صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تحوّلات بيروت

بيروت القديمة

بيروت القديمة

ثناء عطوي

المدن القديمة ووسطها، حيث عُمق الأشياء وأصلها، المدن التي نجدُها أينما ذهبنا، في باريس، ولندن، وبراغ، وبولونيا، وفلسطين، وسوريا، والعراق وغيرها. مدنٌ تقترضُ تفاصيل الحياة من بعضِها بعضاً، ترتبطُ مع سكّانها بعلاقة تجاذبية، تتطوّر بعفويّة، وتتفاعل مع احتياجات ناسها الاجتماعية، مدنٌ أثّث ناسها حيواتهم بروحٍ جمعية، توارثوا أنماط العيش، والطبائع، والعادات، واللهو، والطهو. مدنٌ شُيّدت عمارات لها وحدها، وليس لأماكن أخرى، للجماعات التي تسكنها، وليس لجماعات بديلة.
تلك المدن نجدها أينما كنّا، لكننا لا نعثرُ على أثرٍ لها في بيروت، المدينة التي كانت تتغنّى بوسطها التقليدي، بأسواقها وساحاتها ومسارحها ومراكز الثقافة والفن فيها. ذلك المحو المتعمّد لمدينة، لأحياء كاملة، لوسط قديم حامل للثقافة والذاكرة وخرائط العمران، هو ما ينشغل به ثمانية فنانين ومهندسين لبنانيين في معرضهم الجماعي «مؤقّت: تحوّلات بيروت 1870 - 2052»، المعرض الذي يُجمع فيه الفنانون على رفضهم لاغتيال مدينة، واقتلاع أهلها، وطرد الفقراء منها، واستبدالها بأخرى، هجينة وغريبة، مُسيّجة بالوهم والفراغ.
عندما تقعُ الحروب والنزاعات وتستمرّ لسنوات، فإنها تُنتج مُجتمعات مشوّهة من النواحي كلّها، وخصوصاً العمرانية منها، وهذا ما حصل خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرّت منذ العام 1975 وحتى 1990، وتركّزت المعارك خلالها في وسط بيروت، الذي أصبح بين ليلة وضحاها، خطوط تماس فاصلة بين البيروتين: الشرقية التي تمثّل الطائفة المسيحية، والغربية حيث يعيش السكان المسلمون.

الأبنية الشواهد
وقفت أبنية بيروت كشواهد على الحرب التي وقعت قبل ثلاثين عاماً، تعاملت خُطط الإصلاح والترميم مع معظمها، وما تبقّى منها اندمج إلى حدّ كبير بنسيج المدينة ومعالمها. لكن الطبقة السياسية التي جاءت مع انتهاء الحرب الأهلية، حملت معها خططاً إعمارية مختلفة لوسط المدينة. إذ رأت فيها استثماراً هائلاً في حال دمجها بالعمارة المُعولمة، ومشاريع استثمارية تدرّ ملايين الدولارات على فئة محدّدة من الطبقة السياسية في البلاد، وذلك على قاعدة تغيير الهوية الثقافية والمجتمعية، تجانساً مع رأس المال. هكذا نزعوا البعد الإنساني عن قلب بيروت العريق، وألبسوها قناعاً يناسب طموحاتهم الاستثمارية، غرّبوا أهلها وقطعوا صلتها بماضيها وجعلوها حكراً على الشركات وأصحاب المشاريع. من هنا، يأتي المعرض ليروي من خلال الصور الفوتوغرافية والأرقام، ومن خلال المجسّمات الحديدية واللوحات التشكيلية، حقائق علمية مذهلة، عن زوال 60 بالمئة من المدينة بالكامل، وهو ما أكّده المهندس أنطوان عطالله، الذي صمّم صورتين بانوراميتين لبيروت، وثّق فيهما الأبنية التي تمّت إزالتها من قبل سوليدير، منذ سنة 1952 وحتى اليوم.
مدّد عطالله جسد المدينة على طاولة مستطيلة بشكل بانورامي، حيث تَظهر البيوت التي اختفت برداء أبيض، والأخرى الباقية من بيروت القديمة بالرمادي والأسود. هي تحوّلات دراماتيكية كما يقول عطالله، إذ كان هناك بعد الحرب 80 بالمئة من الأبنية التي يمكن ترميمها ولم نفعل، وهناك أحياء كاملة اختفت في بيروت مثل حي «غلغول» القديم في وسط المدينة. لقد بقي من أبنية الوسط مبنى واحد فقط لم يُرمم، هو مبنى المسرح، ومبنى مجلس الشورى أيضاً، وذلك لأن الثقافة لا تدرّ أموالاً. فضلاً عن ذلك، لا وجود لأي مبنى ثقافي أعيد ترميمه، ولم يُنجز أي مشروع ثقافي في وسط المدينة. «سوليدير» وحدها هي التي تقرّر ماذا ينبغي أن نبني ولماذا، وكلّها مبانٍ تجارية ونفعية. و»سوليدير» تتذرّع بأنه لم يكن لديها خيارات أو حلول أخرى، وأن الحلّ هو أن تقوم شركة واحدة ببناء مدينة كاملة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، إذ نرى مدناً دُمّرت خلال الحرب العالمية الثانية كلّياً، مثل فرصوفيا أو وارسو عاصمة بولونيا حالياً، حيث دمّر النازيون 90 بالمئة منها بالكامل، ولم يكن هناك بقايا منها وإنما ركام فقط، وعلى الرغم من ذلك أعادوا بناءها تدريجياً، لا بل بُنيت بطريقة مذهلة، وأُدرجت لاحقاً على لائحة التراث العالمي. هناك مدن كثيرة في العالم تغيّرت لكنها لم تصبح مدناً أخرى بالكامل، ونحن نعمل منذ 25 سنة على إعادة بناء مدينتنا، وحتى اليوم المشروع غير مكتمل بعد.

معرض تذكيري
يرى عطالله أن المعرض اليوم هو ضرورة لإعادة فتح النقاش حول الموضوع، وتذكير اللبنانيين بما يعنيه وسط مدينة، هذا الوسط الذي كان ملتقى لجميع اللبنانيين في الماضي، بينما هو اليوم محصور بفئة محدّدة، لا نرى فيه إلّا أبنية شاهقة وفارغة، حواجز وأسيجة أمنية، لا أنشطة ولا مبادرات فردية، لا روابط بين الشوارع والأبنية، وكأنّ كل ما فيه بُني على أنقاض حيوات الآخرين.
و«سوليدير» هي الشركة اللبنانية التي تولّت إعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، وهي شركة عقارية أنشأتها الحكومة اللبنانية سنة 1994 بهدف إعمار الوسط التجاري للمدينة، والذي يُعرف بـ«داون تاون» بيروت. ومعروفٌ أنها منطقة غنيّة بالمواقع الأثرية، وتقع ضمنها ساحة الشهداء التاريخية، والسراي الحكومي، ومبنى مجلس النواب اللبناني، ومرفأ بيروت، كما تتواجد فيها مؤسّسات مالية وتجارية وإدارية.
لقد اعتاد اللبنانيون حضور تلك الأمكنة من دون أن يقطعوا مع ماضيها، والجيل الجديد ألِفها دون أن ينسى وجود مدينة أخرى يتردّد صداها على ألسنة أهلها حتى اليوم. هذا ما يقوله الفنان عبدالله حاطوم، الذي يعمل على مشروع مُرافق لحالة اختفاء مدينة، من خلال مجسّمات فنّية آسرة مُصمّمة بالحديد لمنازل بيروتية عريقة لم تعد موجودة. يقول حاطوم «بيروت ليست بالنسبة لي إلّا تلك الأماكن التي أتذكّر المدينة بها، هو المشهد الذي كنت أراه كثيراً على طريق مدرستي، بيوت قديمة واسعة ذات سقوف عالية وقناطر، وكانت البيوت المهدّمة كثيرة أيضاً، ولم أكن أعرف السبب، وهو الحرب طبعاً. لقد أسّست هذه الأبنية لذاكرة جماعية، لا تزال لدينا نوستالجيا عالية نحوها. حاولت أن أجسّد ما أراه جمالي في هذه الأبنية، في مجسّمات صغيرة مُضاءة، وأن أروي قصص الناس التي تعيش بسرعة كبيرة، وتبني بسرعة كبيرة، وتموت بسرعة كبيرة أيضاً. هي مناسبة لنقول ماذا جرى في بيروت خلال مرحلة معيّنة من تاريخها، ونُظهر ماذا يعني العبث بالحيّز العام المديني. نرى اليوم وبعد نحو 30 سنة أن أحداً لا يتحدّث عن هذا الماضي، هناك متحف للحرب الأهلية فقط، وهو لا يُعبّر عن ذاكرة الحرب فعلياً، ولا يعبّر عنّا نحن الجيل الماضي والحالي».
أليكس بلدي فنان الغرافيكي اللبناني - السويسري، تخيّل مدينة بيروت المستقبل في سنة 2052 كما لو أن تسونامي الحرب لم يمرّ عليها أبداً. وقد بنى مشروعه على صورة بانورامية لبيروت القديمة في سنة 1952، التقطها ألفونس غارابيديان، المصوّر الهاوي في ذلك الحين، من أعلى مبنى اللعازارية في وسط بيروت، ومن غرفة المراقبة في مطار بيروت الدولي، وقد احتفظ بالنيغاتيف الأصلي، ومن ثم جرى تظهيره من جديد، وجُمعت أجزاء الصوّر في صورة بانورامية واحدة لبيروت كاملة. تتنوّع أساليب التعبير والنظر إلى بيروت، إذ نرى في رسومات الفنانة مها نصرالله، منطقة رأس بيروت التي تتميّز ببيوتها ومبانيها التراثية، والتي كانت مقرّاً لعائلات بيروتية عريقة، بيوت عاش فيها كُتّاب وفنّانون ومثقّفون وسياسيون. مئة لوحة تجسّد مئة منزل آيل للسقوط، كانت الفنانة تفتّش عن منزل تختاره تجلس أمامه وترسم تفاصيله بالأكواريل، وذلك على مدى عامٍ كامل. تقول نصر الله: حاولت أن أوثّق تلك البيوت قبل أن تتداعى وتختفي كلّياً، نحن نوثّق بالفن ما يمكن أن يحفظ لنا ذاكرتنا، بانتظار تحقيق الوعود بحماية هذه البيوت وإنقاذها. لقد رسمت مئة منزل مهدّد، وهناك أضعاف هذا العدد من البيوت التي تقع تحت لائحة الخطر في مناطق عدّة في الأشرفية، الحمرا، كليمنصو وغيرها، من دون وجود أي جهة تستوعب حاجات ملف الأبنية التراثية، الذي يتطلّب جهداً كبيراً وكوادر مختصّة. وهنا يستحضرنا قول للكاتب الفرنسي لامارتين الذي أقام سنة 1832 في أحد بيوت بيروت «لم يعط ِالله إنساناً أن يحلم بكل الجمال الذي صنعه، كنت أحلم بمشاهدة جنّة عدن، والآن يمكنني القول إنني شاهدتها». الحرب وتداعياتها، سيرة ملأتنا وجعاً وثقوباً، توقّفت الحرب قبل ثلاثين سنة، واختلفوا على بقاء البلد أو هدمه، وكلّ ما نعرفه أن البلد دخل في نفوذ «سوليدير» حينها، وهي أعطت من خلال خططها التجارية، معنى مختلفاً عن الأصل للمدينة. ساحة البرج، حرش الصنوبر، سوق النورية، سوق الصاغة، وتطول لائحة الأمكنة العامّة التي غابت عن بيروت الستينيات، بيروت في عصرها الذهبي، وإلى الأبد..

أسماء بيروت
مرت بيروت بالعديد من الكوارث من زلالزل وحروب على مر التاريخ، كان آخرها الحرب الأهلية اللبنانية المدمرة.
وبعد انتهاء الحرب سنة 1990. أول ذكر لاسم بيروت ورد بلفظ «بيروتا» في ألواح تل العمارنة. سماها الفنيقيون «بيريت»، أي الآبار.
وقيل إنها كانت تدعى «بيريتيس» أو «بيروتوس» أو «بيرُووَه» نسبة للآلهة «بيروت»، أعز آلهة لبنان وصاحبة أدونيس إله جبيل.
وعُرفت المدينة باسم «بيريتوس»، في الأدبيات الإغريقية.
واعتمد هذا الاسم في دوريات الآثار المنشورة في الجامعة الأميركية في بيروت منذ 1934.
وذكر أن «بيروت» بالمعنى السامي تعني «الصنوبر» لغابات الصنوبر، بسبب وقوعها بالقرب من غابة صنوبر كبيرة هي اليوم، ما يُعرف بحرش أو حرج بيروت.
ومن الأسماء الأخرى التي دعيت بها منطقة بيروت هو: «لاذقية كنعان»، «مستوطنة جوليا أغسطس بيريتوس السعيدة»، «دربي»، «رديدون»، «باروت».
ولقبت المدينة عبر العصور بالعديد من الألقاب منها: سماها الفينيقيون «بالمدينة الآلهة»، و«بيروت الأبيّة والمجيدة» لعنادها في مقارعة مدينة «صيدون»، و«زهرة الشرق»، وأطلق عليها الرومان «أم الشرائع» بسبب بناء أكبر معهد للقانون بالإمبراطورية فيها.
ونعتها العثمانيون «بالدرة الغالية». في العصر الحديث، خلدها نزار قباني بلقب «ست الدنيا». وعرفت أيضاً باسم «باريس الشرق» خلال فترة الستينيات، وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، أي خلال عهد الازدهار الاقتصادي في لبنان.