نجم والي لسنوات طويلة ظل البيت غير معروف بالنسبة للأغلبية من سكان بغداد، لكيلا نتحدث عن سكان المدن الأخرى في العراق، حتى بالنسبة لي أنا، وكان يجب أن آتي للدراسة في جامعة بغداد، في بداية سنوات السبعينيات، لكي أعرف بوجوده. من يرى البيت الذي لم أطلق عليه عبثاً ذات يوم «بيت الأحلام»، لابد وأن يفكر بعبقرية (الأسطى) الذي تفنن في بنائه قبل قرابة مئة عام، كان زمن الأسطوات (قبل أن يبدأ لاحقاً زمن المعماري والمهندسين)، وكان تفننهم الفطري أقرب للخيال منه للواقع. الأسطى سيد كاظم ابن عارف، الأوسطى البغدادي، أحد الأسطوات المشهورين، هو أحد هؤلاء الفنانين. تصميم البيت وقوته الشاخصة حتى اليوم، رغم ما تعرض له من تحوير، دليل على مهارة هذا الأسطى الذي بنى بيتاً فخماً من هذا الطراز، لكن الأنيق في نفس الوقت. حسّ فطري كل شيء في البيت جميل، شكل الأقواس، أبواب الغرف، درابزون السطح، الشبابيك الخشبية، الشرفة العريضة الواسعة المساحة التي تطل على شاطئ دجلة، كأن اليد التي وضعت لبنة على لبنة في هذا المكان المنزوي قليلاً عن شارع الرشيد في قلب بغداد، مسّدت عليه أو نحتت حجارته أو لبخت طابوقه بحنان. عرفت أنها لا تبني بيتاً كبيراً لرجل ينتمي لأسرة بغدادية عريقة عرفت بالثروة والتجارة، إنما تبني مكاناً يليق بالأحلام. كأن الأسطى البغدادي ذاك الذي لم يدرس في مدرسة أو كلية، عرف بحسه الفطري، أن البيت هذا لابد أن يكون واسعاً بسعة أحلام الرجل الذي سيسكنه، لابد أن يحوي على غرف وطوابق عديدة بعدد أحلام الرجل الذي سينام ويصحو فيه، بل وكأنه حدس أيضاً، أن البيت سيظل في مكانه هناك على شاطئ نهر دجلة في مركز بغداد، لن يكون شاهداً على حكومات تعاقبت لم تنجح بمحيّ البيت من ذاكرة التاريخ وحسب، بل أكثر من ذلك شاهداً أحلام أسطوات رحلوا، وأحلام أسطوات آخرين قادمين، أحلاماً كبيرة لا تسع حدودها بغداد. طوال سنوات إقامتي في بغداد، وحتى خروجي من العراق باتجاه المنفى ألمانيا في 28 أكتوبر 1980، كنت أمنّي النفس بدخول البيت، وكان أكثر ما لفت نظري في البيت ذي الطابقين في حينه، هي القصص التي دارت حول مكتبته الشخصية الفخمة. قيل إن كتبه احتلت أغلب غرف البيت، وأنها أكبر مكتبة شخصية عرفتها بغداد. كتب بمختلف اللغات، باللغات العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية، كل اللغات التي أجاد القراءة والكتابة بها. للأسف ضاعت أغلب الكتب هذه بعد استيلاء الحكومة البعثية على المكتبة عام 1970 في موجة إعدام اليهود ومعارضيها، قيل إنها أودعتها مكتبة المتحف العراقي، لكنني شخصياً لم أعثر عليها في كل زياراتي للمتحف. لم يثر البيت فضولي أنا وحدي، كان حديث العديد منا، الذين بدأوا للتو يتلمسون خطواتهم الأولى في مجال الأدب أو الفن، خاصة أولئك القادمين من مدن غير بغداد. كان بيتاً فخماً على شاطئ دجلة وكان لافتاً للنظر، ومن أجل معاينته (لأن الدخول إليه لم يكن مسموحاً آنذاك) بشكل جيد كان لابد من الالتفاف عليه من جهة النهر. كنا نحتال للسباحة في النهر أو الجلوس عند الشاطئ، ولا أتذكر أن أحدنا غامر بالدخول إليه. مالك وشبهات أتذكر أيضاً أن أحدنا إذا أراد لفظ اسم صاحبه الأصلي، كان عليه أن يقول ذلك بصوت أقرب للهمس، إن لم يتحدث عن البيت دون ذكر الاسم. أتحدث هنا عن أعوام 1973 وبعدها، كانت السلطة البعثية قد أعدمت قبل ثلاث سنوات من ذلك التاريخ مواطنين يهود وشيعة، بحجة التجسس لإسرائيل، وكان لفط اسم يهودي في تلك الأيام يمكن أن يثير الشبهات، من غير المهم أن صاحب البيت الأصلي مات قبل سنوات طويلة، من غير المهم أن صاحب البيت الذي قضى سنواته الأخيرة هناك لا علاقة له بإسرائيل، وأنه مات في 31 باريس في أغسطس 1932، قبل تأسيس إسرائيل بستة عشر عاماً، بل من غير المهم، أن الرجل هذا عراقي حتى النخاع، ليس لأن الخاتون مسز غيرترود بيل، البريطانية التي رسمت العراق كما في خريطته الحالية، قالت عنه، «إنه أقدر رجل في مجلس الوزراء، إنه صلب قليلاً وينظر إلى الأمور من وجهه الحقوقي الدستوري دون أن يعطي اعتباراً كافياً لأحوال العراق المتأخرة، لكنه حر ونزيه إلى أبعد الحدود، وهو لايتمتع بالمقدرة الحقيقية فحسب، بل له خبرة واسعة، أو لأنه وضع الحجر الأساس للاقتصاد العراقي، وأرسى نظاماً مالياً وفق معايير دقيقة، أو لأنه كما تقول سجلات مفاوضات النفط مع الإنجليز هو مَنْ «أشار على المفاوض العراقي إضافة كلمة (ذهب) على جملة (أربعة شلنات) عند احتساب عوائد النفط لكي يضمن استقرار نسبة العوائد»، أو لأنه شغل منصب وزير المالية 5 مرات في فترة الحكم الملكي، كأن كل الحكومات أجمعت على كفاءته ونزاهته، أو ليس لأنه مات ولم يملك شركات وحسابات مالية سرية مسجلة باسمه، أو باسم أحد أفراد عائلته، بل أكثر من ذلك لأنه واحد من سياسيين عراقيين قليلين كلما تذكرهم الناس، قالوا، «الله يذكره بالخير»، كما سمعت على لسان جدي عشرات المرات. الوزير الحكيم إنه ساسون حسقيل، أول وزير مالية عراقي (27 تشرين الأول 1920 في حكومة عبدالرحمن النقيب)، أو ساسون أفندي، كما سماه العراقيون (البغاّدة بصورة خاصة) من مجايليه، الذي وُلد في بغداد في 17 مارس 1860، لأسرة يهودية بغدادية عريقة عرفت بالثروة والتجارة، وكان والده الحاخام حسقيل شلومو بن عزار من رجال الدين اليهود المعروفين في العراق. من ينسى ساسون حسقيل، المواطن العالمي، الذي درس عام 1877 في أسطنبول، ثم مضى إلى العاصمة النمساوية فيينا، ودرس في الأكاديمية القنصلية، وبعد تخرجه سافر إلى برلين ولندن، ثم عاد إلى إسطنبول، ونال إجازة الحقوق، وعاد في بداية عام 1920 إلى بغداد، ليُعينه الملك فيصل الأول أول وزير مالية عراقي في حكومة عبدالرحمن النقيب في مارس/‏‏ آذار 1921، نعم من ينسى ساسون أفندي الذي لم تستطع كل الحكومات المتعاقبة محوّ اسمه عن البيت، ناهيك عن تجرئها هدم البيت؟! البيت ظل مغلقاً سنوات طويلة. كانت السلطة البعثية حائرة ماذا تعمل به، أو ربما فكرت أن الناس ستنسى مع مرور السنوات اسم مالكه، خاصة بعد تركه مغلقاً لسنوات. فقط في أواسط سنوات الثمانينيات تحول البيت هذا إلى صالة للعروض المسرحية، لسنوات طويلة ظل اسم البيت يحمل اسم «بيت منتدى المسرح»، صالة لعرض المسرحيات التجريبية. بعد 9 أبريل 2003 ودخول المارينز لبغداد، تحول البيت إلى مقر لوحدات الجيش التي تحرس العقارات والبنوك في شارع الرشيد، رغم أن المسرحيين لم يتنازلوا عنه. في عام 2010 نجح السينمائيون الشباب بإقناع وزارة الثقافة التي تملك البيت رسمياً بتحويل نصف البيت على الأقل، نصفه الجميل المطل على شاطئ نهر دجلة إلى مركز سينمائي لهم، وافقت الوزارة، فيما بقي الجزء الأمامي ثكنة لنوم الجيش. إذن: الجيش بمواجهة أحلام شباب لا سلاح عندهم غير الكاميرا. معركة وزارات أية مفارقة: قبل ثلاثة أعوام استبشر الناس خيراً لتسلم امرأة منصب أمانة بغداد، ذكرى علوش، قيل إنها مهندسة معمارية، حريصة على تحسين صورة وجه بغداد. ها هي تمر ثلاث سنوات، لا مشروع وعدت به أمانة العاصمة تحقق ولا إنجاز كبير، باستثناء أن الأمانة فاجأتنا قبل عام بقرارها منح منزل مؤسس النظام المالي في العراق وأول وزير مالية في حكوماته ساسون حسقيل وسط بغداد إلى أحد المستثمرين بعد هدمه، وعدت المنزل «غير تراثي»، كما جاء على لسان مسؤول الإعلام في الأمانة حكيم عبدالزهرة في تصريح صحفي، وحسب قوله «المنزل شيّد قبل 100 عام في شارع الرشيد وسط بغداد ومنح لأحد المواطنين لاستثماره»، مؤكداً أن «الاستثمار جرى بشكل قانوني». ولأن العراق بلد العجائب، جاء الردّ على القرار هذه المرة من وزارة السياحة والآثار التي اتهمت أمانة العاصمة بـ«التجاوز على القانون» باستثمار منزل تراثي، وحسب تصريح رئيس قسم التحريات التراثية في دائرة الآثار والتراث التابعة لوزارة السياحة والآثار آنذاك، «هناك جدل بشأن قضية منزل أول وزير مالية في العراق ساسون حسقيل»، مستغرباً «من اعتبار المنزل غير تراثي من قبل أمانة بغداد». وعد رئيس القسم، هدم المنزل ومنحه لمستثمر «تجاوزاً من قبل أمانة العاصمة على القانون»، مؤكداً أن «المنزل يتكون من جزأين أحدهما يعود لوزير المالية والآخر لنجله البيرت ساسون حسقيل». العارفون في بواطن الأمور يقولون، إن الصراع بين أمانة العاصمة ووزارة السياحة والآثار، هو صراع على ثمن بيع البيت لاغير، ومن يريد إنقاذ البيت عليه التحرك خارج الدائرتين المتنافستين! هدم بيت ساسون حسقيل الذي نفّذته أمانة العاصمة بدم بارد، هو هدم لآخر صرح شاهد على مجتمع تعايشت فيه الأديان إلى جانب بعض، بدل أن تعمل من أجل الإبقاء على البيت، وجعله تحت حماية اليونسكو، أنها جريمة أخرى في العراق للانتهاء من رمز لحلم واحد من أحلامنا «الموءودة» بالسلام هناك... هذه المرة أنهوا على البيت الذي كان له شرف أن يحمل لقب بيت الأحلام! مبتكر العملة العراقية في السنوات الأخيرة من حياته أراد ساسون أفندي أن يختم حياته بإصدار عملة عراقية وطنية، ولتحقيق ذلك أعد خطة بنظام دقيق، بالفعل، وقبل أن يموت بأشهر قليلة في ربيع عام 1932، نجح ساسون في مسعاه (ساعده في تحقيقها يهودي آخر هو إبراهيم الكبير مدير عام المحاسبة المالية آنذاك)، وأصبحت النقود العراقية هي المتداولة بدلاً من الروبية الهندية والليرة التركية. كان ذلك أحد الأحلام الكبيرة التي انطلقت من هذا البيت، قبل أن تعقبها أحلام أخرى لعراق آخر، ممكن أن يكون كل شيء، باستثناء أن يكون بالشكل الذي عليه اليوم. وما لم يعرفه ساسون أفندي حسقيل، أن زمناً سيأتي، لا دولة تحكم فيه، ولا نظام مالي سيسود، بدل ذلك سيجلس على عرش السلطة في بغداد اناس كل ما جلبوه للبلاد في سنوات حكمهم التي مرت منذ 9 أبريل 2003 هو خراب في خراب.