الجمعة 9 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

قبل الغرق

29 أكتوبر 2010 21:47
في السودان اليوم سباق محموم مع الزمن ومحاولات متعددة لإيقاف عجلته قبل وصولها محطتها الأخيرة في التاسع من يناير القادم. وللأسف فإن محاولة السباق هذه وكل المبادرات والتدخلات والمساعي الجادة أحياناً لتأجيل عملية الاستفتاء حول مصير الجنوب، وحدة أو انفصالاً عن السودان، تدور وتحاول الالتفاف حول أمر قبله الجميع يوم أن وقعت حكومة "حزب المؤتمر الوطني" و"الحركة الشعبية" اتفاقاً اعترفت فيه الحكومة للجنوبيين بحق تقرير المصير، واعترفت واقعياً بأن "الحركة الشعبية" هي ممثل شعب الجنوب، وسلمتها مفتاح السلطة الفعلية هناك. والحق أن السودانيين جميعاً فرحوا وابتهجوا وأيدوا اتفاق السلام وإيقاف الحرب في الجنوب، لأنهم أصلاً كانوا ضد الحرب الأهلية القاسية التي كبدتهم من أرواحهم وأموالهم وأمنهم واستقرار بلادهم ما يعرفه العالم كله. ووضع أكثر الناس آمالهم وأحلامهم المرتجاة لبلدهم في مقْدم "السودان الجديد" الذي بشر به وقاتل من أجله جون قرنق، مؤسس "الحركة الشعبية" و"الجيش الشعبي لتحرير السودان". ولأن مشروع قرنق للسودان الجديد كان من أجل كل السودانيين المهمشين والبؤساء الذين تفتك بهم الأوبئة والمجاعات أكثر من الحرب، ولأنهم لمسوا وأحسوا بقلوبهم وعقولهم الصدق والولاء للوطن الواحد والإيمان بالمستقبل الواعد للسودان الجديد... فقد وضعوا ثقتهم في قيادة الجنوب لاستعادة وحدة الوطن التي تحقق لكل أطرافه من شعوب وقبائل وأقاليم، آمالهم وتعيد لهم حقوقهم الشرعية في اختيار حكامهم وإدارة شؤون حياتهم وفقاً لمعتقداتهم الموروثة وتحقق العدل في اقتسام الثروة والسلطة والتنمية العادلة للجميع. ويبدو مثل هذا الحديث الآن، كأنما هو حلم مضى، إذ أفاق أولئك من نومهم ليواجهوا بواقع شديد الوطأة تبددت أمامه كل الأحلام والآمال في الوحدة الجاذبة التي تعيد لحمة الوطن الواحد. فالواقع المرير يشير إلى أن السودان اليوم متجه نحو التجزئة والانفصال. ورغم التطمينات الصادرة من "مؤسسة الرئاسة" بأن الاستفتاء سيجري في جو من الأمن والأمان، وبأن طرفي اتفاق نيفاشا أكدا التزامهما بإزالة أي معوقات أو إشكاليات تهدد الأمن والاستقرار... فإن الشعور العام السائد بين أوساط المواطنين العاديين يطبعه الخوف والتشاؤم من أن العناصر غير المنضبطة في كلا الجانبين قد تشعل نار الفتنة التي لن يستطيع أحد إيقافها. وفي خضم هذه الأجواء تداعى نفر من أبناء وبنات السودان الحادبين عليه وعلى مستقبل العيش المشترك بين شماله وجنوبه، وأجمعوا على القيام بمبادرة بعيدة عن الخلافات والصراعات الحزبية والعشائرية والعقائدية التي تمزق الوطن... مبادرة من أجل السودان صادرة عن ضمائر وعقول سودانية تدرك المخاطر التي ستلحق بالسودان إذا تجزأ والجنوب إن انفصل. وقد تقدم هذا التجمع برسالة إلى شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) حملت اقتراحاً عملياً، لو قبله طرفا الحكم وتحقق، لوفر على الوطن والشعب كثيراً مما لم يعد في طاقته تحمله. تقترح المبادرة أن يتفق طرفا الحكم اتفاقاً موثقاً وقبل إجراء الاستفتاء، ويعلنوا للشعب والعالم أجمع، وفي حالة قرر الجنوب الانفصال، التزام كل من حكومتي الشمال والجنوب دستورياً بحق كل مواطن من مواطني البلدين في الحصول على الجنسية المزدوجة لدولتي السودان والجنوب، وأن تُضمن لمواطني البلدين الحريات الخمس. والهدف الذي أوضحه أصحاب الرسالة أن لا يكون الانفصال (لو قُدّر له أن يقع) سبباً في تمزيق الروابط الإنسانية والاجتماعية التي بنيت على مدى عقود طويلة بين الجنوبيين والشماليين. ليكن الانفصال (إذا وقع) سلساً ومحترماً وإنسانياً، ولربما بمرور الزمن وتجريب السودانيين للتجزئة والانقسام، قد يعودون لرشدهم وعقولهم ليعود العمل من أجل السودان الجديد الكبير وقد صهرت التجربة المرة عقول وقلوب أهله. لن نستطيع الآن إعادة الماضي بمآسيه، وربما إنجازاته أيضاً، لكن من الممكن -وبالعمل الجاد والصادق- تحقيق حسن الجوار ومد جسور الاتصال البشري والمصالح المشتركة. لذلك فقد طالبت المبادرة، بكثير من التأييد والأمل، أن يجد "صوت العقل" هذا قبولاً لدى قادة "المؤتمر الوطني" و"الحركة الشعبية". ولعل هذه المبادرة تكون طوق النجاة الأخير الذي يؤمّن السودان من مخاطر لا يدرك مداها سوى الله. عبدالله عبيد حسن
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©