتالي فنتائج هذه القمة ستحدد البوصلة التي تسير على هديها الخطوات السودانية ، وتكشف اليأي مدى يمكن أن تؤثر التحركات الاقليمية في القرارات الدولية ·

اقرأ أيضا

انتخاب أورسولا فون دير لاين رئيسة للمفوضية الأوروبية