الأربعاء 17 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

فتاة العرب.. الفكر في صور الشعر

فتاة العرب.. الفكر في صور الشعر
27 أكتوبر 2010 20:44
أقلام نسائية إماراتية (18) تحتل الكتابة النسوية مكانة استثنائية في المشهد الثقافي الإماراتي. فهي غنية بأقلامها واسمائها. مبادرة في موضوعاتها. غزيرة في انتاجها. متنوعة في إبداعاتها ما بين الشعر والقصة والرواية والريشة. هنا إطلالات على “نصف” المشهد الثقافي الإماراتي، لا تدعي الدقة والكمال، ولكنها ضرورية كمدخل للاسترجاع والقراءة المتجددة. الشاعرة الإماراتية الملقبة بـ”فتاة العرب” التي عرفت بأنها أهم شاعرة شعبية معاصرة في الإمارات، هي عوشة بنت خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي، من رواد الشعر النبطي الإماراتي، ولدت في العين وسكنت في مدينة أبوظبي، ثم أقامت بعد ذلك في إمارة دبي، وكانت تعرف فيما مضى بـ”فتاة الخليج”، وقد اختار لها لقب “فتاة العرب” صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بعد أن قام بتكريمها وتقليدها وسام إمارة الشعر في عالم الشعر الشعبي عام 1989، وكان سموه قبل ذلك وإعجاباً منه بموهبتها المتدفقة وأسلوبها المتميز، قد أرسل لها ديواناً شعرياً كتب على صفحته الأولى إهداء بالأبيات الشعرية التالية: أرسلت لك ديوان يا عالي الشان ديوان فيه من المثايل سددها يحوي على الأمثال من كمل من زان ومن كل در في عقوده نضدها فتاة العرب وانتوا لها خير عنوان ومن غيركم بقصد معاني نشدها وفي هذا السياق (المردات) فقد شاكاها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” في إحدى قصائده، التي أوضح لها من خلالها أنها ركن من أركان الشعر بقوله: باركن عود الهوى وفنه شاقني جيلك بالوصافي طيف رويا لي امشجنه شط بك وألحقك لتلافي نجحت “فتاة العرب” خلال مسيرتها الطويلة في إغناء ديوان الشعر النبطي بمئات القصائد التي تتضمن صوراً فنية رائعة، وصفاء شعرياً جميلًا، وثراء نواحي العاطفة الإنسانية والوطنية، وخصوصاً في قصائد لها مثل: كم سجَل التاريخ، قلبي يرفض الطوع، غرمي هواكم، ملاك في الحسن والنوم، إضافة إلى اهتمامها بالوسائل المجازية في التصوير الشعري، وكذلك “المردَات” في قصيدة نبطية تتمتع بالنبل والمعنى الإنساني الجميل، وتبدو (المشاكاة) أو (قصيدة المردة) واحدة من مميزات أسلوبها، ومن ذلك ردها على بعض قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وردها على قصيدة “الشيخة صنعاء بنت مانع المكتوم”، وردها على قصيدة الشاعر “عمير بن راشد آل عفيشة الهاجري”. من ذلك نكاد القول إن “فتاة العرب” هي الشاعرة الوحيدة التي برزت خلال القرن الماضي كصوت نسائي له هويته وخصوصيته، بعد التجربة الوحيدة لـ(فتاة الحي) التي عاشت قبل ما يقارب 400 عام في إمارة رأس الخيمة. اعتزلت فتاة العرب نظم الشعر في أواخر التسعينيات، وبقيت تروي أشعارها في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. كتب الناقد والباحث خالد البدور في مقالة له بعنوان “الصورة في شعر فتاة العرب” بقوله: “عند النظر إلى الصورة الفنية في شعر فتاة العرب سنجد أنها ذات خصائص مميزة وغير مكررة عند غيرها من الشعراء والشاعرات. وأهم ما يميز قصائدها هي تلك القدرة العالية في استخدام الرموز المادية الخارجية بشكل دقيق في نسيج قصائدها، إنها تلجأ الى الوسائل المجازية في التصوير الشعري، وتبدع صورة مليئة بالحيوية والحركة”. البوح العذب تجد في قصيدة وأسلوبية فتاة العرب عنصرين مهمين غير ما تحدث عنه الناقد خالد البدور وهما: التشخيص كعنصر فني يعطي القصيدة أبعاداً جديدة، بمعنى آخر، أنها تقدم عبر قصيدتها “صورة لها أفكار” مبنية على أطر البيئة والمكان والعادات والتقاليد وروح حياة وثقافة البادية، ومن ذلك ما نجده في مطلع هذه القصيدة: مطرها من مخايلها هطولي تشيع بروقها مثل الصرايا بزافن رعدها برق شعولي وتسمع له دويَ في الخفايا يبدو لنا عنصر “التشخيص” واضحاً، من خلال استخدامات بلاغية في غاية الدقة والمهارة، فاستخدام المطر ورسم لوحة تشع منها الأنوار، وكأن القصيدة هنا أشبه بقصة قصيرة ، بالإضافة إلى (ذات الشاعرة) التي تأخذنا عبر صورها إلى صوت البرق وهو يتحول إلى دوي، أي في داخل روح الشاعرة. أما العنصر الثاني في قصيدة “فتاة العرب”، فهو الحوار الداخلي كأسلوب جديد في بناء القصيدة، على النحو الذي وجدناه في قصائد خليل مطران ومطولاته الشعرية ذات الإحالات التاريخية. تقول الشاعرة في مطلع إحدى قصائدها: عاد وسع الفي في عينيه ضويح لا مثيب له ولا حلف رفوق مركبي مرساي في لج غميج يا يعلَى كيف يوم الولم دوق هنا بوح تلقائي تنقله الصورة الفنية من الكلام الشفاهي إلى سحر الشعر، فكل اتساع الدنيا على الإنسان يصبح ضيقاً في عينية عندما يلفه الحزن والكرب، ولا يجد له من سند أو حليف ينتشله من بحر همَه. والبوح هنا هو حوار الذات المنهكة المتعبة، كما أن هذا الحوار ينسجم تماماً مع غنائية نمط هذه القصيدة، باعتبار أن الشاعر نفسه هو الذي يقوم بدور المحاور. صاغت “فتاة العرب” وبأسلوب عذب رقيق أكثر من مائة وخمسين قصيدة نبطية، تنوعت أغراضها ما بين المديح، وحب الوطن، والمساجلات الشعرية، وتدوين حياة البادية والصحراء والبحر، والكثير من فضاءات الأمل والفرح والحزن، على نحو ما نجده في قصائدها: أيقودني الهوى، اسم التهاني للإمارات، الصبر مرَ مذاقه، الشموت يموت، أفضيت ما يكنه الضمير، يا شوق هزَنيه هوى الشوق. وهي كما ذكر في سيرتها مولعة بقصائد وإنتاج الشعراء: ابن ظاهر الماجدي، راشد الخلاوي (شاعر الجزيرة العربية)، كما أنها متأثرة بشعر كل من أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني. أما هي فتتمتع بما يمكن تسميته بأصالة الشعر وارتقاء الذوق وسعة الخيال، وخصوبة المعاني، وكان شعارها في الكتابة النسوية أن أجمل ما تكتبه المرأة الشاعرة ما يسمو بالإحساس والذائقة وما يرتفع عن مواطن الإسفاف والتذلل، ويحفظ كرامة النفس. ولعل ذلك ما وجدناه حقيقة في كافة قصائدها، التي تحمل من المعاني الإنسانية والتعبير الصادق ما يؤكد على احترام عقلية قارئ الشعر والمتلقي بشكل عام. “فتاة العرب” التي يعدها النقاد واحدة من أهم شاعرات الخليج بعامة، والإمارات بخاصة، تتمتع بمكانة اجتماعية وأدبية، كما أن قصائدها بطبيعتها الغنائية، ذات الكلمات السلسة البسيطة، والمفعمة بالمعاني والدلالات، كانت وما زالت محط أنظار الفنانين والملحنين والمغنين، فقد قدم لها الفنان الإماراتي ميحد حمد بصوته العديد من القصائد الناجحة ومنها قصيدة بعنوان “يا عيود السحب المدنة”. وعلى المستوى الشعبي، فقد تميزت قصيدتها “قلبي يرفض الطوع” بقبول جماهيري كبير، فهي تكتب بمفردات غنية خاصة في استخدام القوافي، كما أنها متشربة باللفظة البدوية الأصيلة ذات الإيقاع الجميل والمعنى اللطيف، في خطوة تلعب فيها القصيدة من هذا النوع دورها في المحافظة على مفهوم اللهجة البدوية، ونقتطف من القصيدة: كم انعذلت وقلت ما أطيع فيكم وقلبي يرفض الطوع وان انصحوني قلت ما أشيع م الظل واتبع ظله الشوع يحلو ليه فيك التوليع لو كان مالي شي منفوع وان علت بي فالحب شفيع بيني وبينك هوب مبدوع بداية مبكرة في مسيرتها أنها بدأت بنظم الشعر وهي في الثانية عشرة من عمرها، وحول ذلك تقول: “بدأت بكتابة الشعر منذ كنت في الثانية عشرة من عمري، ولشدة عشقي للشعر فقد نظمت خلال 32 يوماً نحو 100 قصيدة نبطية. الموهبة وحدها لا تكفي لكي يكون الإنسان شاعراً، فلا بد من أن يكون الشاعر وحتى الكاتب ملماً بشؤون اللغة العربية ومفرداتها، وإلا أفسد ما قال، وأصبح قولًا، لا شعرا”. هذا القول الجزل، قد تستغرب أنه يصدر عن شاعرة لم تدخل المدرسة، لكنها وبإصرارها تعلمت القراءة والكتابة، ولم تقع عيناها على شيء إلا وحاولت التعرف إليه وفهمه، فالجميع يعلم أنه في مرحلة ما من حياة مجتمع الإمارات أن التعليم وبخاصة تعليم الفتاة كان صعباً، ومقتصراً على تعليم وحفظ القرآن الكريم. مع ذلك تمكنت من القراءة، وفهمت بذكاء، وعرفت من أصول الدين أشياء كثيرة. لقد كان بيت العائلة هو مدرستها الأولى، كونها نشأت في بيت علم وثقافة، ولم تكن المجالس في ذلك الوقت تخلو من رجال العلم والعلماء، بالإضافة إلى تشجيع الأهل، حيث لعبت هذه المظاهر دورا مهما في تثقيفها، ومن ثم صعودها نحو كتابة القصيدة، والوعي برسالتها الإنسانية بالدرجة الأولى، مما مكنها من جمع قصائدها في ديوان أسمته “ديوان فتاة العرب” الذي صدر في طبعته الأولى عام 1990، ثم ألحقته بطبعة ثانية عام 2000، والديوان من جمع وتقديم الشاعر الراحل حمد بن خليفة بو شهاب. ولها رأي خاص في الشعر الحديث تقول فيه: “أنا لا أؤمن بما يسمى بالشعر الحديث، الشعر في نظري هو الموزون المقفي، قوي الكلمات، سليم العبارة، واضح المعنى، فلقد درج المحدثون على عدم استخدام الكلمات الرصينة في اللغة العربية، واستخدموا ألفاظاً غريبة، مثل “الرموش” بدلًا من “الأهداب”، وغير ذلك من ألفاظ صعبة ومتشابكة، وغير واضحة بحجة الاتكاء على الرموز أو الدلالات”. ولدت الشاعرة في بيت يزخر بالشعر والشعراء، فوالدها في الأصل شاعر أصيل، وأبوها لأمها هو أحمد بن خلف العتيبة شاعر وتاجر لؤلؤ معروف، عاصرت مرحلة الغوص على اللؤلؤ في مجتمع الإمارات، لها قصائد أيضا في الإسلاميات، ومنها قصائد خصصت لمدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما كتبت في الهجاء والغزليات العفيفة، ومن قصائدها في باب الإسلاميات حديث عن شهر الصوم والرحمة، فتقول: شهر الرضا والصوم مجبل علينا والله يزودنا من الزاد تقواه ندية طاعة في فرح ما يجينا بالعافية والعفو والشكر للَه نحيا على الملَة وسنة نبينا ويدوم فينا الخير والأمن برضاه لي من رفعنا كفوفنا وادعينا لله وحده نرفض الشرك في دعاه وفي باب الغزليات أنشدت وأجادت بقولها: يا شوق هزنيه هوى الشوق هزيز غصن ناح لأوراق كل اغرض م الوقت ملحوق الا وصول الصاحب إشفاق قلبي الخزن الحب صندوق سيدي وفتح اقفوله إغلاق لي صاحب م الهذر مرفوق ما تابع الدلجين لاطفاق بعض قصائد فتاة العرب، أصبحت ضمناً في سياق تراث الإمارات، وكثير من أبناء منطقة الخليج يرددون شعرها، وبخاصة قصيدتها بعنوان “أيقودني الهوى” والتي غنَاها الفنان ميحد حمد، وفيها الكثير من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية النبيلة، والتوسل بصورة شعرية تسبح في نسيج من البلاغة والبيان وأطياف من الخيال العذب، والرومانسية التي جعلت من القصيدة كيانا ناميا ونابضا بالحياة: سقى الله دارنا عقب لمحولي حقوق الغيث من سحب سرايا أحياب ساقه الوسمي هملولي يعم اليود به كل النحايا عسى عشرين يوم بالكمولي وعشر أيام تتلاها وفايا مطرها من مخايلها هطولي تشبع أورقها مثل السرايا وأنا العبرات في عيني تجولي الي طرت على بالي طرايا وصلى الله على طه الرسولي محمد شافعي خير البرايا كتبت فتاة العرب قصائد في (الاجتماعيات) من خلال ما يمكن تسميته بـ (التجربة المعيشة) وهو مصطلح نقدي انتشر في ألمانيا في القرن التاسع عشر، ويشير إلى الأدب الذي يوظف التجارب الذاتية في نسج المواضيع، ومن ثم صياغتها في إطار فني، على نحو ما قرأنا لشاعر ألمانيا العظيم يوهان فولفجانج فون غوته الذي كانت تجاربه وبخاصة في روايته الشهيرة “آلام فيرتر” تشكل الملامح الكبرى لأدبه، المستلهم من تجاربه ومعاناته الشخصية. وهنا لا نضع شاعرتنا في دائرة المقارنة، بقدر ما نود الإشارة إلى أنها نجحت في استثمار آفاق تجربتها الذاتية وواقعها الاجتماعي والمعيشي اليومي في استلهام أفكار بعض قصائدها في باب الاجتماعيات، ومنها قصيدتها المشهورة بعنوان “الشموت يموت”، وهي قصيدة على بساطة فكرتها، الا أنها تعبر عن روح العصر من خلال رؤيا ذاتية، لها آفاقها الوجدانية وموقفها من الفردي من الحياة والناس وظاهرة الحسد والشماتة، والخروج عن قيم الأصالة، والمحبة، وما يرتبط بعلاقة مع الذاكرة الجمعية المتمثلة بالتراث. ونقتطف من القصيدة: يا خشيف الريم لمفلَي انت لي للصب اراحاته شوفني م الحال منسلي كالقلم تبريه امبراته شلت حمل متعب الشلي وامرحت بالحيل اقواته ان يحديه ناظري اهلي واسفحت بالدمع عبراته وان شجيته خفت المجلي تنطوي بالخبث انياته اطلب الله يوم بأصلي يستعيد الحظ ما افاته والشموت يموت المعتلي ان صفوا للحب اساداته جائزة أبوظبي ربما يكون أوضح ما في قصائد فتاة العرب في باب المساجلات أو المعارضات الشعرية، ما وقع بين فتاة العرب والشاعر القطري عمير بن راشد آل عفيشة الشهواني الهاجري (1890 ـ 1982)، كذلك مساجلاتها مع الشاعر المخضرم لحدان بن صباح الكبيسي، والشاعر أحمد بن علي الكندي، والشاعر حميد بن خرباش المنصوري وغيرهم، حيث أكدت في هذا الإطار على مقدرتها في استخدام المفردات التراثية والتشطيرات الشعرية القوية القادرة على الانفلات من سلطة الإنشاء التراثية. وقد حظيت بفضل ذلك بتكريم شعبي ورسمي، تمثل في تكريمها رسمياً في ختام الدورة الرابعة من منافسات “شاعر المليون” في مرحلتها الثانية، حيث منحت (جائزة أبوظبي)، حيث قام الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بتوزيع الجوائز في حفل خاص أقيم لتكريم الفائزين التسعة بجائزة أبوظبي في نسختها الخامسة ومنهم الشاعرة فتاة العرب، تقديراً لدورها وتأثيرها في مسيرة الحركة الشعرية النسائية في إمارة أبوظبي، كصوت شعري نسائي قوي وفعال يبرز مكانة المرأة الإماراتية في مختلف مواقعها الإبداعية ودورها المهم والمؤثر في المشهد الثقافي المحلي. وهو ما حدا بالمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” أن يمنحها شهادة التميز، كما كان لشعرها دور مهم في إبراز الهوية المحلية لإمارة أبوظبي، والتعريف بها على المستويين الخليجي والعربي، عبر توظيفها مفردات من اللهجة الإماراتية الأصيلة في قصائدها التي تتسم بالإلهام أو الانسياب التلقائي والنضوج الشعري والفكري وجزالة المعنى ورقة العاطفة والتصوير. شاعرة ابتلعت القمر في ذات السياق، تم تكريمها في سبتمبر من العام الجاري من قبل إدارة (مهرجان الشارقة للشعر الشعبي)، كما تم تكريم عدد من رواد الشعر النبطي الإماراتي ومنهم الشاعر ربيع بن ياقوت والشاعر محمد بن علي الكوس وذلك تقديراً واحتفاء واعترافاً بما قدمه أولئك المؤسسون للهوية الإماراتية الحديثة والجهد الاستثنائي الذي بذلوه لربط الصلة بين الماضي والحاضر بما يضمن استمرار روح ذلك المجتمع وقيمه العريقة. وقال الشاعر راشد شرار مدير مركز الشارقة للشعر الشعبي في مستهل حفل التكريم: “لقد كانت القصيدة الشعبية وستظل من بين كل قوالب وأنماط الأجناس الأدبية الأكثر قدرة على رصد المشاعر وترجمة الأحاسيس وصياغة التطلعات لأنها الأشد التصاقاً بنبض الناس، وهي الوثيقة المعبرة عن سرد أيامهم وذكرياتهم وتدوين تاريخهم”. جاء تكريم الشاعرة عوشة السويدي لافتاً، حينما قدمها الباحث والناقد سلطان العميمي لجمهور حفل التكريم بوصفه لها أنها الشاعرة التي ابتلعت القمر، قائلا ان ساحة الشعر النبطي في الإمارات لم تعرف شاعرة أثارت الانتباه إلى تجربتها الشعرية خلال الثلاثمائة سنة السابقة مثلما عرفت الشاعرتين: بنت الماجدي بن ظاهر، وعوشة السويدي. أضاف: تعتبر فتاة العرب الشاعرة الأكثر غزارة وعطاء في ساحة الشعر النبطي في القرن الماضي. حيث امتازت قصائدها بأسلوب خاص ومميز منذ بداياتها، واستطاعت أن تكسب في فترة قصيرة مكانة ليس من السهولة على الكثير من الشعراء الرجال اكتسابها في حينها. لقد تقلدت وسام الشعر الشعبي عام 1989، ويغلب على أسلوبها الرقة والعذوبة التي تشي بحس نسوي رهيف، ولهذا كان معظم شعرها في باب الغزل، ومن قصائدها الغزلية نقتطف: باب نسناس الهوى الدايس ريحته من نفحة اعطوره بين عاذد موز وغرايس بالندى تتفتح ازهوره جس نبضك للجسم رايس خلني للحب دختوره كم طول الليل باقيس من صنوف الحب وخطوره شط بي واضناني الهايس منك وادعى النفس مضروره بين جفني والكرى حايس يوم نوم الدلة في شوره ورغم أن معاني الغزل عند الشاعرة لم تخرج عن معانيه التقليدية المعروفة في هذا النوع من الشعر الغزلي من شكوى الفراق والهجران وتمنع المحبوب ولوعة الشوق، إلا أنها استطاعت أن تصب تلك المعاني الجميلة في قالب سلس متدفق العبارة آسر الإيقاع، في صورة لا تخلو من الطرافة واللطافة، على نحو قولها: انت لي كلك وانا كلي بينم ايمشي الهوى سيده ما نحب الحب يختلي مثل ما تبغونه انريده ذاك حكم الفن يا خلَي والهوى عسره مصاعيده منعمين ابارد الظلي يوم قلي في توجيده تقدم الشاعرة عوشة السويدي هنا صورة منطلقة نقية وتلقائية في ذات الوقت حينما يكون التعبير عن الحب والوجد إنسانيا، لهذا تحفل قصائدها الغزلية العفيفة بنوع من الأسى الغامر واللوعة الصادقة والوجد، الذي يجعلك تشفق على المحبين الذين يزحف الموت على أعمارهم وهم يعيشون تجربة الحياة بكل عنفوانها وجمالها ومرارتها أيضا في بوح تلقائي حميمي ينبع من الداخل دون تزويق أو تجميل مفتعل. وبالمقابل فان شعر فتاة العرب بوجه عام على تماس مع عناصر القصيدة النبطية، وروح العصر، إلا أنها أيضا قصيدة لا تخلو من الجرأة في الوصف، مع المحافظة على الهوية، والسعي إلى تكسير النمطية في القصيدة النبطية، لبلورة تجربة شعرية خاصة بها، صورة نابعة من الحياة وطبيعة الإنسان أولًا وأخيراً. إن الكتابة عن شعر الرواد هي تجربة محفوفة بالمخاطر، لأن هناك مشقة في العودة إلى المنجز الشعري لهؤلاء الرواد، حيث ندرة المتابعة النقدية الموضوعية لإبداعاتهم، وبخاصة البعد الشعبي في قصائدهم وكيفية توظيفه. لقد كان من الصعوبة بمكان الإحاطة الكاملة بالإنتاج الشعري للشاعرة الرائدة فتاة العرب التي صاغت قصائد كثيرة وفي أغراض شعرية عديدة، لكن كان من الأهمية أيضا متابعة إبداعها الشعري، لا سيما وأن تجربتها كانت في فترة كان يصعب على المرأة اقتحام هذا اللون من الكتابة ممثلًا بالقصيدة النبطية، ومن ثم كان مهماً إلقاء بعض الأنوار الكاشفة على تجربتها المسكونة بغنائية رائعة ومميزة استحقت في ضوئها تلك الريادة والمكانة التي وضعها فيها النقاد والمهتمين الذين وصفوها أيضاً بـ”شاعرة الإمارات”.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©