الاتحاد

ثقافة

الشباب المثقف.. ثمرة الاتحاد

الشباب مستقبل الوطن (أرشيفية)

الشباب مستقبل الوطن (أرشيفية)

عبير زيتون (دبي)

يمثل الشباب في كل أمة عمودها الفقري، وقلبها النابض، ويدها القوية التي تبني وتحمي، وأدركت الإمارات مبكراً قيمة «عنصر الشباب» في التنمية الشاملة، وهذا ما عبر عنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بقوله: «إن ثروة الأمة الحقيقية تكمن في الشباب»، وتجلى بوضوح بديمومة المبادرات والاستراتيجيات الوطنية التي تنفذها الدولة، والمتعلقة بتمكين شبابها والارتقاء بقدراتهم، كي يكونوا أداة للتقدم.
واليوم ونحن نحتفل باليوم الوطني الـ48، ومن بوابة هذا المنعطف التاريخي والوجودي الذي لم يختبر شباب اليوم، صعوباته، لنا أن نتساءل: كيف يقرأ شباب اليوم مساهمة تجربة الاتحاد في تحقيق «الأنا» الوجودية المستقلة والمستقرة والمتجاوزة لكل الانتماءات الضيقة؟.. وكيف يمكن للمستقبل في ظل دولة الاتحاد أن يكون أكثر قرباً وانعكاساً لتصورهم العام والمنشود عنه؟

تقول أحلام الأحمد، مهندسة نظم معلومات ومصورة فوتوغرافية:
يسمو اتحادنا في كل عام، وتسمو معه كل حكايا الاستثمار فينا، نحن الشباب، ولدنا في هذه المساحة التي تضم كل ذكرياتنا والتي تكبر فينا بصورة وطن. ومنذ أن ضمتنا هذه المساحة وهي تولد فينا رغبة مستدامة في تحدي ذواتنا والحرص الدائم بأن يكون حضورنا في جميع الساحات مغايراً لكل ما هو معتاد، ويفوق ما هو متوقع. وصرنا، كشباب، معيار الدولة في تحقيق رفعتها في العالم أجمع.
وتضيف: تجربة الاتحاد علمتني التناغم مع مختلف الثقافات والتعايش مع أوجه فكرية متعددة، وساهمت بوضع هدف راسخ لي في العمل على نهضة المجتمع والتطوير فيه.
وتقول: أطمح، كشابة، أن نُعد أطفالنا بصورة مبنية على مفاهيم التضامن وتكامل أدوار الأفراد في بناء المجتمع والمحافظة على تماسكه، بصورة تربوية وفكرية تقوم على عمق العلوم الإنسانية والفنون والآداب الإنسانية، القادرة على حمايته من عواصف الزمن وتقلباته وهو مسلح بالعلم والمعرفة المنفتحة على ثقافات الآخرين، حتى يحمل إرث الأجداد والمؤسسين بالشكل الذي يليق بعطاءاتهم.
أما عبد الرحمن النقبي، كاتب وباحث، فيقول: لا تمر ذكرى الثاني من ديسمبر، إلا وتزداد فيها فرحتنا ومحبتنا لصرح دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا الصرح الذي يزداد قوةً ورفعةً وشموخاً، بفضل قيادته المخلصة.
كإماراتي، لا يسعني إلا أن أفتخر، وأزهو بالدور العظيم الذي تبنته دولة الإمارات، ليس على المستوى العربي فقط، بل على المستوى العالمي، في نشر ثقافة التسامح، وتعزيزها عملياً، في ظل محيط جغرافي ملتهب يفتقد إلى الكثير من التسامح. وطموحاتي كشاب إماراتي أن يتعزز حس التكافل بين الشباب لتكريس هذا التوجه الحضاري، وتعزيز قيم التسامح، في مجتمعنا، وفكرنا، وسلوكنا وبما يليق بجهود الآباء والأجداد، وواجبنا، كشباب، تكريس هذه الرسالة بكل قيمها ورفعتها.
الشاعر ناصر البكر الزعابي يقول: تعد الإمارات نموذجاً عالمياً لا مثيل له في العصر الحديث، فقد استطاعت أن تحقّق إنجازات ومكتسبات هائلة على جميع الصعد، في زمن قياسي، بفضل السياسات الحكيمة للحكومة الرشيدة، فالإمارات نموذج إنساني فريد في نشر ثقافة العطاء والتسامح، ولأنها بلد التسامح والخير فقد رأينا انعكاس ذلك على المشهد الثقافي الأدبي، وكيف أبهرت الناس بمختلف الفعاليات والمبادرات الأدبية، وظهرت أسماء مرموقة أضافت كثيراً إلى الثقافة والمكتبة العربية، إضافة إلى إنجازات لا تحصى ونهضةٍ علمية وعمرانية يشار لها بالبنان. وطموحي، كشاب، تكريس خطاب الدولة التنويري والمنفتح في حياتي وكتاباتي الشعرية، والعمل للمحافظة على هذه الصورة الإنسانية المشرقة لوجه الإمارات التي نكبر معها وتكبر فينا، يوماً بعد يوم.

توحيد العمل الثقافي
غيث حسن الحوسني، مؤسس مبادرة «موزاييك» الثقافية، يقول:
فكرة الاتحاد مرتبطة لدي بملاحم الصبر والإرادة القوية، وكان الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يدرك ذلك ملياً، لذلك قال: «لا بد في كل مرحلة أن نراجع ما تحقق لإعادة ترتيب الأوضاع حتى نواصل المسيرة ونحقق الآمال». وانطلاقاً من هذه القناعة الحكيمة، أتساءل مع هذه المناسبة العظيمة: ما الذي يمنع المؤسسات الثقافية في الدولة من الاستفادة من التجربة الوحدوية الكبرى لاتحاد الدولة في توحيد الرؤى والأهداف للإجابة بشكل منظم وممنهج عن الكثير من التحديات الفكرية المحلية، خاصة في بحثها عن جواب الهوية؟
لقد لمست، من خلال عملي في تأسيس «مبادرة موزاييك»، طموحاً لدى شريحة واسعة من الكتاب والمثقفين الشباب، لتوحيد الخطط الثقافية، كما أن من المسائل الهامة التي تثير اهتمامي، كشاب مهتم بالمشهد الثقافي المحلي، مسألة المركز، والأطراف، لماذا هناك تركيز فقط على المراكز الأساسية في أبوظبي، ودبي، والشارقة وما تتوفر عليه من نماذج ثقافية، مقابل غياب ما يمكن أن أسميه بالأطراف في مناطق كالعين، وخورفكان، والمناطق الغربية، فهي بالنهاية طاقات شبابية من ثمرة دولة الاتحاد، وهي طاقات غير مستثمرة بالشكل الكافي الذي تفرضه علينا المعاني العميقة للحالة الوحدوية الكبرى.

روح الفريق
ولسليمان الحمادي، نائب رئيس جمعية الإمارات للتصوير الضوئي، وجهة نظر تقترب من الحوسني، ويضيف:
الاتحاد يمثل اليوم، الهوية الإماراتية الحالية والمستقبلية، والتي تعد هوية عالمية. أما عن الشباب؛ فقد حظيت بتجربة ثرية، في جمعية الإمارات للتصوير الضوئي، فهناك عرفت مدى أهمية أن تكون ضمن منظومة من العمل قائمة على روح الفريق الواحد، واكتشفت أن ما بذلته من عمل طويل وشاق بمفردي في التدريب وصقل الموهبة، إلى أن وصلت لمرحلة حصد الجوائز في المسابقات الكبرى، والمشاركة الرسمية في مختلف المعارض المحلية والعالمية، كان من الممكن ألا يأخذ مني كل هذا الوقت في ظل وجود منظومة اتحادية، ترعى شؤون الشباب المبتدئين، وصقل موهبتهم وإرشادهم، لذلك أجد من الضروري تكثيف الجهود في سياق واحد، تحت منظومة إدارية واحدة، قادرة على تجنب إهدار جهود الشباب المصورين وحرق المسافات الطويلة عليهم واختصارها، لأن فكرة العمل المشترك هي بالتحديد ما يجب أن تحرص عليه أي مؤسسة قائمة على إنتاج الفن والثقافة. وخاصة في دولتنا الغالية، التي يضرب بها المثل كنموذج للاتحاد المثمر والناجح.
أما الشاعر أحمد علي المازمي فيقول:
بينما شق الآباءُ والأجدادُ أيامهم بالصعاب، ولدت أنا وترعرعت في جدران أسرة مستقرة، ووطن آمن وطموح يحطم الأرقام تباعاً، ولدت بملعقة رغيدة، صنعتها سبع أيادٍ عظيمة، كان الاتحاد يمثل لي قصة بطلٍ، روض التحديات حتى كسَّر مستحيلها، بطلي أبداً ووالدي الأعز الشيخ زايد، طيب الله ثراه. لكن في المقابل، وأمام
هذا النمو الاقتصادي السريع، والازدهار الخلاب، يبقى الحراك المؤسسي الثقافي أقل من الطموح، ولا يلبي تطلبات المرحلة القادمة. نتمنى أن تُدعم النتاجات الإبداعية في شتى مجالاتها، فالثقافة تصنعُ قوة ناعمة بإمكانها التأثير في المستقبل وتشكيله. ونحن نملك مواهب وقدرات هائلة تصارع لوجودها، قبل أن تنطفئ في العالم الروبوتي.

من جهتها تقول عهود الخالدي، كاتبة ومحامية:
بالطبع، تختلف الطموحات باختلاف الزمن والأحداث. ربما طموحاتنا الآن كشباب يعيش عصر الحداثة وما بعد الحداثة، تعدت سقف الأجداد - الذين كانوا يطمحون إلى البقاء - إلى الخلق والإبداع، اليوم لدينا عقول شابة واعية ومثقفة، تحمل على عاتقها هذا الإرث العظيم وفي قلبها ولاء لهذا الوطن لا تنفطم منه. لذلك أطمح باحتواء هذه العقول، والإيمان بطاقتها الفكرية، فهي تزن براميل النفط، ويجب أن تتوفر لها منصات إعلامية، وبيئات حاضنة، ومراكز تجمع، لأن تلك العقول هي ثمرة الاتحاد، وهي الدخل الحقيقي للاتحاد ما بعد النفط، هذه العقول الواعية المثقفة تحتاج إلى مساحة حرية أكثر، لتشق طريقها نحو تقدم المجتمع والوطن. تتغير الأجيال وتختلف الطموحات.. أما الوطن فهو ثابت، دائماً سقف طموحات الوطن أعلى.

رهان المستقبل
يؤيد الشاعر أحمد عبيد ما جاءت به «الخالدي»، ويضيف:
تأسرني فكرة الاتحاد وكيف خرجت من فكر الرجل العظيم، ابن الصحراء، الشيخ زايد، طيب الله ثراه، هذه الفكرة التي حملت كل الأحلام لتأسيس بلد قوي متطلع للمستقبل؛ وفر كل ما يحتاجه المواطن والمقيم على هذه الأرض الرائعة. هذا الاتحاد الذي منح هذه الأرض وجوداً، وأعطاها هوية تنافس بها أعظم الدول. ولكوني شاعراً أهتم بالقصيدة النثرية، وأعتبرها رئة الوجود، ونافذة الإنسان للنمو الروحي والأخلاقي والمعرفي، أطمح أن تركز المؤسسات الثقافية أكثر على قصيدة النثر الحديثة بطاقاتها الشبابية الواعدة، وإعطائها الفرصة والقنوات اللازمة للتواصل مع مبدعيها من الأجيال السابقة، كما أطمح أن تأخذ العلوم الإنسانية مساحتها من حياتنا اليومية، خاصة الفلسفة؛ فالاستثمار بالوعي الإنساني والمعرفي في بيئة تنعم بالحرية والانفتاح والرعاية، هي الرهان لمواجهة تحديات المستقبل.
ربما المفاجأة المختلفة بانشغالها العربي كانت مع محمد حسن القيوضي، مرشد سياحي في اللوفر، حين قال:
كنت في الخامسة عندما دخلت الكهرباء إلى قريتي لأول مرة عام 1977، فغيرت حياتنا. لم أكن أفهم كثيراً ما يجري حولي، ولم أكن لأستوعب بعدُ معنى دولة ومتحدة، واستغرق مني الأمر بضع سنين لإدراك سبب تلك التغيرات واستيعاب أن الماضي القاسي لن يرجع أبداً.
ومع الوعي أدركت جيداً أن ما حدث، ليس بسبب النفط والكهرباء فقط، بل بإرادة الآباء المؤسسين للنهوض بالبلاد عبر توحيد الجهود، وهذا ما أتمناه لكل الدول العربية التي تشهد اضطرابات وحروب. أتمنى أن تستفيد من تجربة الإمارات الوحدوية، للتخلص من مشاكل التفرقة والتشرذم والنهوض بواقعها وبأحلام شبابها. وتجربة الإمارات أكبر مثال على النجاح والتفوق.
أما عمر عبد الرحمن الحمادي، طبيب وكاتب، فله تصور يجمع كل ما جاء سابقاً، يقول:
من المهم للأجيال القادمة أن تقرأ عن تجربة الاتحادات العربية التي لم يحالفها الحظ، حتى يدركوا قيمة الاتحاد الإماراتي الذي حامت حول نجاحه شكوك الفشل والانهيار، ثم ما لبث أن صار أنجح وأمتن اتحاد عربي في التاريخ المعاصر، وتحولت أرض الإمارات العربية المتحدة لتكون نموذجاً يتعلم منه الناس في العالم، كما يتعلمون من التجربة السنغافورية والكورية واليابانية.
في المرحلة القادمة، أتطلع إلى تطوير العلوم الإنسانية، التي يرتكز عليها مفهوم الحضارة، ومن أهم ركائز هذه العلوم هي التسامح المعرفي الحقيقي مع كل مواطن ومقيم مهما كان دينه أو مذهبه أو لونه أو بلده، هذا التسامح سيمهد للعقل الاستفادة من علوم الآخرين والبناء عليها. فمعالم الحضارة لا تُبنى إلا بوجود أسس صلبة للعلوم الإنسانية والطبيعية والتي علينا أن نجعلها هدفاً أساسيا لأبناء الاتحاد، فما وصل إلينا من الأجداد بقوة، لن نحافظ عليه إلا بخلق فرص علمية تدفع أبناءنا بعيداً عن المظاهر والسطحية والرجعية والتعصب.

اقرأ أيضا

«الشارقة للمسرح الصحراوي».. الخروج من «العلبة» إلى رحابة الرمال