الفاهم محمد «عوالم متصادمة» كتاب ليس كباقي الكتب العادية التي يمكن أن يطلع عليها الإنسان فيأخذ منها ما يريده ويترك ما لا يتفق معه. نحن أمام كتاب حدث Un livre événement. عمل خالد عندما يقرؤه الإنسان يصاب بالدهشة العارمة، ويعيد النظر في كل مكتسباته المعرفية. ظهر الكتاب لأول مرة سنة 1950 تحت عنوان Worlds in collision ولم يترجم إلا مؤخراً إلى اللغة الفرنسية سنة 2003، تحت عنوان Mondes en collision ضمن مطبوعات حديقة الكتب. يقع الكتاب في أزيد من 370 صفحة، غير أن الطبعة الفرنسية ضمت مقدمات ومقالات تمهيدية، وبيوغرافيات للتعريف بالكاتب، ولائحة بالتنبؤات التي توصل إليها وأكدها العلم بعد ذلك. إمانويل فيلوكوفسكي، Immanuel Velikovsky طبيب ومحلل نفسي وباحث لامع، ولد في روسيا سنة 1895 وتوفى بالولايات المتحدة سنة 1979. كان قد هاجر في بداية الأمر إلى فرنسا لدراسة الطب في جامعة مونبلييه، ثم ذهب إلى فيينا والتقى أينشتاين وفرويد، وهناك سيتأثر بشدة بالتحليل النفسي، وسينجز أطروحة سيشرف عليها فرويد نفسه حول فقدان الذاكرة الجماعي. بعد ذلك ذهب في زيارة إلى أميركا غير أن الحرب العالمية الثانية أعلنت في أوروبا، وهكذا سيجد نفسه عالقاً هناك في مدينة نيويورك، حيث سينكب طوال سنوات على دراسة المخطوطات المصرية ومقارنتها مع التواريخ العبرية، فاكتشف أن الكرونولوجيا الرسمية للتاريخ لا تتماشى مع ما ذكر في المخطوطات القديمة، وأن خريطة السماء كما كانت معروفة من قبل، تختلف تماماً عن خريطة السماء التي نعرفها اليوم. هكذا بدأت الفكرة الأولى التي أدت إلى كتابة «عوالم متصادمة» هذا الكتاب الذي قيل إنه وجد بجانب سرير أينشتاين حينما مات وهو يقرؤه للمرة الثالثة. أما كارل ساغان فقد قال عنه إنه «لو ثبت فقط أن 20% من هذه التنبؤات صحيحة فهناك إذن شيء مهم ينبغي شرحه». معارك السماء في بداية الكتاب يحدد فيلوكوفسكي الموضوع الأساسي الذي سيتطرق إليه عمله ألا وهو «الحروب التي قلبت السماء»، ويقصد بها الاصطدامات، ومن هنا دلالة العنوان الذي يحمله المؤلف التي حدثت بين الكواكب داخل المجموعة الشمسية. إن كل ما نعرفه حول نظام المجموعة الشمسية مستمد من الميكانيكا النويوتونية، ولكن يتساءل لكاتب، هل هذه الأخيرة مازالت كافية لفهم ما يحدث في الكون؟ هنا يماثل فيلوكوفسكي بين الغرابة التي تحدث في العالم الكمي الميكروسكوبي، وما يحدث أيضاً من أمور عجيبة في العالم السماوي الماكروسكوبي. أغرب هذه الأمور التي ذكرها أن مذنباً انفلت من مدار المشتري، ودخل إلى عمق الكواكب الداخلية للمجموعة الشمسية، وبعد أن أحدث هذا المذنب العديد من الكوارث والانقلابات، انتهى به الأمر إلى أن يستقر في مدار ثابت حيث سيصبح هذا المذنب كوكب الزهرة الذي نعرفه اليوم. لقد أثبتت كل الملاحظات الفلكية حول المريخ، والتي كانت نتيجة رحلات فضائية عديدة أن الكوكب الأحمر كان يحتوي فيما مضى على المياه، فالمجاري الجافة ما زالت تلاحظ فيه إلى يومنا هذا، ولكن لا أحد استطاع أن يجيبنا عن السؤال التالي وهو: أين ذهبت هذه المياه؟ منذ خمسينيات القرن الماضي كان فيلوكوفسكي قد قدم أطروحة مثيرة، جلبت له سخرية المجتمع العلمي آنذاك. لقد رأى أن مرور كوكب الزهرة بالقرب من المريخ أدى إلى زحزحة هذا الأخير عن مداره، وفقدانه لمياهه التي تساقطت على شكل أمطار طوفانية فوق الأرض. إن هذا هو ما يفسر وجود قصة الطوفان لدى كل الشعوب وفي كل الأساطير والنصوص المقدسة. في الصين وهنود أميركا الشمالية وحضارات أميركا الجنوبية كالمايا والأزتيك وغيرها، كما تفسر هذه الأحداث السماوية المفجعة كذلك الانقراض الفجائي للكائنات الحية فوق الأرض. وإذا كان كوكب المريخ قد تعرض لكل هذه الأحداث السماوية العظيمة، فإن كوكب الأرض في نظر الكاتب دائماً لم ينجُ مما سيسببه كوكب الزهرة، حيث أدى به إلى زحزحته من محوره، وهذا هو ما يفسر تغير السنة من 360 كما تذكر الكتب البوذية المقدسة إلى 365 يوم كما هو معروف اليوم. من نتائج هذه المعركة السماوية كذلك أن كوكب الزهرة هو الكوكب الوحيد داخل المجموعة الشمسية، الذي يدور بشكل تراجعي، أي عكس عقارب الساعة، على النقيض من كل الكواكب الأخرى. ونتيجة هذا الدوران الغريب نجد أن الشمس تشرق فيه من الغرب وتغرب في الشرق. كل هذا حدث بسبب الاصطدام الذي وقع بينه وبين المريخ. كان فيلوكوفسكي قد تنبأ بأن حرارة هذا الكوكب ستتزايد مع السنين إلى أن يصبح كوكباً بركانياً، ورغم سخرية العلماء من هذه النبوءة آنذاك فإن الملاحظات الفلكية قد أثبتت هذا الأمر، ففي سنة 1961 سجلت مارينر 2 درجة حرارة 320 سيلسوس، وفي سنة 2001 تم تسجيل 500 سيلسوس، بل أكثر من هذا تمكن إمانويل فيلوكوفسكي من تحديد مكونات الغلاف الجوي لكوكب الزهرة فقط باعتماد المخطوطات والنصوص المقدسة القديمة. تنبؤات خارقة كتب البعض عن فيلوكوفسكي أنه واحد من أكبر العبقريات التي أنتجها القرن العشرين، رغم أنه تعرض للإهمال والإقصاء، إلا أن معظم الأفكار الثورية التي جاء بها أكدتها التجارب والملاحظات الفلكية فيما بعد، ولكن لم هذا الإهمال والتجاهل؟ يعود السبب إلى أن فيلوكوفسكي عالم غير تقليدي خارج عن المألوف توصل إلى معظم اكتشافاته ليس عن طريق المختبرات العلمية، والمراصد الفلكية بل فقط عن طريق دراسة وتحليل النصوص الدينية القديمة، والأساطير وأوراق البردي المصرية وغيرها. هو أول شخص أكد ومن دون الاعتماد على أية أدوات فلكية، فالرجل لم يكن يملك حتى ولا منظاراً فلكياً بسيطاً على أن النظام الشمسي غير مستقر. على سبيل المثال: القمر يبتعد عن الأرض وكذلك باقي الكواكب نتيجة التوسع الذي يعرفه الكون، هذا التوسع الذي أثبتته الملاحظات الفلكية التي قام بها إدوين هابل، كما أن الشمس يمكنها أن تجذب كواكب جديدة إلى داخل المنظومة الشمسية، بل أخطر من هذا تنبأ فيلوكوفسكي بوجود كوكب خفي يعمل على خلخلة نظام المجموعة الشمسية، وهذا بالفعل هو ما أكدته الملاحظات الفلكية سنة 2002 حيث لوحظ وجود كوكب ضخم يكسوه الجليد يوجد في تخوم حزام كايبر Kuiper belt. أليس هذا هو كوكب نبيرو الغامض الذي نجد إشارة له في النصوص البابلية القديمة؟ هو أول شخص كذلك تنبأ بوجود حلقات مغناطيسية تحمي الكرة الأرضية من الأشعة والرياح الشمسية القاتلة، التي ترسلها الشمس وذلك قبل أن يكتشفها تجريبياً فان آلن سنة 1958 وتعرف اليوم باسمه. تنبأ أيضاً بأن كوكب المشتري يرسل أشعة راديوية إلى الأرض، ويقال إنه دخل في رهان حول هذا الأمر مع أينشتاين وربحه. يثير الباحث أيضاً مسألة أخرى مثيرة للهلع، وهي أن القطب المغناطيسي للأرض انقلب عدة مرات خلال تاريخها الطويل نتيجة هذه الأحداث الفلكية الكارثية، وهذا ما أثر على طبيعة المحيطات واليابسة على الأرض، حيث تغير محور دورانها مع الزمان، وهو ما أثبتته الدراسات الجيولوجية المعاصرة التي أكدت أن القطب الشمالي المتجمد كان فيما مضى استوائياً، وبه غابات وأشجار النخيل وهو ما يفسر لماذا نجد جثث الماموث في هذه المنطقة الثلجية مثل سيبيريا ماتت فجأة وهي ما زالت تحتفظ بالطعام في فمها. يتساءل الكاتب في خاتمة كتابه: إذاً هذه الكوارث السماوية قد حدثت في الماضي، فما الذي يمنع من حدوثها في المستقبل. وإذا كانت الأرض قد نجت وإن كان بأعجوبة من دمار شامل كما حدث مع المريخ، قد تكون كوارث المستقبل مدمرة بشكل نهائي. وهنا يقدم الكاتب تخوفاته من أن يصطدم كوكب بلوتو بكوكب نيبتون، كما أن القمر السادس للمشتري يتقاطع مع مدار القمر السابع. والثامن يتبع مداراً غير منتظم بحيث يقطع طريق القمر التاسع. نعلم اليوم أن المشتري يملك 67 قمراً لذلك ليس من المستبعد أن تحدث اصطدامات فيما بينها. إن المعارك السماوية تظل في نظر الكاتب محتملة الحدوث في المستقبل، وإذا كان المريخ قد دمر تماماً في الماضي وتضررت الكرة الأرضية فما الذي يمكن أن تقود إليه معارك السماء في المستقبل؟ الخلاصة والخلاص ما يثير في هذا الكتاب ليس فقط الاكتشافات الباهرة التي تنبأ بها، والتي تقلب رأساً على عقب المعارف المتداولة عندنا. هناك شيء آخر مهم للغاية وجب التنبيه له وهو كيف تمكنت الحضارات القديمة مثل المايا والأزتيك والصين والهند وغيرها من إدراك هذه الحقائق الفلكية الدقيقة، وتسجيلها في نصوصهم المقدسة. كيف وصل القدماء إلى ما وصلنا إليه نحن اليوم بوساطة برامج غزو الفضاء والتليسكوبات المتطورة؟ هذا السؤال يفتحنا على صفحة جديدة نثير فيها التفكير في أصل الحضارة البشرية وحقيقتها. لقد كان إمانويل فيلوكوفسكي شجاعاً حينما تحدى النموذج المعياري للعلم والمعرفة، رغم الإهانة والإقصاء الذي كلفه على أي حال ثلاث محاولات انتحار. لكنه مع ذلك استطاع أن يقاوم بعد ذلك، وأن يصمد في وجه التهميش حيث سيتابع أبحاثه بتأليف كتب أخرى. منها «فوضى العصور» و«أكبر الانقلابات الأرضية» و«رمسيس الثاني وزمانه» وغيرها. كل هذه الكتب توسع أبحاثه، وتعمق بالتالي الشرخ بين ما نعرفه وبين الحقيقة المغيبة التي طواها النسيان، والتي يفسرها فيلوكوفسكي بفكرة «فقدان الذاكرة الجماعي» L’amnésie collective التي تجد جذورها في التحليل النفسي للاشعور، حيث تميل الجماعة إلى نسيان كل الآلام والكوارث حتى تحتفظ فقط بصورة إيجابية عن الماضي. إن ما يثيره الكتاب هو الخوف من النهاية المحتملة للعالم في المستقبل بسبب ظاهرة فلكية ما. قد نختلف معه في طبيعة هذه الظاهرة المهددة لبقاء الحضارة البشرية، غير أن ما يتفق عليه الجميع هو أن الجنس البشري عابر في هذه الحياة، وسواء كان الفناء بمذنب أو كوكب أو عاصفة شمسية فإن النهاية واحدة. من لم يمت بالسيف مات بغيره/‏ تعددت الأسباب والموت واحد، قال المتنبي. أليس هذا هو ما يضعنا أمام وحدة مصير الجنس البشري؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا يتوجب علينا التفكير في التضامن وتوحيد الجهود ونبذ الخلافات والإقصاء حتى نركز على إمكانات الخلاص المتاحة أمامنا. قد لا يكون كل ما ذكره فيلوكوفسكي في «عوالم متصادمة» صحيحاً، غير أنه يكفيه شرفاً أن العديد من تنبؤاته، أثبتتها بشكل قطعي الرحلات الفضائية المعاصرة. لذلك فالكتاب يستحق أن يقرأ عدة مرات كما فعل أينشتاين بدل الاهتمام بهذا الكم الهائل من الكتب الوصفية الأكاديمية، التي لا تقدم جديداً ما عدا تكرار واجترار ما هو معروف ومتداول. قصة الطوفان تناقلت ميثولوجيا الحضارات، وكذلك النصوص الدينية، سرديات تقع تحت عنوان «قصة الطوفان». وهو طوفان نوح أو الطوفان العظيم الذي حصل بسبب طغيان البشر على الأرض. وكان الناس يعتقدون أن التوراة هي أقدم مصدر لقصة الطوفان، ولكن الاكتشافات الحديثة أثبتت أن ذلك مجرد وهم، حيث عثر في عام 1853 م على نسخة من رواية الطوفان البابلية. ففي الفترة ما بين 1889م و1900م، اكتشفت أول بعثة أثرية أميركية قامت بالتنقيب في العراق اللوح الطيني الذي يحتوي على القصة السومرية للطوفان في مدينة «نيبور» (نفر) ثم تبعه آخرون، ويبدو من طابع الكتابة التي كتبت بها القصة السومرية أنها ترجع إلى ما يقرب من عهد الملك البابلي الشهير «حمورابي». وفي الثالث من ديسمبر 1872 أعلن «سيدني سميث» نجاحه في جمع القطع المتناثرة من ملحمة جلجامش بعضها إلى بعض، مكتوبة في اثني عشر نشيداً، أو بالأحرى لوحاً، ومحتوية على قصة الطوفان في لوحها الحادي عشر. ووردت قصة الطوفان اليهودية في الإصحاحات من السادس إلى التاسع من سفر التكوين. ثم قدم القرآن الكريم، في آياته، قصة متكاملة لحدث طوفان نوح.