أرشيف دنيا

الاتحاد

توفيق القصير: كتبت عن السعادة لكي يتعلم الناس كيف يسعدون

الدكتور توفيق القصير يتحدث عن ينابيع السعادة

الدكتور توفيق القصير يتحدث عن ينابيع السعادة

السعادة معنى يصعب الإمساك بخيوطه، هي كالماء على راحة اليد تتسرب مهما حاول الفرد الحفاظ عليها، لطالما كانت غاية وطموح الجميع ولا تزال، قيل عنها أنها نسبية وليست مطلقة، أسالت الكثير من الحبر ولا تزال وستظل طوال الزمن، فطلاسمها لن يفكها إلا متمكن من فن التسامي والتفرد في الإبداع، ومؤمن بالخالق إلى أبعد نقطة. والسعادة بنظر الدكتور توفيق أحمد القصير الذي استغرق في البحث عن نظرية لها 8 سنوات من البحث والتأمل، فألف كتاباً تحت عنوان “فن الاستمتاع” كيف تكون سعيداً وناجحاً وقوياً؟ حيث قال: على المرء أن يكون سعيداً في كل يوم، فلربما ليس هناك غد، وألا يشكو من الماضي، ولا يقلق على المستقبل، فإذا كان المرء مستمتعاً، أصبح منتجاً وراضياً، ويسعد بذلك من هم حوله، وكذلك أقرباءه وجيرانه ومجتمعه، وجميع من يحيط به.

لقد كثر الحديث عن السعادة المفقودة في حياتنا المعاصرة، وكتبت حولها مئات الكتب باللغات المختلفة، وقدمت مئات المحاضرات، كما فتحت لها مئات المواقع على الإنترنت. وانبرى لمناقشة موضوعها كثير من المجتهدين ومعدو البرامج التلفزيونية، وكتاب الصحف اليومية، وتقاطر عليها مئات الألوف من المشاهدين والقراء ممن يبحثون عن السعادة في كل مصدر متاح لهم، ولكن دون تحقيق الأمل المنشود في أغلب الأحيان.
يتحدث توفيق القصير عن الأسباب التي جعلته يكتب عن السعادة ويقول: لطالما فكرت في قضية السعادة بوصفها قيمة فردية أو اجتماعية أو حضارية، وكنت كلما عدت من العمل وخصوصاً في أيام الصيف، وتوقفت عند إشارة المرور لدقائق، والتفت يميناً وشمالاً وجدت حولي أشخاصاً خلف مقود سياراتهم يتكلمون مع أنفسهم، ويحركون أيديهم بعصبية واضحة، وقد غابت الابتسامة تماماً عن محياهم وحل بدلها التقطيب، وبروز التجاعيد فوق العينين، وسرعة الغضب وسهولة الانفعال، وما ينتج عن هذا من قيادة السيارة بسرعة وعدوانية يصعب تفسيرها على غير العارفين.

قلق عارم

خلال السنوات العشرين الماضية من حياتي، شاهدت الكثير من الأقرباء والأصدقاء والجيران الأعزاء علي، يتعرضون لأزمات صحية بعضها مفاجئ، وقد فجعت شخصياً بوفاة العديد من هؤلاء، وكنت على دراية تامة بما يعانونه من قلق أو صراع وظيفي، أو عدم استقرار عائلي، أو انشغال وانغماس مبالغ فيه للحصول على المناصب، أو اختصار الزمن اللازم للغنى والثراء.
إن هذه الفواجع وملاحظات أخرى ملفتة للنظر من تنامي القلق وعدم الراحة عند الكثير من الناس دفعتني للتفكير في دراسة واقع الإنسان ومؤثراته الجسدية والعقلية والروحية، وما يمكن عمله لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة، التي تزداد عمقاً واتساعاً في مجتمعاتنا بصورة طردية مع الوقت.
ولعلي أن أوفق في لفت انتباه نسبة من هؤلاء الشباب، رجالاً ونساءً، لإعادة النظر في أسلوب حياتهم وطريقة تفكيرهم، ومحاولة ترتيب أولوياتهم بطريقة تأخذ بعين الاعتبار أن الحياة أقصر بكثير مما يخططون له، وعليهم أن يعملوا بجد وإخلاص ولكن مع ملاحظة أهمية الاستمتاع والسعادة فيما يقومون به من الأعمال، وعلى المرء أن يكون سعيداً في كل يوم فلربما ليس هناك غد. وألا يشكوا من الماضي، ولا يقلقوا على المستقبل.
يضيف القصير: عقدت العزم هذه المرة على أن أوظف خبراتي وتجاربي خلال مشوار حياتي لما يمكن أن يكون سبباً لسعادة آلاف الأشخاص ممن غابت السعادة من حياتهم، أو ممن يظنون أنهم سعداء ولكنهم ليسوا كذلك، أو ممن ألمت بهم بعض المصائب العاطفية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وعكرت صفو حياتهم، فأصبحوا بعد ذلك يعيشون ولا يستمتعون بالحياة، ويحملون -راغبين أو مكرهين- هموماً كالجبال، ولا تزورهم السعادة إلا لمماً، ولا تلوح الابتسامة على وجوههم حتى تختفي، وكأنها تشعر بالغربة وتفتقر إلى التجذر في أعماقهم.

الكاذب والمنافق

كيف يمكن للإنسان أن يستسعد، انطلاقاً من مقولة تباكوا حتى تبكوا، كيف يمكن للفرد أن يستسعد حتى يسعد، هذا سؤال أجاب عنه توفيق القصير وقال: ?بالإضافة لعوامل ومؤثرات أخرى تتفاعل في داخل الإنسان فإني أود التركيز على الرضا، فالرضا هي حالة روحانية بالغة التسامي، وضاربة عمقاً في السعادة والهدوء والطمأنينة. والرضا عكس الإحباط والسخط وانسداد الأفق، والإنسان الراضي هو إنسان مبتهج في حياته، لا يعرف الحزن ولا الكآبة والبؤس، والإنسان الراضي بحياته إنسان توازنت لديه قوى ومحركات السعادة الجسدية والعقلية والروحية وتم انسجامها وتناغمها، والذي امتلأ قلبه رضا هو إنسان غمر الحب والطمأنينة والقناعة قلبه وتفكيره، فأصبح سعيداً في أعماقه، بادي الابتسامة متهلل الأسارير، لا يمكن للإنسان الكاذب أو المنافق أو النمام أو الحاسد أو البخيل أو الجبان أو المادي أو الظالم أو المتشائم أو المعتدي أن يكون إنساناً راضياً سعيداً هانئاً.
والرضا صفة امتاز بها الأنبياء والقديسون وبعض العابدين والزهاد، أو من وهبه الله نعمة التأمل والخشوع الحق في صلاته وفي نظرته لما أفاء الله عليه من نعم وخيرات.
ولو فكر الإنسان بصورة متعمقة، لوجد أنه محظوظ ومحمي وسخرت له الكثير من النعم، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار} (إبراهيم- آية 32)، وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النحل-12)، وكذلك {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية- آية 13).
فالهواء والماء والنبات والحيوان كلها نعم مسخرة للإنسان وإسعاده ورفاهيته، فنعمة الرضا نعمة عظيمة منّ الله بها على الإنسان، ففاض عليه هذا الرضا سعادة ونوراً وبهجةً وسروراً.?

تمارين نفسية

كيف يمكن للإنسان تحقيق سعادة نفسه؟ أو ما هي التمارين النفسية التي يجب أن ينهجها يومياً ليسعد؟ أجاب القصير: إنه من حسن الحظ، ومن فضل الله على الإنسان، أن جعل له الخيار والقدرة على التأثير في دوافعه وسلوكه، وحتى في إمكانية تواصله الحثيث مع الطاقة الكونية، ومع طاقة الأرض، ولذا نفهم الآن قوله تعالى: ?{?وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد- آية 10)، وهما طريق الصلاح والسعادة، وطريق الفساد والتعاسة، وهذه تعتبر ميزة خص الله بها الإنسان، ورفع فيها من قدره، وأعطاه خيرات عظيمة منها حرية الاختيار، والقدرة على تغيير العناصر المؤثرة في سعادته سواء من داخله، أو من خارجه، قال تعالى { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} (الإسراء- آية 70). وهذه ميزة لم تمنح لأية مخلوقات أخرى.
وفي مجال اقتراح تمارين يقوم بها الإنسان لاكتساب السعادة المفقودة، أو لزيادة ما يتمتع به من السعادة والبهجة والسرور، فإننا سنركز على منظومة السلوك، فهي أيسر وأسرع في إحداث التغيير الإيجابي المطلوب، ونحن مطمئنون بأن أي تأثير يطرأ على أسطوانة السلوك الطيفية فإنه سيؤثر على منظومة الدوافع في أسطوانة الدوافع الطيفية بصورة غير مباشرة، وذلك من خلال الحث الكهرومغناطيسي نتيجة للدوران المتعاكس للاسطوانتين المحوريتين، ولا ننسى أن أصل الأسطوانة هو مثلث وبمقدار تغيير أطوال أضلاعه فإن الدائرة الناتجة عن دورانه ستكبر أيضاً، وهذا سيؤثر حتماً في مثلث ودائرة وأسطوانة الدوافع بصورة متزامنة، ولكي تكون التمارين قابلة للتطبيق لمن يريد أن يغير من حالته، فإن الكتاب اتبع أسلوب الأمثلة البسيطة القابلة للتطبيق.

سر السعادة

هل السعادة يمكن أن يكتسبها الإنسان من خلال ترويض النفس على الرضا مثلاً والقناعة والحب وتنظيف القلب من الغل والحقد؟ يجيب عن ذلك القصير ويقول: إني أذهب في نظريتي لتحقيق السعادة، كما ورد في الكتاب، إلى أن الرضا هو أكبر نعمة للإنسان، وعليه أن يعمل على تحصيلها وتحقيقها في أعماقه وفي روحه. والرضا يحتاج إلى الكثير من التحرر من الأفكار السالبة والطموح المادي الجامح، والنظر دائماً إلى ما في أيدي الغير، أو إلى ما يتمتع به الآخرون من جمال أو ذكاء أو ثراء أو وجاهة أو أبناء، أو غير ذلك، بل على الإنسان أن يتحسس بكل جوارحه، ويقدر ما لديه من نعم عديدة مقارنة بغيره ممن هم أقل منه نصيباً أو حظاً، فنعمة الصحة والإبصار والسمع واللمس والتذوق والشم، ونعمة تكامل الأعضاء والقدرة على الكلام والمشي، كلها نعم عظيمة، ونعمة الأمن والاستقرار، ووجود المسكن، وتوفر الملبس والماء والطعام، والقدرة على النوم من دون مسكنات، ووجود الزوجة أوالأبناء والإخوان والأخوات والوالدين والأقرباء، ووجود مجتمعات متحابة، هذه كلها نعم عظيمة عند مقارنتها بمن يفتقدها أو يتوق إليها ولا يجدها.

مناعة من الإحباط واليأس

كيف يُكّون الفرد السعيد مناعة من الإحباط واليأس؟ يقول عن ذلك توفيق القصير: إن الشخص السعيد داخلياً، تتكامل وتنشط لديه محركات مثلثي الدوافع والسلوك التي تؤدي إلى دوران مثلثي الدوافع والسلوك بسرعة جيدة ما يكون دوائر وبعد ذلك ينشأ ما يسمى باسطوانتي الدوافع والسلوك- كما شرحتها في الفصول الأولى في كتابي “فن الاستمتاع، كيف تكون سعيداً وناجحاً وقوياً”.

تنبع من الداخل

هل هناك اختلاف بين من يخلق السعادة الخارجية والسعادة الداخلية الصادرة من الأعماق، وما هي الأطول عمراً؟ يجيب توفيق القصير ويقول: نعم هناك اختلاف شاسع وجوهري، فالسعادة لم ولن تكون في يوم من الأيام ولا في عصر من العصور نابعة من خارج الإنسان أو مصنوعة لأسباب خارجية، نعم قد تمر على الإنسان موجة من الفرح، والغبطة أو الزهو أو الانتعاش نتيجة لحدث خارجي، مثل حصوله على وظيفة، أو ارتدائه لبدلة جميلة، أو تملكه لسيارة فاخرة، أو حصوله على فيلا غناء، أو كسبه لمبلغ كبير من المال أو ظهوره في الإعلام، أو إعجاب الناس والمشاهدين أو المستمعين به وانبهارهم بوسامته أو أناقته، أو افتتانهم بصورته وحسن أدائه، ولكن السعادة الغامرة والحقيقة والتي تبقى مع الإنسان حينما يكون وحيداً في غرفته، أو نائماً على سريره أو مسترخياً على أريكته، هي السعادة التي تنطلق من أعماقه ومن داخل ذاته.

دفق للطاقة الإيجابية

هل الهالات المحيطة بكل فرد لها ألوان مثلاً تعكس صفاء القلب وحسن السريرة؟ يقول عن ذلك القصير: بالتأكيد، فالإنسان الراضي إنسان ذو طاقة إيجابية عالية، وله هالات كبيرة وناصعة وزاهية الألوان، وهي حتماً تعكس صفاء القلب وحسن السريرة، ولها تأثير على الغير إن خالطوه أو تحدثوا معه أو حتى جالسوه دون أن يتحدثوا معه، فهو بفضل ما يتمتع به من صفاء في الوجه، وعمق في الابتسامة، وتدفق إيجابي للطاقة، فإنه ينقل إلى الآخرين الكثير من المشاعر الإيجابية التي تساعدهم على الانتعاش والسعادة والهدوء.? يقال إنه يجب ألا نمشي وراء أي شخص لأن الهالة المحيطة بأي إنسان تنسحب وراءه وتؤثر على من خلفه، هل هذا صحيح، وإن كان كذلك، بماذا تنصح؟ ينصح القصير ويقول: هذا صحيح، فعلينا قدر الاستطاعة الحرص على تجنب مجالسة ومخالطة الأشخاص ذوي الهالات السالبة والتي يمكن التعرف إليها من سلوك الإنسان الخارجي غالباً مثل سرعة الغضب، وإظهار الكراهية للآخرين، أوالحقد والرغبة الدائمة في الانتقام ممن يختلف معه أو يعارضه.

اقرأ أيضا