الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
زوجة رجل مختلف
زوجة رجل مختلف
28 أكتوبر 2010 21:01

جدي رجل ضخم في بنيته الجسدية ذو شارب أبيض كث متجهم دائماً، فبالإضافة إلى علامات الزمن التي كانت واضحة على وجهه، خاصة تلك الخطوط العرضية على ناصيته، فإنه طوال ليله ونهاره لا هم له إلا إصدار الأوامر للجميع من أبنائه وأحفاده الكثيرين الذين كانوا من حوله، فنحن جميعاً نقيم في بيت العائلة الكبير، أما النصيب الأكبر من هذه الأوامر فقد كان لجدتي التي كسرها الزمن، يبدو عليها الوهن والاستكانة، مستسلمة دائماً، لا أعتقد أنني سمعت يوماً أن لها مطلباً، حتى الطعام لا تأكل إلا إذا جاء، لا تعترض على شيء مهما كان وتنفذ ما يصدر لها من أوامر، لا حق لها في المراجعة أو المناقشة، كل ذلك وأنا ضعيفة لا أقدر على شيء، غير أن يتملكني الغيظ والخوف في آنٍ واحدٍ، أضع نفسي مكانها، فأجد لدي رفضاً لما يحدث، ولا أستطيع أن أتفوه بكلمة واحدة مما يدور داخلي. جدتي أكثر نساء البيت تعرضا للظلم الذي قد يأتيها أحياناً من أبنائها، ليس من قبيل قلة الأدب وإنما جراء هذا العرف المقلوب، وضعفها الشديد هو الذي يجعلني أتعاطف معها. مات جدي وكنت أعتقد أن جدتي ستكون سعيدة بخلاصها من هذا الطاغية، كما كنت أراه، لكن كان العكس هو الصحيح، فقد بكته كما لم تبك أحداً من قبل، حزنت بكل كيانها وجوارحها، كما لو أنها فقدت زوجاً حنوناً ودوداً في عنفوان الشباب، بل إن الأمر أصبح أكبر من ذلك، فقد اشتد عليها المرض وأصبحت طريحة الفراش، فقدت الشهية للطعام، وكانت المفاجأة أنها رحلت ولحقت بجدي بعد عدة أشهر من وفاته، شعرت أنها استراحت من العبودية التي كانت ترزح تحتها بسبب التفرقة، دعوت لها بالرحمة وقد بكيت عليها بكل حرقة، كانت فرصة لأفرغ الشحنة المكبوتة داخلي منذ سنوات، وجدت دموعي تنساب رغم أنفي ولم أستطع أن أوفقها، لم أكن أعرف هل كنت أبكي عليها أم أبكي على نفسي. تفرق أبي وأعمامي وتقاسموا الميراث، أصبح لكل منهم بيته الخاص ومعه زوجته وأبناؤه، وهذه سنة الحياة، غير أنني مازلت أعيش التجربة الجماعية في الحياة، أو بالأحرى تعيش بداخلي، لم أفكر في الخلاص منها، ولا أستطيع ذلك، خاصة أنها انتقلت بصورة طبق الأصل إلى بيت أبي، ومن شابه أباه فما ظلم، فأبي يتصرف تماماً مثل أبيه، وأمي أصبحت مثل جدتي؛ لذا لا أريد أن تتحرك الأيام بعد ذلك كي لا أكون في مكان جدتي وأمي عند رجل يسومني سوء العذاب ويتحكم في كل تصرفاتي وشأني ويملك أمري، قررت الاجتهاد في الدراسة حتى أنغمس في الدروس والتعليم من عام لآخر، كنت أرى أنه عليّ أن استقل بحياتي بعيداً عن الرجال، وأتحرر من هذا الاستعباد. قناعتي بأفكاري تزداد يوماً بعد يوم، خاصة أن ابنة عمي تم طلاقها رغم أنفها؛ لأنها لا تنجب، وتلك إرادة الله سبحانه وتعالى، ولا ذنب لها، لكن زوجها اتخذ قرار ذبحها والتخلص منها كأنها ارتكبت جرماً لا يغتفر، عادت إلى بيت أبيها مكسورة الجناح ورفضت بعد ذلك تكرار التجربة، خاصة أن الذين تقدموا لها كانوا من كبار السن الذين يبحثون عن ممرضات، أو من الأرامل الذين يعولون حفنة عيال ويبحثون عن خادمات أو لأن لديها عقدة من الرجال ولا تريد أن تكرر التجربة المرة القاسية، لذلك تحاملت على نفسي ووقفت ضد دقات قلبي ورفضت الاعتراف بالحب لزميلي في الجامعة رغم أنني اعترف بأنني كنت أبادله الحب، شعرت بأن في الاعتراف ضعفاً ينال من شخصيتي، وتنازلاً عن حريتي، وأنا أرفض ذلك كله جملة وتفصيلاً ولا أعرضه للنقاش حتى بيني وبين نفسي، اتخذت قراري بتجميد أي مشاعر نحو الرجال لأن الرجل عندي يعني الحكم بالسجن وسلب الحرية. أما عن تجربة ابنة خالتي، فحدث ولا حرج، فكل ذنبها وجريمتها أنها لم تنجب ولداً ذكراً وأنجبت خمس بنات، في كل مرة تنقلب الدنيا عليها ويتركها زوجها في بيت أبيها لأكثر من شهر بعد الولادة كأنه يعاقبها على فعلتها وكأنها صاحبة القرار في ذلك ـ استغفر الله ـ ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يظل يكبتها ويؤنبها ويحملها المسؤولية. هذه التجارب كلها وغيرها ترسخت في أعماقي نتائجها وتوابعها وعشت أحزانها مع صاحباتها، سهرت الليالي الطوال أفكر فيها وفي عدم تكرار هذه المآسي، كنت كأنني التي واجهت هذه المتاعب والمصائب، لا أبالغ إذا قلت إنني بسببها تخوفت من كل الرجال ولا أستثني منهم أحداً، بداية من جدي مروراً بأبي وصولاً إلى من دق له قلبي وحتى إخوتي. الغريب في الأمر أنني بعدما انتهيت من دراستي وحصلت على شهادة جامعية وتخرجت في كلية نظرية لم تكن شهادتها ذات أهمية في سوق العمل فوجئت بالعديد من الشباب يطرقون باب بيت أبي يطلبون يدي وكلهم معجبون بشخصيتي؛ لأنني ملتزمة وليست لي تجارب مع الرجال، كما يفعل كثير من الفتيات خاصة في مرحلة الدراسة الجامعية، يرون أنني كنز يريد كل منهم أن يفوز به، ولا يعرفون أنني معقدة، وأنني اتخذت موقفاً عدائياً من الرجال، كان موقفي ثابتاً لا يتغير، رفضت كل هؤلاء بلا استثناء وبلا إبداء الأسباب، حتى تسرب القلق إلى أبي وأمي، واستغربا هذا الرفض غير المبرر، ولم يقتنعا بما ذكرته بأنني لا أرغب في الزواج، حتى أن أمي كادت ترتاب في أن شيئاً غير عادي حدث معي وحامت في حديثها حول هذا المعنى، فأصبت بصدمة وقتية، وعندما اختليت بنفسي وجدت أنه من المستحيل الاستمرار في الرفض على هذه الأسس والقناعات التي لدي، وها أنا ذا اقترب من الخامسة والعشرين وقريناتي قد تزوجن وأنجبن وليس من المنطقي أن أقضي حياتي هكذا، وفي النهاية لن أسلم من الألسنة والقيل والقال، أي أن النهاية الحتمية هي وقوع الشر بالزواج. وإذا كان لا بد من الزواج، فيجب أن اتخذ كل الاحتياطات والوسائل الدفاعية الكفيلة بحمايتي من غدر وتسلط الرجال، وجاء رجل عن طريق خالتي رشحتني له، لا يعرفني ولا أعرفه، يجهل كل منا الآخر تماماً، إذا هي فرصتي لأشكله كما أريد، قررت أن أذبح له القطة من أول يوم، هو موظف في شركة عامة، وبجانب الوظيفة يمارس بعض الأعمال الأخرى مثل التجارة، ومن دون أن أطلب منه كان يأتي في أول كل شهر ويدس في يدي راتبه، كما تسلمه لا ينقص منه شيئاً، ويأتي بعد ذلك بكل مبلغ يتحصل عليه ويتكسبه من عمله الخارجي، وأوكل إلي ّمهمة إدارة شؤون البيت، بل قال مازحاً إنه أصدر قراراً بتعييني وزيراً لمالية الدار، أما من الناحية الإنسانية، فهو صورة مغايرة مختلفة لما كان في اعتقادي عن الرجال، حتى أنني لحيرتي كنت أشك في أنه يمثل في تعاملاته، أو أنه يستدرجني إلى داخل البحر ليغرقني، أو أنه لم يظهر على حقيقته بعد فلم تكن بيننا مواقف كي أحكم عليه بشكل نهائي، لكن كلما مر يوم يتأكد لي خطأ نظرتي وتصرفي، إذ يفاجئني بمناسبة وبدون مناسبة بقطعة مجوهرات ثمينة أو هدية قيمة أو ملابس فاخرة. ومع هذا كله قررت أن أتخذ كل وسائل الحذر والحيطة من ألاعيب وغدر الرجال، فالغدر لا يأتي إلا من مأمن. ولا بد من تأمين مستقبلي حتى إذا وقع المحذور لا أبكي على اللبن المسكوب وأكون قد أخذت بثأري قبل أن يقع، خاصة أنه مضى عامان ولم يكن بيننا أطفال. وبدأت أستغل أنه يترك كل ماله دون حساب واقتطع منه مبالغ كبيرة لا يشعر بها، ومع أنه لا يسألني عن أي شيء ولا يحاسبني فإنني أتعمد أن أظهر له الشكوى من غلاء الأسعار مثلاً، أو أدعي شراء أشياء بأسعار عالية أو احتياجات شخصية، ومع كل ذلك كانت ردود فعله مخالفة لتوقعاتي؛ لأنه كان مستسلماً لما افعل، مصدقاً لما أقول، وكان أول اختبار له عندما وضعت مولودتي الأولى، كنت بالطبع أنتظر غضبته وردة فعله الرافضة للإناث، فإذا به تغمره الفرحة والسعادة ويكافئني أنا وهي بالمزيد من المجوهرات والملابس والهدايا، وهكذا حاله كلما جاء اختبار مماثل. الآن ظهرت المشكلة عندي؛ لأنني استطعت من الأموال التي ادخرتها أو بمعنى أصح استوليت عليها منه من وراء ظهرة أن أشتري شقة في منطقة راقية أقوم بتأجيرها ومن عائدها ومما أخذ من ماله اشتريت محلاً تجارياً ولا يعلم هو عن ذلك شيئاً، أشعر بالخجل الشديد من نفسي بل بالخيانة لرجل لا يستحق مني هذه المعاملة، وما زاد الطين بلة أنه جاءني مؤخراً ليقدم لي مبلغاً كبيراً يطلب مني أن أودعه باسمي في البنك لتأمين مستقبلي. أجدني في ورطة حقيقية فأنا لست قادرة على الاستمرار في إخفاء ذلك عنه وفي صراع مع نفسي، وأخشى إن أخبرته أن يقع ما في الحسبان وتكون النهاية غير السعيدة، لا أدري ماذا أفعل؟

المصدر: القاهرة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©