صحيفة الاتحاد

اليوم الوطني

المجلس الوطني الاتحادي نموذج للمشاركة الشعبية في التنمية وصنع القرار

إبراهيم سليم (أبوظبي)

واكب المجلس الوطني الاتحادي منذ تأسيسه في فبراير عام 1972، مسيرة البناء والتطور والنهضة الشاملة المتوازنة التي تشهدها الدولة، في ظل الدعم اللامحدود من قبل القيادة الحكيمة ومشاركة المواطنين في عملية صنع القرار، ليواصل دوره الوطني في ممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية والسياسية، وفي تعزيز دبلوماسيته البرلمانية والتواصل مع شعوب وبرلمانات العالم.
وتزامن تأسيس المجلس الوطني الاتحادي مع انطلاق تجربة الاتحاد على أيدي مؤسسين، قدموا من وقتهم وجهدهم الكثير لإنجاح هذه التجربة، وساهموا في تأسيس علاقة متميزة بين مختلف السلطات، لتمثل التجربة السياسية بمضامينها وآلياتها والرؤية التي توجهها نموذجاً في دعم القيادة ومشاركة المواطنين في عملية صنع القرار، منذ أن حدد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في خطاب افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الأول للمجلس في 12 فبراير 1972م مهام المجلس ودوره بقوله: «إن جماهير الشعب في كل موقع تشارك في صنع الحياة على تراب هذه الأرض الطيبة، وفي بناء مستقبل باهر ومشرق وزاهر لنا، وللأجيال الصاعدة من أبنائنا وأحفادنا».
وساهم المجلس على مدى أكثر من أربعة عقود من خلال ممارسة اختصاصاته الدستورية في تطوير المنظومة التشريعية التي طالت جميع القطاعات، وتبنى التوصيات من خلال مناقشة مختلف القضايا الوطنية، فقد أقر المجلس على مدى «571» جلسة عقدها خلال ستة عشر فصلاً تشريعياً «602» مشروع قانون، وناقش «311» موضوعاً عاماً تبنى بشأنها توصياته، ووجه «760 سؤالاً إلى ممثلي الحكومة، وأصدر «75» بياناً.
وحظي المجلس الوطني الاتحادي إحدى السلطات الدستورية الخمس باهتمام ودعم لا محدود من قبل المغفور له القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، وذلك تجسيداً لنهج الشورى وبلورة لقناعته بأهمية مشاركة المواطنين في قيادة العمل الوطني وتحمل مسؤولياتهم، وكان يعتبر المجلس إحدى المؤسسات الاتحادية التي من خلالها تترسخ وتتجسد المشاركة السياسية للمواطنين والمساهمة في عملية البناء وفي مسيرة التنمية.
والشورى نهج ارتضاه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ اللحظات الأولى التي تسلم بها مقاليد الحكم وطبقه في إدارة البلاد، ووضع نصب عينيه تلمس احتياجات المواطنين، وكانت أحد أهم الركائز الأساسية التي اهتم بها، وكان يتابع باهتمام أعمال المجلس الوطني الاتحادي، والذي كان يرى فيه وجه الأمة، ويسمع من خلاله نبضها، ويتعرف إلى فكر ورأي أبناء وطنه، ويقف على وجهات نظرهم، والآراء التي تدور في فكرهم وعلى لسانهم.
وشكل خطاب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لافتتاح أول فصل تشريعي، محطة بارزة في مسيرة عمل المجلس وفي طبيعة الدور والمهام والنشاط الذي سيقوم به لتحقيق المشاركة الأساسية في عملية البناء والمشاركة في مسيرة التنمية وفي بناء مستقبل مشرق وزاهر لشعب الإمارات، حيث خاطب المغفور له الشيخ زايد أعضاء المجلس قائلاً: «إخواني الأعضاء المحترمين في هذه اللحظات التاريخية الحاسمة التي يجتمع فيها مجلسكم الموقر، فإن جماهير الشعب على هذه الأرض الطيبة المؤمنة بربها وبوطنها وبتراثها، تتطلع إليكم واثقة من أنكم بعون الله ستشاركون في تحقيق آمالها في العزة والمنعة والتقدم والرفاهية».

نهج الآباء المؤسسين
ويواصل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، نهج الآباء المؤسسين في تعزيز مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار، فقد أعلن سموه في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الرابع والثلاثين في الثاني من ديسمبر 2005م، «أن المرحلة القادمة من مسيرتنا وما تشهده المنطقة من تحولات وإصلاحات تتطلب تفعيلاً أكبر لدور المجلس الوطني الاتحادي وتمكينه ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية، وسنعمل على أن يكون مجلساً أكبر قدرة وفاعلية والتصاقاً بقضايا الوطن وهموم المواطنين، تترسّخ من خلاله قيم المشاركة الحقة ونهج الشورى من خلال مسار متدرج منتظم قررنا بدء تفعيل دور المجلس الوطني عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس لكل إمارة وتعيين النصف الآخر بادئين مسيرة تكلل بمزيد من المشاركة والتفاعل من أبناء الوطن».
وحظي المجلس الوطني الاتحادي في عهد سموه بكل الدعم والتوجيه، تفعيلاً لدوره ولتمكينه من ممارسة اختصاصاته، ترجمة للبرنامج السياسي الذي أطلقه سموه، فتم تنظيم انتخابات لنصف أعضاء المجلس خلال الأعوام 2006م و2011 و2015م وزيادة أعدد الهيئات الانتخابية، وإجراء تعديل دستوري رقم« 1»لسنة 2009م، ومشاركة المرأة ناخبة وعضوة.

مشاركة المواطنين
ويؤكد زيادة أعداد الهيئات الانتخابية حرص القيادة الحكيمة على تعزيز مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار، وتطوير مسيرة المشاركة والعمل البرلماني في الإمارات، التي كانت على الدوام مسيرة واعية نابعة من خصوصية مجتمع الإمارات وظروفه واحتياجاته، وأن هذه التجربة استطاعت أن تعطي نموذجاً خاصاً في الممارسة الديمقراطية من دلائله الواضحة المشاركة الواسعة للمرأة في عضوية المجلس بنسبة بلغت 22 في المائة والتي تعد من النسب العالية عالمياً، ولأهمية دورها في مناقشات المجلس، حيث كان لمشاركتها في الحياة البرلمانية مضمون حقيقي وبعد فعلي.
وساهمت التعديلات الدستورية لسنة 2009م في تمكين المجلس الوطني الاتحادي من ممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية والسياسية، والتي شملت تعديل المادتين 72 و78 من الدستور اللتين أتاحتا تمديد مدة عضوية المجلس من عامين إلى أربعة أعوام، وتمديد دور الانعقاد إلى مدة لا تقل عن سبعة أشهر، وذلك ابتداء من الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر من كل عام، كما تم تعديل المادة 85 من الدستور لإعطاء المجلس سلطة أكبر في ما يتعلق بلائحته الداخلية، وتم تعديل المادة 91 من الدستور والمتعلقة بالاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها الدولة.

تطوير الممارسة البرلمانية
وأشاد المجلس الوطني الاتحادي بقرار صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، رقم 1 لسنة 2016 بإصدار اللائحة الداخلية للمجلس الوطني الاتحادي، الأمر الذي سيسهم في تمكين المجلس من ممارسة اختصاصاته الدستورية، حيث تضمنت اللائحة الجديدة عددا من التعديلات المتعلقة بأعمال اللجان ومسمياتها واختصاصاتها بشكل دقيق، واختصاصات أجهزة المجلس وتطوير الممارسة البرلمانية خاصة في الجانب التشريعي، فضلاً عن تطوير الدبلوماسية البرلمانية بوضع مادة تتعلق بإنشاء الشعبة البرلمانية.
ونص قرار صاحب السمو رئيس الدولة على أنه يلغى المرسوم الاتحادي رقم 97 لسنة 1977م، باللائحة الداخلية للمجلس الوطني الاتحادي، وينشر القرار في الجريد الرسمية، ويعمل به من تاريخ صدوره، هذا وقد صدرت أول لائحة داخلية للمجلس بتاريخ 2 مايو 1972 بمرسوم واستمر العمل بها إلى أن ألغيت، وصدرت لائحة جديدة حلت محلها بالمرسوم الاتحادي رقم (97) لسنة 1977.
ونظم المجلس الوطني الاتحادي الملتقى التشاوري الثاني بهدف مناقشة كافة المقترحات الهادفة إلى تطوير آليات العمل البرلماني وتحديد الأولويات واستشراف المستقبل بما يمكن المجلس من ممارسة اختصاصاته الدستورية والمساهمة في مسيرة التنمية الشاملة المتوازنة، الأمر الذي يعد استكمالاً للملتقى التشاوري الأول الذي عقد مع بداية الفصل التشريعي السادس عشر عام 2016 ويعد الأول من نوعه على مستوى العمل البرلماني في الدولة والمنطقة، وجرى خلاله مناقشة وضع أول استراتيجية برلمانية للمجلس للأعوام 2016-2021 في إطار الاتجاهات الاستراتيجية الخمسة وهي: التشريعية والرقابية والدبلوماسية البرلمانية والمشاركة والتواصل المجتمعي وتمكين الأمانة العامة للمجلس.
وأقر المجلس الوطني الاتحادي على مدى دوري انعقاد عقدهما خلال الفصل التشريعي السادس عشر الذي بدأ بتاريخ 18 نوفمبر 2015 (32) مشروع قانون بعد أن عدل واستحدث عددا من موادها وبنودها، وحرص المجلس على جدولة جلساته لمناقشة أكبر قدر من مشروعات القوانين والقضايا التي تهم الوطن والمواطنين، وذلك تنفيذاً للاستراتيجية البرلمانية للأعوام 2016 -2021 التي تعد نموذجا للعمل البرلماني المتوازن الحكيم الذي يقدم كل ما هو أفضل لإسعاد شعب الإمارات ودعم توجهات القيادة الحكيمة في تحقيق مصلحة الوطن والمواطن وتعزيز مكانة الدولة عالمياً.

توصيات
وتبنى المجلس خلال الفصل التشريعي السادس عشر 123 توصية خلال مناقشة عشرة موضوعات عامة، تناولت قطاعات التربية والتعليم والبحث العلمي والتعليم العالي والبيئة والعدل والنقل والخدمات المقدمة للمتعاملين، كما وجه 102 سؤال إلى ممثلي الحكومة تناولت مختلف القطاعات.
ويجسد مناقشة المجلس لعدد من الموضوعات وتوجيه الأسئلة التي لها علاقة بالصحة ووقاية المجتمع، وحماية المجتمع من المواد المخدرة، وتنظيم قطاع الاتصالات، والبحث العلمي والتربية والتعليم والصحة والإسكان والمواصفات والمقاييس، وتوفير أفضل الخدمات للمواطنين والمعاشات والإسكان والشؤون الاجتماعية والمرأة والشباب، حرصت على ترجمة رؤية القيادة وتطلعات المواطنين، في المساهمة في تعزيز ريادة دولة الإمارات في تطوير الخدمات التي تقدمها للشعب في شتى القطاعات وسعيها الحثيث إلى تحقيق السعادة للشعب عبر تطبيق أفضل الممارسات العالمية في الإدارة والتخطيط والكفاءة المالية في الإنفاق، واعتماد الإبداع والتخطيط واستشراف المستقبل طريقاً ومنهجاً لها، واستغلال الموارد وطاقات الشباب وبناء الأجيال الصالحة من خلال العمل الحكومي المخطط والمبتكر.
وبلغ عدد نشاطات لجان المجلس الوطني الاتحادي الدائمة والمؤقتة على مدى دوري انعقاد، ما يقارب من 255 نشاطاً استغرقت نحو 574 ساعة، في إطار عملها الخاص بمناقشة مشروعات القوانين والموضوعات العامة وإعداد تقاريرها بشأنها وتضمينها لأهم التوصيات ورفعها للمجلس لمناقشتها تحت القبة بحضور ممثلي الحكومة، ونظمت لإنجاز أعمالها على الوجه الأفضل ثلاث حلقات نقاشية، وقامت بعدد من الزيارات الميدانية، كما تواصلت مع مختلف المؤسسات والقطاعات الحكومية والأهلية وذوي الخبرة والاختصاص، للوقوف عن قرب، على حقيقة القضايا وتفحص المشكلات، والاستماع لآراء ومقترحات المواطنين وكل الجهات المعنية، وكذلك الجمعيات المختصة، بشأن ما تناقشه من مشروعات قوانين، وموضوعات عامة وشكاوى.

الشعبة البرلمانية
وحققت الشعبة البرلمانية الإماراتية للمجلس الوطني الاتحادي عبر ممارستها لأرقى معايير الدبلوماسية البرلمانية التي تواكب خلالها سياسة الدولة الخارجية، من خلال مشاركتها في 150 نشاطا على مستوى الاتحادات الإقليمية والدولية والزيارات البرلمانية والمؤتمرات المتخصصة، العديد من النتائج الإيجابية من أبرزها: التعبير عن مواقف الدولة إزاء مختلف الأحداث والقضايا الوطنية والإقليمية والدولية، وتعزيز علاقات الأخوة والتعاون والتواصل مع دول وبرلمانات وشعوب العالم في المجالات كافة لا سيما البرلمانية منها، وتفعيل أجهزة المؤسسات البرلمانية في مختلف مجالات عملها ومعالجة مختلف القضايا التي طُرحت على جداول أعمالها، الأمر الذي يعكس دور المجلس المتنامي في أعمال ومشاريع الاتحادات والمؤتمرات البرلمانية وإدراكه لأهمية ما تضطلع به المؤسسات البرلمانية من مسؤولية وما تقوم به من نشاط وما تمتلكه من آليات عمل.

التواصل مع المواطنين
يعد التواصل مع المواطنين ومختلف فعاليات المجتمع وإشراكهم في صنع القرار من أولويات عمل المجلس الوطني الاتحادي، إدراكاً منه بأهمية الدور الذي يضطلع به المواطنون في المساهمة في مسيرة التنمية الشاملة المستدامة والمتوازنة، ويحرص المجلس باستمرار على تطوير أدوات تواصله مع المواطنين في مواقعهم من خلال الزيارات الميدانية التي تشمل مقار بعض الوزارات والمؤسسات الاتحادية في مختلف أرجاء الدولة، ومواصلة عقد الحلقات النقاشية ودعوة ممثلي مختلف المؤسسات الحكومية والمجتمعية وجمعيات النفع العام وأصحاب الرأي وذوي الخبرة والاختصاص، للاستنارة بأفكارهم وآرائهم ومقترحاتهم حول الموضوعات التي يتبناها المجلس، ويناقشها للتوصل إلى القرارات المناسبة في شأنها، بالإضافة إلى تطوير وتعزيز كافة قنوات التواصل الأخرى المتاحة.
ويحرص المجلس على دعوة ممثلي مختلف المؤسسات الرسمية والتعليمية والثقافية، وغيرها لحضور جلسات المجلس، وخاصة طلبة المدارس والجامعات لأنهم قادة المستقبل. كما يسعى المجلس بشكل دؤوب إلى استثمار المناسبات الوطنية المتجددة لتعزيز تفاعله وتواصله مع المواطنين، ويرحب بأي مقترحات أو آراء من المواطنين والجمهور بما فيه المختصون والمعنيون للاسترشاد بآرائهم لدى مناقشة أي موضوعات.