الاتحاد

الإمارات

صقر القاسمي.. آخر الآباء المؤسسين للاتحاد في ذمة الله

رئيس الدولة خلال لقائه فقيد الوطن في إحدى المناسبات

رئيس الدولة خلال لقائه فقيد الوطن في إحدى المناسبات

بوفاة الشيخ صقر بن محمد القاسمي يكون قد رحل آخر مؤسسي دولة الاتحاد التي قامت عام 1971م، حيث انضمت رأس الخيمة للاتحاد في 2 فبراير 1972م ، وشكّل رحمه الله مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه والشيوخ أعضاء الاتحاد الذين توفاهم الله، اللبنة الأولى لانطلاق الاتحاد في مسيرته.
السيرة الذاتية
الشيخ صقر من مواليد عام 1918م، تولى حكم رأس الخيمة منذ عام 1947م، أي ما يقارب 62 عاماً قاد خلالها مسيرة النهضة في الإمارة، وعرف عن سموه ارتباطه بالدين، فضلاً عن حبه وحرصه على تعليم أبنائه أخلاق وتعاليم الدين الإسلامي.
حفل سجل المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي بصفحات ثرية من المنجزات الوطنية والمواقف النبيلة التي أثرت في مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في إمارة رأس الخيمة على مدى أكثر من ستة عقود من الحكم بعد تسلمه أمور الإمارة عام 1948.
وقد عرف عنه شجاعته وحكمته وقدرته على بسط الأمن والسلام والنظام واهتمامه بالتعليم ومتابعته شؤون الإمارة وكل ما من شأنه أن يؤمن الحياة الكريمة للمواطنين.
كما عرف عن الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله اعتزازه الشديد بتاريخ أجداده الذين بنوا أكبر قوة بحرية عربية في المنطقة، كما عرف عنه ولاؤه لأمته العربية ونصرته قضايا الحق والعدل والسلام.
نسب المغفور له
ينتمي الشيخ صقر بن محمد القاسمي في نسبه إلى الشيخ رحمة بن مطر بن كايد مؤسس دولة القواسم في المنطقة 1760 م عقب انهيار دولة اليعاربة ويعود تسلسل نسبه كما يلي ..
صقر بن محمد بن سالم بن سلطان بن صقر بن راشد بن رحمة بن مطر بن كايد وهو الجد الأكبر للقواسم
دراسته
تمتع الشيخ صقر منذ ولادته برعاية أبوية خاصة أساسها التعلم وأخذ المعرفة بأمور الدين والدنيا فقد نشأ بين أشقائه وزملائه ينهل في دراسته معاني القرآن الكريم وحفظ آياته وتعلم القراءة والكتابة على يد ما كان يسمى في ذلك الوقت “المطاوعة “ حيث درس الشيخ صقر في طفولته على يد المطوعة الفاضلة السيدة فاطمة زوجة حمد الرجباني المعروف باسم “ المغربي”، وتلقى في تعليمه الأولي حفظ آيات من القرآن الكريم والحساب ومبادئ القراءة والكتابة.
وكان عمر الشيخ صقر حينئذ لا يتجاوز عشر سنوات ثم درس فيما بعد على يد معلمين متخصصين أحضرهم الحاكم في تلك الفترة خصيصاً من نجد لتدريس أفراد العائلة الحاكمة في بيت الحاكم، ثم تلقى دراسة العلوم الدينية والعربية على يد الشيخ سيد الهاشمي في بيت فضيلة الشيخ علي بن محمد المحمود وكانت الدراسة فيها شبه نظامية.
ولاية الحكم
تولى الشيخ صقر بن محمد القاسمي الحكم في إمارة رأس الخيمة يوم الخميس الموافق 17 يوليو 1948 في شهر ربيع الأول عام 1367 هجرية فعمل منذ ذلك التاريخ على إرساء قواعد الوحدة الوطنية بين القبائل في الإمارة، وجمع شملها وألّف بينها وجعلها وحدة متماسكة.
وعكف الشيخ صقر بن محمد القاسمي على رفعة شأن إمارته وتقدمها في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية فحققت رأس الخيمة بجهوده “ رحمه الله تعالى “ المتواصلة تقدماً كبيراً في ركب العلم والتقدم.
وعلى مستوى المنطقة قبل قيام اتحاد دولة الإمارات انتخب الشيخ صقر عام 1965 رئيساً لمجلس الحكام وضم إمارات الساحل واستطاع خلال ترؤسه المجلس تحقيق الكثير من المنجزات وظل في هذا المنصب الى قيام الاتحاد.
وعمل إلى جانب أشقائه حكام الإمارات على إقامة اتحاد متماسك ومترابط يجمع شمل الإمارات في دولة واحدة تزيل الحواجز بين أبناء المنطقة الواحدة، وعلى الرغم من الصعوبات الجمة التي واجهت قيام الاتحاد إلا أن الإرادة الوحدوية الصلبة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه حكام الإمارات تمكنت من تخطي كل العقبات وتحقيق الأمنية الغالية لشعب الإمارات حيث شهد يوم الثاني من ديسمبر 1971 ميلاد دولة حديثة أصبحت يوم إعلانها الدولة الثامنة عشرة في جامعة الدول العربية والعضو الثاني والثلاثين بعد المئة في الأمم المتحدة.
وفي 10 فبراير من عام 1972 انضمت إمارة رأس الخيمة إلى الاتحاد ليكتمل كيان سياسي موحد وقوي، وقد جاء بناء الاتحاد إضافة إلى كونه ضرورة حتمية لمواجهة التحديات التي كانت تواجه المنطقة، وترجمة عملية لتعزيز أواصر القربى وصلات الرحم بين أبناء الإمارات جميعاً.
وتحولت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال سنوات قلائل من قيام اتحادها إلى دولة عصرية مزدهرة ينعم مواطنوها بالرفاه والرخاء بفضل القيادة الحكيمة والعطاء السخي والجهود المخلصة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “ طيب الله ثراه “.
وصرح المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي يومها “ إننا وإن كنا نبني اتحاداً في هذا الجزء من وطننا العربي الكبير فإنما ذلك لا يعدو أن يكون لبنة في صرح بناء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج “.
وتكللت الجهود المخلصة للشيخ صقر بن محمد القاسمي في بناء الإنسان بالنجاح الكبير وأصبح الواقع المعيش لما وصل إليه الإنسان في دولة الإمارات من رقي يعكس مدى أهمية هذا الإنجاز في مسيرة الاتحاد والوطن. وتربط الشيخ صقر بن محمد القاسمي علاقات ودية وأخوية مع قادة المنطقة من خلال الزيارات التي قام بها رحمه الله خلال فترة حكمة للعديد من الأقطار العربية والأجنبية.
اهتمامات الشيخ صقر
يمتاز الشيخ صقر القاسمي بسياسته الحكيمة وبعد رؤيته وتطلعه الدائم الى المستقبل بعين التفاؤل والأمل إذ يقول عند حديثه عن اكتشاف النفط في رأس الخيمة، “نأمل أن نحقق خلال ثلاث سنوات ما حققته الدول الشقيقة في عشر سنوات ولن يكون اعتمادنا في نهضتنا على النفط وحده”. ولذا عمل رحمه الله منذ توليه الحكم على إرساء قواعد الوحدة الوطنية في الإمارة ولم شمل القبائل وتوحيد صفهم لأن الإنسان في نظره هو الثروة الكبرى للوطن.
اهتماماته بالتعليم والمعرفة
وجه الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله جل اهتمامه لنشر العلم والمعرفة في المجتمع إيماناً منه بدور التعليم في بناء الإنسان والمجتمع وتكوين الوعي الحضاري للدول، وفي هذا الصدد كان يقول للتعليم فوائد جمة في حياة الإنسان وسعادته فعن طريق القراءة والكتابة يعرف الإنسان أصول دينه، ويصبح إنساناً مستنيراً مثقفاً واعياً مدركاً.وأدرك الشيخ صقر بن محمد القاسمي خلال السنوات الأولى لحكمه أهمية التعليم والمعرفة في تكوين الوعي الحضاري وبناء شخصية الإنسان والمجتمع وفي تحديد مسار حياة الفرد العملية والاجتماعية.
وفي سبيل نشر التعليم أمر رحمه الله تعالى بإنشاء دائرة للمعارف لمتابعة شؤون البعثات العلمية في الإمارة وذلل العقبات أمام كل الوفود التعليمية التي أرسلتها الدول الشقيقة والصديقة من أجل نشر العلم وافتتاح مدارس نظامية على أرض رأس الخيمة وكان يشجع الطلاب وأولياء الأمور ويحثهم على تعليم أبنائهم ويصرف لهم مكافآت شهرية. واتخذ الشيخ صقر بن محمد القاسمي منهجاً تربوياً إلى جانب التعليم فقد افتتح عدداً من المدارس وجعل التعليم إجبارياً للبنات كما هو للأبناء حتى أن الطالب يعاقب إذا ما تغيب عن المدرسة دون عذر ولا يعفى عنه إلا بضمانة ولي أمره وتعهده بمتابعته والمثابرة في الدراسة وتلقى العلم.
وفي فترة لاحقة في أواخر الستينيات تم صرف إعانة شهرية تشجيعاً للأب المتخوف أوالمتردد في إرسال أبنائه للدراسة بواقع “ ريال “ عن كل تلميذ لكل يوم ?يداوم فيه فكان ذلك تشجيعاً للآباء على إلحاق أبنائهم بالمدارس وتحفيزاً للأبناء للاهتمام وبالتعلم والالتزام بالدراسة وإذا ما تغيب الطالب كان يخصم منه ريال عن كل يوم غياب.
ومنذ أن تولى الحكم أولى العلم والتعليم جل اهتمامه فأصبح في رأس الخيمة عشر مدارس في عام 1960 خمس منها للبنين وخمس للبنات وعمل سموه على إنشاء المدرسة الزراعية في الدقداقة في سنة 1955 ثم أنشأ المدرسة الصناعية في سنة 1969. وكان التعليم في بداياته مختلطاً في المرحلة الابتدائية ومع ازدياد الطلبة تم بناء المزيد من المدارس حتى وصل عدد المدارس في عام 1969 الى 27 مدرسة وارتفع عدد الطلبة الى نحو ستة آلاف طالب وطالبة.
ويقول الصحفي سليم زبال الذي زار رأس الخيمة في بداية ستينيات القرن الماضي في كتابه “كنت شاهداً “، سألنا الشيخ صقر ما رأيكم في تعليم الفتاة ؟ فرد عليهم مستنكراً .. الفتاة .. ماذا تعني بكلمة فتاة .. هل هي مخلوق آخر غير الإنسان تستطيع أن تفرق بين إنسان وحيوان ..وليس بين إنسان وإنسان آخر .. إن بناتنا يتعلمن بحرية تامة ونحن نشجعهن” بكلمات قليلة لكنها معبرة وصادقة استطاع الشيخ صقر أن ينصف المرأة ويعطيها حقها ويعينها على التزود بالعلم إيماناً منه بدورها العظيم في الحياة والتنمية الشاملة في المجتمع.
اهتمامه بالعلم
أولى الشيخ صقر اهتماماً خاصاً بالعلم والعلماء وكان يكرم المدرسين الذين قدموا الى رأس الخيمة في فترة الخمسينيات والستينيات وقدم لهم كافة التسهيلات التي تعينهم على إكمال مهامهم في تعليم أبناء المنطقة.
ولم يقتصر اهتمامه على التعليم العام بل تركز ايضاً على تحفيظ القرآن الكريم للطلاب والطالبات على حد سواء لأن سموه كان يردد دائماً أن دراسة القرآن الكريم وعلومه فيه إرشاد وتهذيب وتقويم للنفس والسلوك والعمل.
كما اهتم رحمه الله بتوفير رعاية صحية شاملة لأبناء رأس الخيمة فافتتح المستشفى الكويتي وفي عهده تم إنشاء ثلاثة مستشفيات عصرية في الإمارة.
وفي عهد الدولة الاتحادية انطلقت عمليات التطوير والبناء في رأس الخيمة بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية والمرافق والدوائر الحكومية التي تتولى الإشراف على ?تنفيذ مشاريع التنمية.
وقد توالت نهضة رأس الخيمة العمرانية والاقتصادية بتوجيه وإشراف سموه ففي سنة 1969م افتتح الطريق المعبد بين رأس الخيمة والشارقة وفي عام 1976 افتتح مطار رأس الخيمة الدولي وفي 1977 افتتح ميناء صقر.
وبذلك حققت إمارة رأس الخيمة خلال سنوات قلائل في عهده منجزات كبيرة وشهدت تحولات جذرية على طريق التقدم والازدهار انطلقت من وضع خطط حديثة لتطوير المدينة على أسس عصرية بإقامة العديد من المرافق الحيوية بالإمارة.
وحققت إمارة رأس الخيمة إنجازات حضارية شاملة في جميع الميادين بالجهود المخلصة للشيخ صقر بن محمد القاسمي وتوجيهاته السديدة بتسخير كافة الإمكانات المادية لبناء الوطن وخدمة المواطنين ومنحهم أراض سكنية من دون مقابل، كما أسهم في مساعدة ذوي الدخل المحدود لبناء منازل لأسرهم.
وحرص الشيخ صقر بن محمد القاسمي على الالتقاء بالمواطنين على الطبيعة وتفقد احتياجاتهم والاطمئنان على أحوالهم والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم من مشاريع الخدمات بمناطقهم. وكرس كل جهوده منذ أن تولى مقاليد الحكم لخدمة المواطنين وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في حياة كريمة يسودها الاستقرار والأمان والرفاهية وبناء دولة حديثة ينعمون بظلال تقدمها وازدهارها. وأعطى الشيخ صقر اهتماماً ورعاية للشباب وكان دائماً يحرص على دعوتهم باستمرار إلى التسلح بالعلم والأخلاق حتى يسهموا بدورهم في خدمة الوطن.
وحرص الشيخ صقر أيضاً على حث الشباب على العمل والإنتاج والالتحاق بمختلف ميادين العمل باعتبار أن العمل شرف وواجب.
الصعيد الاقتصادي
أما على الصعيد الاقتصادي فقد استقطبت الإمارة في عصره العديد من الصناعات الناجحة التي أسهمت في دفع عجلة التقدم ومنها صناعة الأسمنت والأدوية والسيراميك وأخيراً الحديد، وتلك الصناعات تعد من الصناعات الرائدة في منطقة الشرق الأوسط.
العلاقات الخارجية
ارتبط الشيخ صقر القاسمي بعلاقات أخوية وطيدة مع الدول الشقيقة المجاورة كما ربطته بدول العالم علاقات صداقة وتجارة واقتصاد طيبة. وحظى رحمه الله بتقدير كبير من قبل الأسر الحاكمة في الدولة وجميع الأوساط السياسية والدبلوماسية العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة ولما يتصف به سموه من تواضع وحكمة وسخاء.

اقرأ أيضا