الاتحاد

دنيا

«تاج محل» تحفة معمارية تحتضن جثمان الملكة الجميلة

هي وحدها بين نساء العالمين التي خلدها الفن المعماري بتحفة بنائية هي إحدى عجائب الدنيا السبع فمن أجلها شيد الزوج المتيم “شاه جيهان” إمبراطور الهند روضة “تاج محل” في أجرا بالهند ليوارى جثمانها بها.
وممتاز محل من أصل إيراني كان والدها رئيساً للتشريفات في بلاط الإمبراطور المغولي “جهانكير” خان بدهلي ثم وزيراً ومستشاراً للملك إنه “آصف خان” شقيق زوجة الإمبراطور “نور جيهان”.
وشاءت الأقدار أن تكون ابنة آصف خان المعروفة قبل زواجها باسم “أرجمند نانو بيجام” على قدر كبير من الجمال الباهر والثقافة الرفيعة، ولذا كانت محط أنظار كافة الأمراء الشبان وأيضاً قادة الجند ولكن رجلاً واحداً في البلاط هو الذي ربطتها به قصة حب خالدة إنه “حزام” ابن جهانكير المفضل ووريثه على عرش الهند والذي عرف بعد توليه الحكم باسم “شاه جيهان” أي ملك الدنيا.
مؤامرات العمة
وقوبل طلب الأمير الشاب بالزواج بابنة آصف خان باعتراضات ومؤامرات مكتومة من قبل العمة “نور جيهان” التي كانت تتمناها زوجة لابنها “برويز” وحاولت تلك المرأة الحديدية إبعاد الأمير “حزام” عن البلاط في حملات عسكرية للدكن لعله يلقى مصرعه بلا جدوى ليتزوج بأرجمند بنت آصف خان التي ما إن ولدت ابنها الأول لشاه جيهان حتى منحها اسماً ملكياً جديداً وهو “ممتاز محل” ومحل هنا ليس بمعنى مكان، ولكنه كناية عن الجهة أو الزوجة وكانت بالفعل رغم أنها الثانية بين زوجاته الزوجة الممتازة والمفضلة لديه إذ ظلت طيلة عمر زواجهما التسعة عشر رفيقة وصديقة ومستشارة أمينة ترافقه في حله وترحاله حتى صارت قصة حبهما موضوعاً فلكلورياً لدى الشعب الهندي بمكوناته الثقافية المتعددة.
أنجبت “ممتاز محل” أربعة عشر ولداً وبنتاً وماتت وهي تضع طفلها الخامس عشر، وكان الإمبراطور في حملة عسكرية بالدكن لتأديب أحد أبنائه المتمردين فحزن حزناً شديداً على وفاتها وعزم على الوفاء بطلباتها الأربعة التي أوصته بها حال وفاتها.
وصية
أوصته ممتاز محل بأن يتزوج من بعدها فلم يخلف الرجل الوعد، ولكنه وحسبما قيد في مذكراته الشخصية لم يجد الراحة والهناء كما وجدهما في حياته مع زوجته الأثيرة. وأوصته ثانياً بأن يرعى أبناءها رعاية كاملة وفي ذلك أيضاً لم يقصر “شاه جيهان” رغم مشاغله السياسية ومعاركه الحربية، وأوصته ثالثاً بأن يشيد لها مقبرة ويزورها في كل يوم ليضع عليها وردة واحدة، ولكن الإمبراطور أوفى بالشق الأول من الوصية تلك فشيد روضة “تاج محل” بالمرمر الأبيض وعزم على أن يشيد لنفسه ضريحاً أو روضة بالأحجار السوداء على الطرف الآخر من الوادي ليكون وهو بالثرى قريباً من زوجته الراحلة، ولكن الأقدار حالت بينه وبين زيارته اليومية المفترضة لقبر ممتاز محل إذ شغلته المعارك والتمردات ضد حكمه ثم قيام ابنه بالقبض عليه وحبسه بالقصر ليقضي بقية أيامه يشاهد “تاج محل” من شرفة القصر باكياً ذكرى محبوبته.
مكيدة واسعة
وقد أسهبت المصادر التاريخية في وصف الجمال البارع للملكة “ممتاز محل” وأيضاً ثقافتها الإسلامية الراسخة، التي عكست نفسها في دفعها للإمبراطور للقيام بمشروعات خيرية واسعة النطاق لمساعدة الفقراء ويعزى إليها تخفيضات الضرائب وإلغاء الرسوم الجائرة في كافة المناطق التي حكمها شاه جيهان في الهند. ورغم ذلك لم تكن حياة الزوجين المحبين خالية من الكدر طيلة التسعة عشر عاماً وخاصة قبل أن يتولى شاه جيهان عرش البلاد إذ تعمدت عمة ممتاز محل وهي الملكة “نور جيهان” تدبير مكيدة واسعة بغرض الإساءة لسمعة ابنة أخيها فأرسلت من لدنها رسولاً يطلب من ممتاز محل الذهاب للعاصمة لزيارة والدها المشرف على الموت فلما حضرت لم تجد سوى “برويز” ابن نور جيهان مغازلا وبلغت الشائعات شاه جيهان وهو بحروبه في الدكن فعاد عاقداً العزم على قتل “ممتاز محل” لولا أنها أوضحت له حقيقة المؤامرة التي استهدفت أيضاً اغتياله في الدكن وساعدها في ذلك والدها الأريب “آصف خان” ولولا ذلك لقتلت شر قتلة وحرم العالم من تلك المعجزة المعمارية الخالدة التي تستقبل ملايين الزوار لهذا الصرح فضلاً عن الزوار المحليين. ذلك أن الهنود يتبركون بتاج محل باعتباره دليل الوفاء والإخلاص، ويعتقدون أن مجرد طواف الزوجين به قبل الزواج مباشرة يمنحهما الحياة السعيدة والاستقرار العائلي والحب والوئام وروح التضحية المتبادلة.
أما تاج محل المبنى فهو مثال للروضات أو المدافن التي عمرت بها أرجاء الهند خلال عصر أباطرة المغول وقد شيد بأمر شاه جيهان فيما بين عامي 1632م. و1653م. وهو يضم مجموعة من المباني يتوسطها مبنى القبة الرخامية البيضاء التي تضم قبرا للملكة “ممتاز محل” ثم لزوجها الإمبراطور “شاه جيهان”. وقد عهد بالبناء لمجموعة من المهندسين المعماريين يبدو واضحاً من هيئات المباني والعقود وأيضاً من أشكال الزخارف أنهم كانوا من مدارس فنية مختلفة من الهند ومن إيران أيضاً ويعرف من أسماء هؤلاء “الشيرازي” و”مأمور عبدالكريم خان” و”مكرمات خان” ثم الأستاذ “أحمد لاهوري” الذي كان بمثابة كبير المهندسين في هذا المشرع المعماري.
زخارف عربية
عمد المهندسون إلى استخدام زخارف التوريق العربية في تزيين الجدران من الداخل والخارج بلا إسراف لإضفاء طابع جمالي يعزز من طابع الصفاء والفخامة الهادئة التي أرادها “شاه جيهان” لمثوى زوجته.
ويكتمل بهاء تاج محل بمجموعة الحدائق وبرك وقنوات المياه التي تحيط به من كل جانب وهي بتصميماتها الهندسية وأشجارها وأزهارها تحفة طبيعية جديرة بأن تكون إطارا للعمل الهندسي الفذ.
وزائر “أجرا” ينتقل من عالم إلى عالم آخر عند توجهه لزيارة تاج محل فبعد صدمة رؤية الازدحام والفوضى العارمة بالمناطق المؤدية إليه يجد نفسه فور الوصول لمنظر القبة الرخامية البيضاء في عالم آخر ينتمي إلى كوكب الجمال بأكثر من انتمائه لكوكب الأرض.
وتقديراً من منظمة اليونسكو تم إدراج “تاج محل” في عام 1983م ضمن قائمة التراث العالمي الإنساني الأولى بالرعاية واعتبرته حسب نص قرار المنظمة الدولية “درة الفن الإسلامي في الهند وواحداً من الروائع المعمارية في التراث العالمي الذي نال إعجاب الجميع في شتى أنحاء الأرض”.



جرأة استخدام الرخام

يتميز تاج محل ببنائه الضخم المتناسق النسب بطريقة جمالية تخطف الأبصار وأيضاً برخامه الأبيض المرمري الذي استخدم في تشييد الجدران من الداخل والخارج وفرش الأرضيات وتشييد القبة الضخمة وتلك الجرأة على استخدام الرخام في تشييد القبة كانت وراء النظر إلى المبنى بوصفه من عجائب الدنيا القديمة، ففضلاً عن مصاعب تشكيل الرخام وتطويعه لبناء الشكل الكروي للقبة هناك حلول معمارية معقدة لجأ إليها المهندسون لتفادي مخاطر انهيار القبة أو تأثير ثقلها الهائل على العقود والجدران الحاملة لها.

اقرأ أيضا