الاتحاد

عربي ودولي

الانتخابات العراقية ومآزق الأوضاع المعيشية والمستقبل


بغداد - فارس الخطاب:
مضى عامان على دخول القوات الاميركية بغداد وسط ذهول الملايين من ابناء الامة العربية والاسلامية والمتابعين في جـميع انحاء العالم ، منهم من اعتبر الأمر تحصيل حاصل نتيجة اصرار القيادة العراقية على المضي في غيها وتحديها لأكبر القوى العالمية ممثلة في الولايات المتحدة الاميركية ، ومنهم من قنط وتيقن لحين من الزمن انه اعلان رسمي تاريخي للانهيار، وبين هذا وذاك آماد تبيّنت آفاق بعضها خلال الفترة الماضية ومنها مازال طي الترقب والمفاجأة في خضم احداث مملة ودموية متلاحقة خلال السنتين المنصرمتين رسمت ملامح الشأن العراقي الذي سنحاول التطرق لابرز سماته من خلال التعرض لاهم الملفات التي تحمل اهم المتغيرات على جميع الصعد·
في بداية العام الحالي وتحديدا في الثلاثين من ينايرالماضي انطلقت أجرأ واخطر واغرب عملية انتخابات خلال التاريخ الحديث للعالم ، ووسط تهديدات لجماعات لها فعلها الكبير والمؤثر في الداخل العراقي خرج ما يقارب الثمانية ملايين عراقي في مدن الجنوب والوسط العراقي بالاضافة الى محافظات كردستان العراق الكردية ليقوموا بانتخاب العشرات من القوائم المتنافسة(75 حزبا سياسيا ، 9 تحالفات ، 27 مرشحا مستقلا) على نيل ثقة هذه الجماهيروفق أمل واحد محاط بالهواجس وهو ان تكون هذه العملية خطوة في طريق الامن والاستقرار وعودة الحياة الطبيعية للبلاد التي مزقها الاحتلال الاميركي ومن قبله الحصار الدولي الجائر الذي امتد الى اكثر من 12 عاما ·
فهل اتت نتائج الانتخابات كما كان يفترض ان تكون حسب نسب المشاركات الشعبية العراقية فيها ؟ ولماذا لم يشترك السّنة العراقيون فعلا في تلك الانتخابات ؟ ثم هل هم نادمون على ذلك الآن ؟
دعوني ابدأ اولا بالموقف السني من هذه الانتخابات ؛ فلطالما اختلفت مواقف اهل السنة بشكل عام مع شيعة العراق (بشكل عام ايضا) حول مسألة النظرة الى التحالف وشرعيته من عدم شرعية التصدي له في الوقت الذي بدأ معه الاعلان عن كونه محتلا للعراق · فالسنة يقولون إن كل من يدنس ارض العراق من غير أهله هو محتل يجب قتاله ليس وفق المقاييس الدينية فقط بل وفق المقاييس العراقية المستندة الى القبيلة والتقاليد والإرث الكبير من تاريخ ممتد الى آلاف السنين، أما البعض من الشيعة فانهم يرون مهادنة المحتل حتى يقنع بالخروج من البلاد ويكونون بذلك قد حققوا مكسبين ؛اخراج المحتل وحفظ دماء وممتلكات العراقيين ·
على هذ طالبه السنة بأن يحدد الجانب الاميركي جدولا زمنيا للانسحاب من العراق كشرط اساسي للقبول بالمشاركة في العملية السياسية ، ولم يوافق الطرف الاميركي على ذلك رغم ادعائه انه يروم الخروج من العراق بعد ان تتشكل حكومة عراقية قادرة على ادارة البلاد وحمايتها، بمعنى آخر ان سنّة العراق كانوا ومازالوا يرون أن حرية العراق واستقلاله يسبقان التداول الديمقراطي المزعوم للسلطة، وهم يرون كذلك وجود حكومة عراقية الآن تحت هيمنة الوجود الاميركي سوف يعني بالنتيجة الحتمية تمرير قوانين وقرارات لصالح بقاء الاحتلال بأي صيغة كانت وهو ما يتعارض ومبدأ تقرير المصير الذي من خلاله تتحقق مصالح العراق العليا·
ولم يكن الذين قاطعوا الانتخابات من السنة العرب القليل فقد ضمت مجاميع المقاطعة (هيئة علماء المسلمين ، الحزب الاسلامي ، الاحزاب القومية السنية ، الجماعات من تجمعات ذات طابع ثقافي وعشائري ومهني الخ) ·
اما الشيعة فقد شارك منهم الاغلبية للأسباب التي ذكرناها آنفا اضافة الى أعداد كبيرة من الذين وجدوا في وجود قوات التحالف متنفسا لهم للاستئثار بالسلطة أو لتصفية حسابات او التحرك بحثا عن موقع ما في الخارطة السياسية العراقية الجديدة بالاضافة الى من يعتقدون ان الانتخابات تقدم موعد جلاء الاميركان كما افهمهم ذلك بعض المراجع الدينية لهم كمحمد باقر الحكيم وشقيقه عبد العزيز الحكيم والسيستاني وغيرهم ·
والاكراد بالطبع وهم الكاسب الوحيد في هذه اللعبة حتى الآن كانوا يقاتلون من أجل أن تجرى الانتخابات في موعدها والأهم في ظل الوجود الاميركي ·· لماذا ؟ لأنهم كانوا يريدون ان يبقى قانون ادارة الدولة الذي اقره مجلس الحكم العراقي وبالتحديد الفقرة 58 التي تمنح كل ثلاث محافظات حق الفيتو ضد مواد الدستور بالاضافة الى اقراره موضوع الفيدرالية والفقرتان صممتا على القياس الكردي ومحافظاتهم (اربيل ، السليمانية ، دهوك) ·
الاكراد ورئاسة جمهورية العراق
بات من يعتقد أن هذا الأمر هو هم عراقي شاغل فهو في وهم كبير، فالعراقيون ورغم كل مجريات الامور السيئة ما زالوا لا فرق عندهم بين شيعي او سني ، كردي او عربي ، ولكنهم حساسون جدا لمن يكون حاكما عليهم وفي جنباته رائحة الخيانة او التعامل مع الاجنبي ضد مصالح وطنه وامته ·
ان اكراد العراق الذين كانوا ومازالوا يراهنون على ارتباك البيئة السياسية في العراق وضعف الحكومات المركزية بشكل عام قاموا خلال الخمسة عقود الماضية برفع سقف مطالبهم القومية من بعض الحقوق الثقافية والتعليمية ثم الى حكم ذاتي بل وحتى زعيم الحركة الكردية الابرز الملا مصطفى البرزاني كان شعاره ( الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان) ثم بعد احتلال العراق تحول المطلب الى فيدرالية ثم الان وبشكل متارجح حسب الموقف الاميركي منهم (الاستقلال) طبعا بصحبة كركوك الغنية بالنفط والتي تضمن لهم مقومات دولة·
وغريب جدا ان تنتخب الجمعية العراقية (المنتخبة!) رئيسا يطالب بالانفصال وبضم كركوك مستخفا بكل القوى والاحزاب العربية والتركمانية ! ألا يسأل نواب الجمعية العراقية انفسهم لماذا لم يطالب جلال الطالباني بكركوك وهو تحت حماية الولايات المتحدة منذ عام 1992-2003 الم يكن ذلك نسبة الاكراد فيها الاكثرية قبل الحرب ام ان عمليات الترحيل والتهجير وممارسة الترهيب قد بدأت بحق سكان كركوك بعد دخول قوات التحالف ؟
لقد خلقت مطالبات الاكراد كسرا في حاجز الخطاب الوطني العراقي فهم الوحيدون الذين مارسوا اعمالا من اجل الانفصال عن المركز(بغداد) واضعافها والحديث عن الوضع الراهن بالطبع مما شجع آخرين مثل أحمد الجلبي وسواه على التهديد بالمطالبة بفيدرالية شيعية في المحافظات الجنوبية الثلاث
( البصرة والعمارة والناصرية ) وهي محافظات غنية بالنفط ·
ان العملية السياسية التي بدأت في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين وحزب البعث والمتمثلة في مجلس الحكم فالجمعية الوطنية كلها جرت وفق ترويج يراد منه أن يؤسس له بعناية تجعل الكيان مشتتا حتى وان بقي من الخارج واحد ، والصيغ المتبعة حتى الان تؤسس في الحقيقة لنظام توريث سياسي يؤسس بدوره الى الطائفية والعرقية بدلا عن المواطنة· ومما زاد في الامر سوءا وخطورة ان المرجعيات الدينية الكبيرة وضعت كل ثقلها وقوة تأثيرهم من اجل ان يتم هذا التأسيس مما يجعل الوعود المتعلقة بالديموقراطية مجرد حلم ليس إلا !
الشيعة والمعادلات الصعبة
في الحقيقة كان لشيعة العراق دورهم في عمليات إفراغ مقارعة الاحتلال من محتواها السياسي والأمني عندما التزموا جانب الصمت اولا ثم التحريض ثانيا على المقاومين باعتبارهم يعرقلون عمليات تطبيع الديموقراطية مع التوجهات العراقية للتغير، وكان رجال الدين والمرجعيات تحديدا على أهبة الاستعداد لأخذ زمام المبادرة في لفت انتباه مقلديهم الى ضرورة عدم مسايرة أبناء السنّة في عمليات عسكرية لا طائل منها أمام فرصة تاريخية ليحققوا برامجهم المتعلقة بذات مذهبهم والتنفس بشكل اعمق في مجال ممارسات الطقوس وبناء المساجد الشيعية وغيرها، وفجأة وبدون مقدمات تمت تصفية رموز كبيرة من هذه المرجعيات أمثال محمد باقر الحكيم والخوئي وهرب البعض الآخر الى ايران ولم يبق إلا مرجعية رئيسية واحدة (غير عراقية) وهو السيد علي السيستاني الذي سلطت عليه الاضواء وحفظ له أمنه وتوافدت الوفود من كل أرجاء الدنيا عليه ( حتى السفير بول بريمر) وبات يطلق الأحكام على أهم المفاصل السياسية في البلاد فتحول وبإرادة مقصودة من جهات محددة الى رمز ليس دينيا فقط بل الى سياسيا ايضا حتى بات المواطن العراقي البسيط يسأل عندما تحشر اية قضية في زاوية حرجة : ماذا يقول السيد ؟
من رحم مباركات هذا الرجل خرجت قائمة الائتلاف العراقي الموحد والتي كانت تسمى في العراق وبشكل طبيعي قبل الانتخابات (القائمة الايرانية) وهي بالطبع قائمة قوية تضم معظم الاحزاب الشيعية القوية وذات الحضور الجماهيري السياسي بالإضافة الى شخصيات سنية ولم تدخر احزاب هذه القائمة جهدا في الترويج الى أن قائمتهم تمثل السيد السيستاني لذلك كان معظم الذين اشتركوا في الانتخابات (وهم شيعة) يجدون انتخاب هذه القائمة اقرب الى رضا النفس وعلى أساس مثل عراقي يقول (اللي تعرفه احسن من الذي لا تعرفه) ·
فازت القائمة وكان يفترض ان تقوم الاحزاب المتشكلة منها بمباشرة اتصالاتها مع القوائم الفائزة الاخرى (الكردية ، العراقية) لتشكيل حكومة الا ان اكثر من شهرين من تاريخ هذه الانتخابات لم يتمكن احد من تلك القوائم على تشكيل وزارة وهي وزارة تصريف امور ايضا فكم سيستغرق الوقت عندما تجري المشاورات لتشكيل حكومة دائمة بعد الانتخابات القادمة ؟
لقد عرف الشعب العراقي هزالة العملية الانتخابية بعد ان بدأت الجمعية العراقية اعلان اسماء الذين سيتولون المناصب في الحكومة القادمة وذلك بعد ان رأى ان ذات الوجوه تكررت ونفس القوى التي اتت مع التحالف تسلمت مقاليد الامور وكأن الائتلاف لم يفز بغالبية مطلقة في الانتخابات ! واستغرب العراقيون تهافت رجالات السياسة الجديدة في العراق على المساومة من اجل تشكيل حكومة مؤقتة واشتغل الاكراد فيها للحصول على اكبر المكاسب مستغلين كونهم لاعبا اساسيا في اللعبة البرلمانية الجديدة حتى ان المعلومات تقول انهم وعدوا باشياء تتعلق بكركوك والدستور بالغة الاهمية ·· والسؤال هو اذا كان ذلك كله يعطى لحكومة مؤقتة فماذا سيعطي الساسة العراقيون للبقاء في حكومة دائمية ؟
مستقبل الوجود الاميركي
حددت القوات الاميركية ولمرات عديدة ما يمكن ان يجعل قواتهم تنسحب من العراق وفق عدة متغيرات منها : انخفاض مستوى العمليات العسكرية ضدهم في محافظات العراق، وتحسن قدرات اجهزة وزارة الداخلية والدفاع العراقيتين على ضبط الامن، ثم الموقف الذي ستتخذه الحكومة العراقية المقبلة من مسألة بقاء القوات الاميركية على ارض العراق·
ان العراق امام اختبار جديد تجري كل تفاصيله على ارضه وعلى شعبه ، لذلك فان الحكومة التي ستتولى الان حكم العراق امامها حتى 5/12/2005 لبناء خارطة سياسية جديدة للعراق حيث يفترض بعدها ان يؤسس لانتخابات جديدة تنتخب حكومة تستمر ولايتها اربع سنوات وبالطبع سيكون هناك استفتاء جماهيري حول مسودة الدستور الدائم الذي ستتولى إعداده الجمعية الوطنية العراقية خلال الفترة القادمة ، وحتى تلك الفترة سيبقى العراق واحدا وسيتعلق العراقيون اكثر من اي وقت مضى في تثبيت هذه الحقيقة التاريخية وستكون هناك مشاكل كبرى لن نستطيع تحديد ردود الافعال المتوقعة حولها انما سيمضي العراق الى ما هو مخطط له ليقيم المتغير الثاني في ديسمبر القادم·
الاعمال العسكرية والمقاومة
لابد من الاشارة الى ان حجم العمليات العسكرية قد انخفض في العراق بعد الانتخابات وان كانت هناك عمليات نوعية كبيرة كتلك التي حدثت في سجن ابي غريب ، ولكن المتوقع ان تتطور وسائل المقاومة العراقية نحو اظهار وجه سياسي للمقاومين يفسح المجال أمام الادارة الاميركية والحكومة العراقية المؤقتة لعقد مفاوضات او صفقات معهم، وحتى يجبر الاميركان اللجوء الى هذا الخيار سيكون حجم ونوع العمليات اكبر من ذي قبل وموجه الى قواتهم بشكل ادق واخطر لذلك فان الثمانية اشهر القادمة ستكون حبلى بالمتغيرات ولا احد يعلم بالتأكيد الى اين ستقود تلك المتغيرات·

اقرأ أيضا

داعش يتبنى هجوماً على الجيش النيجري قتل فيه العشرات