صحيفة الاتحاد

اليوم الوطني

الإمارات تشق طريقها لتصبح مركزاً عالمياً للثورة الصناعية الرابعة

حاتم فاروق (أبوظبي)

بعد مرور عام على الإعلان عن تأسيس مجلس الثورة الصناعية الرابعة بدولة الإمارات، أصبحت المبادرات والاستراتيجيات التي كشفت عنها الحكومة الاتحادية محط أنظار البلدان الصناعية المتقدمة، وجعلتها مختبراً عالمياً مفتوحاً لتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، وذلك بالتزامن مع تعيين الحكومة لوزراء جدد للذكاء الاصطناعي والعلوم والصناعات المتقدمة والأمن المائي والغذائي.ويبدو جلياً أن استعدادات الإمارات نحو تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، جاءت لتؤكد للعالم أجمع أنها مركز عالمي للتحولات التي من المتوقع أن تقودها تلك الثورة على مختلف نواحي الحياة، لتكون الدولة سباقة في التحرك نحو تنفيذ استراتيجيات الثورة الصناعية الرابعة عبر تبنيها نماذج الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفعالية تعلم الآلات التي من المتوقع أن يضاعف حجم النمو السنوي لاقتصاد الدول ويرفع من كفاءة القوى العاملة بنسبة 40% بحلول عام 2035.

تشير التوقعات الدولية إلى أن اقتصاد التنقل الذاتي سيرتفع إلى 7 تريليونات دولار، فيما يتوقع أن يساهم إنترنت الأشياء وحده بنسبة 10 إلى 15 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي على مدى السنوات العشرين المقبلة، في حين يساهم التغيير المنتظر في زيادة كفاءة الطاقة عالمياً، في الوقت الذي تظهر فيه بوضوح قوى اقتصادية جديدة وترتفع فيه المنافسة التجارية العالمية التي تحددها القدرة التنافسية المبنية على التطور التكنولوجي والقدرة على الابتكار.
ومع تحرك دولة الإمارات نحو تبني تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة واستشراف المستقبل، أصبحت الدولة المنصة المثالية لاستضافة نخبة مستشرفي المستقبل الذين يرسمون ملامح مستقبل العالم ووضع الحلول المناسبة لمواجهة التحديات المستقبلية، والعمل على تحويل مفاهيم الثورة التكنولوجية إلى أجندة عالمية مشتركة، في محاولة لاستغلال ما توفره الثورة الصناعية الرابعة من فرص تضع البشرية على مشارف عصر جديد من التطور والرقي.
وتمثل الثورة التكنولوجية مرحلة رئيسية في تطور العالم، وستكون العلوم والتكنولوجيا المتقدمة والبيانات محركات رئيسية لها تندمج فيها العوالم الواقعية والرقمية والبيولوجية بما يؤثر في الإنسان في كل نواحي الحياة والتنمية والتطور والأنظمة والحكومات، كون هذه الثورة تمثل مسؤولية أخلاقية ينبغي مشاركتها مع الجميع، في عالم أصبحت فيه البيانات والتكنولوجيا تسّهل الانتشار الواسع للمعرفة وتشكل منصة افتراضية للمستقبل.
ومع مواصلة دولة الإمارات تكريس جهودها لتبني التقنيات الأكثر تطوراً لصياغة المستقبل بشكل بناء، جاءت الإشادات الدولية بمبادرات الدولة الرائدة والسباقة بالتزامن مع استحداث وزارات هي الأولى من نوعها في العالم مثل وزارة الذكاء الاصطناعي، ما يعكس قوة الإيمان بالقوى الإيجابية للتقنيات الحديثة والمتطورة، فضلاً عن حرص دولة الإمارات على تجميع أفضل العقول والخبرات العالمية من كل القطاعات من الحكومات والأكاديميين وقطاعات الأعمال لفهم وصياغة مستقبل الثورة الصناعية الرابعة بما يخدم صالح العالم.
وبهذه الجهود والتحولات السريعة والمتلاحقة، أصبحت حكومة دولة الإمارات أول حكومة في العالم تعمل على تصميم وتبني إطار عمل لجاهزية الحكومات للمستقبلِ ضمن أجندتها الوطنية، فضلاً عن كونها أول مختبر عالمي مفتوح لتجربة واختبار وتطبيق تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة التي ستوفر المزيد من الوظائف، وذلك تزامناً مع إطلاقها خطة عمل تنفيذية تتضمن ستة محاور تترجم توجهات الثورة الصناعية الرابعة إلى حراك عالمي تقوده الإمارات، وهي محاور التكنولوجيا والابتكار، والاقتصاد، والمجتمع، والموارد الطبيعية والبيئة، والأمن، والحوكمة.
وتعكف حكومة الإمارات في الوقت الراهن على الإسهام بفعالية في تأسيس مجالس الثورة الصناعية الرابعة، من خلال الشراكة مع المنتديات الاقتصادي العالمية، بهدف تقديم الدعم الاستشاري لمتخذي القرار على مستوى العالم، ودراسة آثار تطبيق تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة على المنظومات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد فرص تطبيق تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة ضمن القطاعات الرئيسة، ما يضمن الاستفادة من الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي تقدمها، كما أنها تعمل وبشكل حثيث على تقديم الدعم الاستشاري للحكومات في مجال وضع الأطر التنظيمية والتشريعية لتطبيق هذه التكنولوجيات.
ومنذ الإعلان عن تأسيس مجلس الثورة الصناعية الرابعة في الدولة، جاءت مناقشات أعضاء المجلس لتؤكد مدى حرصه على وضع الإمارات على قيادة الثورة الصناعية الرابعة، من خلال توفير الإطار العملي، ودعم جهود الدولة في توظيف الأدوات التكنولوجية التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، وأهمية الاستفادة منها في تحويل التحديات المستقبلية إلى فرص وإنجازات، فضلاً عن تعظيم دور القطاعات الحيوية في تسخير هذه التكنولوجيا لخدمة المصلحة العامة.
وكانت من أولى مهام هذا المجلس اتخاذ كل الإجراءات والسبل لرفع مستوى الوعي في الجهات الحكومية والخاصة، وتحفيزها على تبني الأدوات والوسائل التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، وتوظيفها في تطوير العمل ورفع الكفاءة والإنتاجية، إلى جانب بحث ومناقشة تحديات وفرص هذه الثورة، وتطوير آليات التنسيق والتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية، وتعزيز مكانة الدولة كأول مختبر عالمي مفتوح لتطبيق المشروعات المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة.

تقنيات جديدة
في شهر مارس الماضي، رصدت القمة العالمية للصناعة والتصنيع، التي أقيمت للمرة الأولى في العاصمة أبوظبي، 10 تقنيات رئيسة تلعب دوراً مهماً في تغيير مسار الثورة الصناعية الرابعة للقطاع الصناعي، فمن المركبات ذاتية القيادة إلى الروبوتات الصناعية، تقوم تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بإعادة صياغة قواعد القطاع الصناعي التقليدي، ويرغب المستهلكون في الحصول على المزيد من المنتجات وبشكل أسرع مما سبق، فضلاً عن أنهم يتوقعون خيارات أكبر وأوسع، الأمر الذي يؤدي إلى إحداث تحول هائل في سلسلة التوريد.ومع ارتفاع معدل الاستهلاك في الدول النامية وزيادة الطلب على المزيد من السلع والمنتجات المتنوعة في الدول المتقدمة، تحظى الشركات الصناعية العالمية بفرص جديدة لنمو أعمالها والمساعدة على مواجهة وحل المشكلات العالمية الملحة مثل الأمن الغذائي وتغير المناخ، فيما لن تتمكن الشركات الصناعية من حل هذه المشكلات إلا بالتبني الناجح لتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، أما التقنيات العشر التي سيكون لها دور واضح في تغيير مسار الثورة الصناعية الرابعة فهي:

1. إنترنت الأشياء
تعتبر تقنيات «إنترنت الأشياء» أهم العوامل التي تدفع باتجاه مصانع المستقبل، حيث تربط هذه التقنيات الموارد البشرية والعمليات والبيانات من خلال أجهزة استشعار ومجسات ذكية، ويتم نقل البيانات عبر شبكة الإنترنت دون الحاجة إلى تفاعل بشري، وتشهد تطبيقات «إنترنت الأشياء» انتشاراً في مجالات عدة.
في قطاع صناعة الطيران، تقوم المجسات بجمع وتحليل البيانات الصناعية لكشف الخلل في عمليات الإنتاج بشكل فوري، مما يحسن جودة المنتجات النهائية ويقلل من التكاليف، وفي المدن، تقوم تقنيات «إنترنت الأشياء» بتقليص الازدحام من خلال إدارة أفضل للمرور، وفي المنازل، تقلص هذه التطبيقات الهدر في استهلاك الطاقة، وفي المزارع، تضمن «إنترنت الأشياء» إنتاج محاصيل أعلى جودة. أما في المستشفيات، فإنها تعمل على تمكين الأطباء من تتبع تحسن حالة مرضاهم من خلال البيانات الفورية التي توفرها لهم أجهزة المراقبة الطبية القابلة للارتداء، ما يبشر بعصر جديد من الرعاية الصحية الشخصية.

2. المعدات الروبوتية
أصبح من السهل على العمال التفاعل مع الآلات والتعاون معها للقيام في عمليات الإنتاج، حيث تقوم المعدات الروبوتية بتنفيذ مهام معقدة أو شاقة بالنيابة عن العمال، ويساهم ظهور الروبوتات التعاونية في إحداث تغييرات جذرية في عمليات التصنيع، حيث يحقق أكبر تناسق في العمليات بين الكوادر البشرية والروبوتات، وعلى أرض المصنع، تقوم الأذرع الروبوتية بمساعدة العمال على تلقيم آلات الإنتاج، فيما تقوم الشاحنات الروبوتية بإعادة تخزين المواد على الأرفف، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية ويمكن الكوادر البشرية من استغلال طاقاتهم في مهام أخرى ذات قيمة مضافة أعلى.

3. الواقع المعزز
يساعد الواقع المعزز العمال على تلقي تعليمات الإنتاج عبر نظارات خاصة على شكل نصوص أو رسوم جرافيكس أو أصوات تمكنهم من أداء مهام معقدة بسهولة كبيرة، فعلى سبيل المثال لم يعد الفنيون في شركة «لوكهيد مارتن» بحاجة إلى سنوات من التدريب قبل تجميع طائرة «إف-35»، حيث يستطيع الفنيون ارتداء نظارات الواقع المعزز التي تستخدم كاميرات ومجسات ذكية لرؤية كافة التعليمات اللازمة لتجميع أجزاء الطائرة، من حيث أسماء الأجزاء، وأرقامها، والمعدات اللازمة لتجميعها وطرق التجميع، مما ساهم في إنجاز مهمة تجميع هذه الطائرات بدقة وكفاءة لا تضاهى.

4. الطباعة ثلاثية الأبعاد
بدأت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد أو التصنيع، بالإضافة إلى الانتشار بسرعة كبيرة على المستوى العالمي كوسيلة معتمدة للصناعة، حيث يمكن من خلالها تصميم المنتجات، واختبارها، وبناء نماذج أولية لها، وتصنيعها بشكلها النهائي بسرعة ومرونة كبيرتين، مما يساهم في سرعة وصول المنتجات إلى الأسواق.
ودخلت تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى العديد من القطاعات، حيث تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد لطباعة أعضاء بديلة من خلايا المريض نفسه، ما يقلل الفترة الزمنية التي يتعين على المرضى قضاؤها في انتظار متبرعين بالأعضاء، ويقلل من آثار رفض الجسم للأعضاء البديلة، وفي قطاع صناعة السيارات، يستخدم المهندسون الطباعة ثلاثية الأبعاد لتوفير الوقت في تصميم النماذج الأولية لأجزاء السيارات.
ويعد «مكتب المستقبل» في دبي أول مكتب في العالم مطبوع بالكامل بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. وفي أبوظبي، أبرمت شركتا «سيمنس» و«ستراتا للتصنيع» شراكة للتعاون من خلال أحد المشاريع التجريبية لتصنيع الأجزاء الداخلية لطائرات شركة «الاتحاد للطيران» باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.

5. القواعد التنظيمية
في الوقت الذي تشتد فيه القواعد التنظيمية الصناعية والحكومية وتتحسن التكنولوجيا، ترتفع معها التوقعات من أجل الحصول على منتجات عالية الجودة، وعلى سبيل المثال في مجال النقل ذاتي القيادة، تتطلب المسؤولية في حال وقوع حادث كان المتسبب فيه سيارة من دون سائق توضيحاً من الناحية القانونية، وفي خدمات البث، تقوم المنصات الرقمية بالتحايل والالتفاف على القانون في توصيل الكيبل والذي غالباً ما يحتاج إلى ترخيص بالمشاهدة أو اشتراك، وتقوم خدمات حجز سيارات الأجرة مثل «كريم» و«أوبر» عبر تطبيق على الهواتف الذكية بإحداث تغيير جذري في خدمات التاكسي التقليدية، وبالتالي فإنه من الأهمية بمكان ألا تكبت اللوائح والقوانين التنظيمية الحكومية الابتكار وتقضي عليه، بينما يتعين في الوقت ذاته تطبيق إطار العمل اللازم من الرقابة المتوازنة.

6. التصنيع الذكي
تسعى الكثير من المصانع للتحول إلى التصنيع الذكي عبر استخدام الأتمتة وتحليل البيانات الضخمة، ويبدو أن القدرة على المنافسة في القطاع الصناعي ستعتمد اعتماداً كلياً على امتلاك الشركات للأنظمة التي تمكنها من تحليل البيانات الضخمة والاستفادة منها في تطوير عملياتها الصناعية، ويساهم توظيف تقنيات التصنيع الذكي في العمليات الصناعية الشركات على التحكم في الطاقة ورفع مستوى الإنتاجية وتقليص النفقات من خلال الرقابة الفورية، وتوزيع الكوادر البشرية على الوظائف ذات القيمة المضافة، واكتشاف الخلل والتعامل معه بسرعة لتقليص زمن انقطاع العمل، وتنظيم انسيابية العمليات من خلال بناء نماذج محاكاة متطورة.

7. الصناعة القائمة على التكنولوجيا
يساعد القطاع الصناعي القائم على التكنولوجيا أو الثورة الصناعية الرابعة على ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتمكين الدول من إعادة بناء اقتصاداتها، واكتشاف علاجات جديدة للأمراض المستعصية، والتعامل مع نقص المياه والغذاء، وتوفير وظائف جديدة في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد العالمي، ويتوجب على الحكومات وصناع القرار توفير التشريعات والقوانين التي تساهم في تشجيع الاستثمار في بناء المهارات، واعتماد السياسات الضريبية المنشطة للقطاع الصناعي، ودفع عجلة الأبحاث والتطوير، وتوفير الحوافز للمصنعي، كما يمكن استخدام التقنيات الرقمية لمعالجة التحديات العالمية وتحفيز النمو الصناعي المستدام.

8. سوق تقنيات الإنترنت الصناعية
يشهد سوق تقنيات الإنترنت الصناعية العالمي نمواً غير مسبوق، حيث تتوقع شركة «جنرال إلكتريك» أن تصل قيمته إلى 225 مليار دولار بحلول عام 2020، وتنتج تقنيات «جنرال إلكتريك» المستخدمة في الكثير من المعدات مثل توربينات الرياح وأنظمة التصوير الطبية ووحدات الإضاءة والأجهزة المنزلية ومحركات الطائرات والقاطرات بإنتاج كميات ضخمة من البيانات التي تستخدم البرمجيات المتطورة في تحليلها لتحسين مدة تشغيل هذه المعدات وتقليص النفقات.

9. المدن الذكية
تدرك الجهات الحكومية التي ترغب في تطوير خدماتها وتحقيق أعلى مستوى من التواصل مع مواطنيها، كما هو الحال في دولة الإمارات، أهمية تطبيقات «المدن الذكية» التي تمكنها من توفير الخدمات العامة للمواطنين بما يحقق لهم أعلى مستويات الخدمة والسعادة، وتهدف إمارة دبي أن تقوم بإنشاء 25% من مبانيها باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد بحلول العام 2025، كما تهدف إلى أن تبلغ نسبة الرحلات التي تتم بمركبات ذاتية القيادة 25% من مجموع رحلات التنقل التي تشهدها الإمارة بحلول العام 2030، وتسعى الحكومات والشركات العالمية إلى استكشاف أفضل السبل التي يمكن للتكنولوجيا من خلالها أن تساعد المدن على إدارة خدماتها بشكل أكثر كفاءة والمساعدة في توفير الوقت والنفقات على المواطنين، حيث تتطلع هذه الجهات إلى استخدام البيانات لتقليص الازدحام المروري وزمن الرحلات، وتعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات العامة بسهولة ويسر.

10. الحوسبة السحابية
لطالما اعتمدت الحوسبة التقليدية على حضور البيانات والبرامج والتطبيقات التي يحتاجها المستخدم على أجهزته الخاصة، ومع انتشار تقنيات «الحوسبة السحابية»، لم يعد المستخدم مضطراً إلى تخزين أي من بياناته على أجهزته الخاصة، ولم يعد محتاجاً أيضاً إلى برامج متنوعة أو معقدة، حيث تخزن كل البرامج والملفات والبيانات على ما يعرف ببنوك البيانات التي تستخدم تطبيقات الحوسبة السحابية لضمان أمن المعلومات وسلامتها.