الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المشهد العراقي: صراع المشاريع السلطوية
29 أكتوبر 2010 21:47

ما تزال غيوم الخلاف والاختلاف تظلل صورة المشهد السياسي العراقي الذي بدا يغلي في مرجل التصريحات المتناقضة مع إيقاع حركة الأحداث واتجاهاتها، بدلا من تعميق مساراتها التفاوضية عبر مقاربات فكرية ورؤى واضحة موضوعية ترسم الشكل الأساس لمستقبل البلاد السياسي. تناقض المواقف وضديتها يعكسان ضعف البدائل المطروحة من جهة، وضياع شكل المرونة المطلوبة، فضلا عن غياب الرؤية المستقبلية الواعية التي تقفز فوق الرغبات والاتجاهات الواحدية، وتتخطى الحواجز الضيقة، وهي إحدى المتطلبات الأساسية للمرحلة الراهنة، الغائبة عن قلب المسرح السياسي المتخم بأشكال الألاعيب. إن التلويح بأوراق ضغط متنوعة ومتعاكسة، سمة التباري السياسي الحالي وشكله الفضفاض. والحقيقة أن افتقار المسار السياسي إلى جملة مبادئ منطلقة من روحية البناء الديمقراطي ومصالح البلاد، أدت إلى انهيارات جليدية على أكثر من صعيد وجبهة، فالمفروض أن تكرس القوى السياسية على اختلاف تلاوينها جل جهودها باتجاه بناء البلاد، وتعافيها من أزماتها المتفاقمة، إلى جانب إعادة البنية المجتمعية المنتهكة على أكثر من محور قيمي وأخلاقي واجتماعي، ومدها بأسباب التعافي، لضمان المشاركة الفاعلة في حركة البناء والتغيير، بغية استيعاب التحولات الممهدة للتفاعل الجدي والحقيقي بما يؤدي إلى خلق حركة نهضوية لانتشال البلاد من حضيض مستنقع الفقر والجهل والمرض والتخلف. إن أخطبوط الأداء السياسي المتمرس خلف واجهات وشعارات شتى، قد مد أخاديده في زوايا المجتمع، لا لأجل تحفيز منطلقات الوعي الوطني، وإنما لتكريس سياسات تهدف إلى مصالح جهوية ضيقة احتلت جزءاً من تاريخ الأداء السياسي للماضي المفوت، والتي أدت تراكماتها الصدئة إلى جر البلاد نحو ويلات وكوارث ماحقة، أضاعت الثروات الطبيعية والبشرية، وزرعت تكسرات اجتماعية ستكلف عملية ترميم بنائها وغسل أدرانها آماداً ليست بالقصيرة. إن ظاهرة التوجه نحو الفئات، والطبقات، وأنماط التراتبية المجتمعية، ومحاولة تعبئتها لأضيق الأهداف المصلحية، وبما يخلق أجواء التوترات المقلقة المنذرة بسوء العواقب... ظاهرة سياسية قديمة- جديدة في التاريخ العراقي وإذا ما استمر الساسة الجدد في لعبة العبث لتجديد الموبقات السابقة، فستنشأ عقبة صعبة ومعقدة على طريق التنمية السياسية المنشودة. أن تبني أشكال السياسات المستندة على استراتيجيات مختلفة ومتنوعة، لكنها على درجة من الفهم الديناميكي القادر على اجتراح آليات خلاقة تطرح أكثر من معادلة جديدة تهتم بخلق شتى التجاذبات المجتمعية والنخبوية، مما ينبئ بالخروج من تجربة رصينة معززة بالخبرات. وبقدر ما يتم التوغل أفقياً وعمودياً في شكل هذه السياسات، بقدر ما تطفو على السطح أولى الثمار الناضجة، بدلا من جر المجتمع وزجه في صراعات خلف أهداف انتهازية ونفعية وتضادية، في محاولة لمصادرة الأهداف العامة لصالح أهداف جزئية وفئوية لعينة، والتي تلعب دور البكتيريا في الجسم المريض، وهي بكلية الأمر جزء من سياسات بالية ترجع بتاريخها إلى عهود الاستعمار الغابرة. ويبدو أن الساسة الجدد بات يزعجهم الاتعاظ بدروس الماضي، ولا يكلفون أنفسهم عناء قراءة التاريخ بوعي. سبع سنوات عجاف مرت، وما تزال البلاد في حقبة ما بعد الدكتاتورية غافية على شواطئ النسيان والإهمال، وتداعيات الفساد الذي تفاقم وانتشر، وعلى نحو مخجل أساء إلى تواريخ نضالية لعديد القوى والأحزاب، والتي أفرغ الأداء السياسي والحكومي لها، الشيء الكثير من محتوى مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا شيء جديد سوى الدوران في حلقة الصراعات السياسية الجارفة والفارغة من أي محتوى، والمعبرة عن لغة الامتيازات. فامتيازات الصفوة هي شكل البيروقراطية الجديدة التي تجتاح البلاد من كل صنف ولون. ضياع البرامج الملتزمة وانعدام تحديد الأولويات هو التوصيف الأنسب لحركية الأحزاب والقوى السياسية المتصارعة التي تعودت أن تظهر عكس ما تبطن. صراع السلطة، وتراخي لغة الاتفاق والبناء السياسي البناء، لحساب مشاريع سلطوية رخيصة تعكس أزمة بنيوية وسياسية حادة، وذهنية مفتقرة لمجموعة روابط سياسية قائمة على قواعد وطنية قادرة على لعب دور فعال في صياغة مشاريع وطنية سياسية وتنموية حاضنة لكل القوى السياسية، مع مقاربة لخطواتها وحركتها، مما يطلق شارة انطلاق عجلة الدوران الجديدة نحو فضاءات رحبة ترسم شكل المنافسة السياسية، بعيداً عن أنماط الصراعات المحكومة بحتمية التاريخ إلى صراع بقاء ووجود وفناء، لتهدد وتسحق أية حيوية نابضة في حركة المجتمع وقواه السياسية، إلى جانب تراكماتها ذات التاريخ الموجع والسيئ في الذاكرة الجمعية. الذاكرة والمذاكرة السياسية الجديدة بحاجة إلى شحن وطني جديد، يمنحها القوة والقدرة على التواصل مع أشكال الحياة الجديدة وترسم للمستقبل العراقي خطوطاً عابرة لأزماته ومعاناته، وتؤسس لثقافة وطنية متأصلة وأصيلة تمتلك مفاتيح السؤال والجواب، لحزم الأسئلة المثيرة للدهشة والارتياب، المانعة لشد اللحمة الوطنية ومد خيوط التعايش البناء، وكفى الله المؤمنين شر القتال. أحمد ناصر الفيلي كاتب وصحفي عراقي ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©