هدى جاسم ووكالات (بغداد)

أعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي عزمه على الاستقالة بعيد دعوة المرجعية الدينية العليا في العراق، علي السيستاني، أمس في خطبة الجمعة، مجلس النواب العراقي إلى سحب الثقة من الحكومة غداة أحد الأيام الأكثر دموية في حركة الاحتجاج المستمرة منذ شهرين.
وتمثل الخطوة أحدث منعطف في أزمة غير مسبوقة بالبلد، الذي تطحنه الحرب والذي يحاول جاهداً التعافي من آثار عقود من الصراع والاضطرابات والعقوبات.
وقال بيان بتوقيع عبدالمهدي، أمس: «إنه سيقدم استقالته للبرلمان بحيث يتسنى للنواب اختيار حكومة جديدة»، مشيرا إلى أن قراره جاء استجابة لدعوة لتغيير القيادة التي أطلقها السيستاني، لتصبح الكرة الآن في ملعب البرلمان.
ولم يوضح البيان متى سيستقيل عبدالمهدي. ومن المقرر أن يعقد البرلمان جلسة طارئة غداً لمناقشة الأزمة.
وبدا واضحاً للمرة الأولى، دعم المرجع السيستاني للاحتجاجات الغاضبة في الشارع العراقي، التي تدعو منذ الأول من أكتوبر، إلى «إقالة الحكومة» وتغيير الطبقة السياسية التي تسيطر على العراق منذ 16 عاماً، مع اتهامها بالفساد وهدر ثروات هذا البلد.

إعادة النظر
وقال السيستاني في خطبة الجمعة، التي تلاها ممثله أحمد الصافي في كربلاء: «إن مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة مدعوّ إلى إعادة النظر في خياراته بهذا الشأن ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائه، وتفادي انزلاقه إلى دوامة العنف والفوضى والخراب».
وبعد ساعات، أعلن عبدالمهدي، البالغ من العمر 77 عاماً، والذي تولى منصبه منذ أكثر من عام، عزمه على الاستقالة، وقال في بيان «سأرفع إلى مجلس النواب الموقر الكتاب الرسمي بطلب الاستقالة من رئاسة الحكومة الحالية ليتسنى للمجلس إعادة النظر في خياراته».
وعلى الفور، هتف متظاهرون في ساحة التحرير بوسط بغداد، معبرين عن فرحهم بهذه الخطوة التي تندرج في إطار مطالبهم ب«إسقاط الحكومة» وتغيير القادة السياسيين. وتخلى الشباب عن الحجارة التي يدافعون بها عن أنفسهم لينخرطوا في الرقص فرحاً بالخبر.
وقال أحد المتظاهرين: «هذا أول نصر لنا، وستكون هناك انتصارات أخرى على الآخرين».
وأضاف، وسط هتافات وأبواق عربات «التوك توك» ثلاثية العجلات التي باتت رمز الاحتجاجات في بغداد: «إنه انتصار كذلك للشهداء الذين سقطوا» خلال الاحتجاجات. ويقدر عدد هؤلاء بأكثر من 400 عراقي منذ الأول من أكتوبر، إضافة إلى آلاف المصابين والمعوقين، بحسب مصادر طبية وأمنية.
ومن غير المرجح أن تحد الخطوة الـتي اتخذها رئيس الوزراء من موجة العنف التي تضرب مناطق جنوب العراق، حيث التقاليد العشائرية، بعد مقتل وجرح عدد كبير من أبناء تلك العشائر.

ترحيب واسع
وفي مدينة الديوانية، جنوب البلاد، حيث أقيم تشييع رمزي تكريماً لـ 46 متظاهراً قتلوا، أمس الأول، بالرصاص في مدن متفرقة من البلاد، أعرب متظاهر عن سعادته، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «مشكلتنا ليست رئيس الوزراء فقط، ونريد أن ترحل جميع الأحزاب»، في إشارة لفشل السياسيين في إدارة البلاد، وما ترتب على ذلك من سوء الخدمات وفساد وارتفاع معدلات البطالة في العراق الذي يعتبر بين أغنى دول العالم بالنفط.
وقال المحامي سجاد حسين، البالغ من العمر 35 عاماً، متحدثاً من ساحة التظاهر وسط مدينة الكوت، جنوب بغداد: «إن هذه الاستقالة بداية لتنفيذ مطالب المحتجين، وانطلاقة لتصحيح مسار العملية السياسية وحقن الدماء».
وذكر المتظاهر علي حسين من ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية، جنوب بغداد، أن «هذه خطوة مهمة رغم كونها متأخرة، وبعد أيام دموية، خصوصاً هنا في الناصرية».
ورحبت جهات بينها كتل سياسية بالدعوة التي كان أطلقها المرجع الديني.
ورغم قمع التظاهرات، يواصل المحتجون التمسك بمطالبهم ب«إسقاط النظام» السياسي، الذي شكله الأميركيون بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003.
وأدى العصيان المدني والاحتجاجات إلى إغلاق مؤسسات حكومية ومدارس ومقار مختلفة في عدد كبير من المدن وخصوصاً في جنوب العراق، حيث يعيش واحد من كل خمسة أشخاص تحت خط الفقر رغم الثروة النفطية الهائلة.
وتعاني البنى التحتية في العراق من الترهل ولم يتم أبداً تجديدها في وقت تبخر في 16 سنة ضعفاً الناتج الإجمالي في جيوب سياسيين ومستثمرين مشبوهين.
ولم يتمكن المتظاهرون حتى الآن من الوصول إلى حقول النفط، التي تمثل مصدر الدخل الرئيسي وتشكل 90 في المئة من موازنة العراق المثقل بالديون.

مشاورات لترشيح شخصية تكنوقراط لخلافة عبد المهدي
أفاد مصدر من كتلة «سائرون»، وهي الأكبر في مجلس النواب العراقي، بأن اجتماعات جارية لترشيح شخصية «تكنوقراط» لقيادة الحكومة المقبلة، بعد إعلان رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي أنه سيرفع استقالته للبرلمان.
وشدد المصدر على أنه يجب أن يكون هناك توافق بين الأطراف العراقية كافة حول شخص رئيس الحكومة. وكشف عن أن هناك «مشاورات الآن مع الكتل الأخرى حول خارطة الطريق للمرحلة المقبلة».
وفاز تحالف «سائرون» بالانتخابات التشريعية التي جرت في مايو 2018، مع نيله 54 مقعداً في البرلمان.
من جانبه، دعا تحالف الفتح، بزعامة هادي العامري البرلمان للمضي بإجراء التغيير اللازم من أجل حفظ الوطن.
وأكد تحالف الفتح، الذي يشكل مع كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي، أنه «استجابة لتوجهات المرجعية الدينية العليا بزعامة علي السيستاني يعلن تحالف الفتح وبالتشاور مع الكتل السياسية في مجلس النواب المضي في إجراء التغيير اللازم، الذي فيه مصلحة العراق وحفظ الوطن من مؤمرات الأعداء وفوضى العابثين».
وحث البيان مجلس النواب على الإسراع في تشريع قانوني الانتخابات والمفوضية وجميع القوانين المتعلقة بتحقيق الإصلاحات المنشودة.
إلى ذلك، دعا مقتدى الصدر، «رئيس الوزراء العراقي الجديد» لاختبار حكومته بعيداً عن الأحزاب والتكتلات والمليشيات والمحاصصات الطائفية.
وقال الصدر في بيان: «إن استقالة رئيس الحكومة هي أول ثمار الثورة وليس آخرها، وإن استقالته لا تعني نهاية الفساد».
وأضاف: «أقترح أن يكون ترشيح رئيس الوزراء خلال استفتاء شعبي على خمسة مرشحين».
ودعا الصدر المتظاهرين إلى «الاستمرار بالتظاهر السلمي وعدم التراجع، ونرجو من الدول الصديقة وغيرها إعطاء الفرصة للعراقيين بتقرير مصيرهم».
وفي هذه الأثناء، دعا رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، الكتل البرلمانية والقادة السياسيين إلى تقديم مرشح بديل لمنصب رئيس الوزراء يمتاز بالقوة والإخلاص والمهنية والنزاهة.
وحذر المالكي في بيان، من أنه «حرصاً على أن لا تتفاقم الأمور وتصل إلى الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي الذي نكاد نلمس بداياته، فإننا ندعو مجلس النواب إلى الانعقاد الفوري واتخاذ الخطوات الدستورية اللازمة لإيجاد البديل الحكومي الذي يلبي الطموح الوطني».
كما دعا البيان «الكتل البرلمانية والقادة السياسيين إلى تقديم مرشح بديل لمنصب رئيس الوزراء يمتاز بالقوة والإخلاص والمهنية والنزاهة، يحوز على رضا الجميع ويؤيده الطيف السياسي والاجتماعي الواسع بغالبية مكوناته، ليشكل حكومة قوية تنهض بأعباء المرحلة وتستجيب لمتطلباتها».