أعد الملف - بسام عبد السميع اللاجئون.. دولة بلا حدود.. ومجتمعات مكتظة انبثقت فجأة، ومحاولات التنمية في الرمال المتحركة تنتهي بمزيد من الكوارث.. وأصبح اللاجئون رمالاً متحركة تجتاح كوكب الأرض.. ونشأت دولة اللاجئين منذ الحرب العالمية الأولى لتنمو ويزداد عدد سكانها مع الحرب العالمية الثانية ويعلن قيام دولة اللاجئين مع حرب فلسطين 1948، لتتوسع دولة اللاجئين بفعل الصانعين لها إلى العالم أجمع بعدد سكان يبلغ 69 مليون نسمة منهم 10 ملايين دون جنسية، ولتكون تلك الدولة بالمرتبة الـ21 عالمياً من حيث تعداد السكان، وتضم تلك الدولة المتسارعة النمو كل الأديان والأعراق وتستحوذ الجالية العربية على النسبة الأكبر من سكان الدولة. ووصف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ورئيس مجلس حكماء المسلمين، ما يحدث للاجئين قائلاً: «إن موت الضمير العالمي سبب في المشهد الهمجي والإنساني في ميانمار، وإن كل المواثيق الدولية التي تعهدت بحماية حقوق الإنسان أصبحت حبراً على ورق، بل كذباً». وأعلن بابا الفاتيكان فرنسيس الأول للحضور في ساحة الفاتيكان، في الثالث والعشرين من مارس من العام الحالي، أن حجم مأساة اللاجئين الراهنة تفوقه الحرب العالمية الثانية فقط. وقال: «لا تدعونا ننس أن مشكلة اللاجئين والمهاجرين اليوم هي المأساة الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية». وتطرح «الاتحاد» قضية اللاجئين أو سجل العار البشري الذي لن يمحوه الزمن بحسب وصف شيخ الأزهر الشريف، من خلال مشاهدات ولقاءات داخل مخيمات اللاجئين في عدد من الدول العربية والآسيوية، تكشف حجم المأساة المروعة، مع استعراض لأزمة اللاجئين على المستوى العالمي وتاريخ نشأتها، عبر خريطة لتحركاتهم وأماكن إنتاجهم ومناطق استقبالهم والآثار الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية على الدول المضيفة للاجئين ورؤى الحل، وتقارير منظمات دولية تعمل على حماية اللاجئين ومساعدتهم على البقاء على قيد الحياة.واللاجئون هم أطفال وشيوخ وشباب ونساء وفتيات ورضع وعجزة، يموتون كل لحظة.. يرحلون عن الحياة في طرقات وغابات وأنهار ترفرف عليها أعلام الموت، وكثيرون تبتلعهم أمواج البحار، في مشهد تراجيدي مرعب يصور أخطر مأساة يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وتستضيف البلدان الفقيرة بآسيا وأفريقيا أكثر من 86% من اللاجئين. وصار الهروب من الموت إلى الموت عنواناً لحياة عشرات الملايين الهاربين حول العالم من الموت والظلم والعنف والقتل والجوع، يلقون بأنفسهم في البحار والبواخر وعبر الغابات والأسلاك الشائكة وطرقات الموت في مشاهد تقشعر منها الأبدان. وتستمر أوضاع اللاجئين في التدهور، ليسقط العالم بكفاءة واقتدار في أكبر كارثة إنسانية يشهدها كوكب الأرض وليس من رأى كمن سمع، فالمآسي الإنسانية مروعة.. والمخيمات ستنتج أجيالاً ترفد العالم بأناس قابلين للانفجار أو الانعزال ولكل مخاطره غير المعروفة. ومع أن اللاجئين ينتمون إلى أكثر من بلد عربي وأفريقي، إلا أن الأغلبية من العرب والمسلمين، وتبوأت الأزمة السورية المشهد الرئيس للكارثة الإنسانية المسماة بـ«اللاجئين»، وتلتها العراق وليبيا واليمن، فيما وصفت أزمة مسلمي الروهينجا، بالكارثة الأسرع نمواً في العالم، فضلاً عن المنسيين في السودان والنيجر ومالي ووسط أفريقيا وأوغندا ودولاً أخرى من العالم بلغت 23 دولة تنتج لاجئين.وكان للخراب العربي الذي حمل عنوان «الربيع العربي» الدور الرائد والفعال في تفاقم أزمة اللاجئين، حيث حققت المنظمات الإرهابية بمختلف مسمياتها قتلاً وتهجيراً للسكان في عدد من بلدان المنطقة بمختلف الصور والألوان.وفي وسط الخراب ينشط مجرمون آخرون يطلق عليهم مجازاً «تجار البشر»، ليجنوا مالاً وفيراً «النقود السوداء» عبر بيئة مثالية أنتجها ما أطلق عليه إعلامياً «الربيع العربي»، وذلك جراء عمليات التهريب للنازحين الذين تقطعت بهم السبل، ليصبحوا بين ليلة وضحاها فريسة أمام المافيات العالمية التي تتاجر بالبشر وتستغل معاناتهم وأوضاعهم المعيشية الصعبة، وهو ما دفع بالأوروبيين إلى زيادة ضغطهم على مهربي المهاجرين عبر البحر المتوسط باستخدام القوة في المياه الدولية قبالة ليبيا.وتتسع دائرة تفسيرات وتأويلات أسباب كارثة اللاجئين لتشمل القمع والاستبداد وتنفيذ أجندات دولية لتخريب المنطقة وظهور موارد اقتصادية في مناطق الصراع تشمل الغاز والليثيوم واليورانيوم وإشعال التطرف بين السنة والشيعة، كما في العراق ولبنان وزرع الفتنة بين المسلمين وغيرهم كما في ميانمار في جنوب شرق آسيا. وتعد تونس حالة استثنائية في ملف اللاجئين، إذ يقيم جميعهم في مساكن داخل المجتمع التونسي ويعيشون كأبناء الوطن وتختلف مشاكلهم وتحدياتهم عن إخوانهم اللاجئين في باقي أنحاء المعمورة. تدفق بشري.. 140 دقيقة ترصد الكارثة مأساة الفارين من الحروب والإرهاب في بعض دول الشرق الأوسط، يختصرها فيلم وثائقي للفنان الصيني (آي وايْوايْ)، والذي تم عرضه في دور السينما الشهر الماضي، وبعد جولة أخذت المخرج الصيني إلى مخيمات اللجوء في 23 بلداً منها لبنان والعراق والأردن، واليونان، وتركيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبنغلادش والحدود المكسيكية ـ الأميركية، وكينيا التي شهدت أوّل لجوء في تاريخ البشرية، يقول الفيلم «نحن أمام مأساة موجعة خطّتها أيادي الحرب والفقر والمجاعات والاضطهاد العرقي والديني». تسجيل وملاحقة السيل البشري المتحرك مختصراً في 140 دقيقة، أراد خلالها المخرج الصيني مراقبة هذا التدفق البشري من دون توجيه. يقود تحركات عالمية لوقف الإبادة الجماعية في ميانمار الأزهر: المواثيق الدولية لحماية الإنسان أصبحت كذباً أبوظبي (الاتحاد) قال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين: «إن موت الضمير العالمي هو سبب في المشهد الهمجي والإنساني في ميانمار، وإن كل المواثيق الدولية التي تعهدت بحماية حقوق الإنسان أصبحت حبراً على ورق، بل كذباً»، مشيراً في بيان أصدره في سبتمبر من العام الحالي، أن الأزهر سيقود تحركات إنسانيةً على المستوى العربي والإسلامي والدولي لوقف المجازر وأعمال الإبادة الجماعية ضد مسلمي الروهينجا الذين يتعرضون لهجمات وحشية بربرية لم تعرفها البشرية من قبل، وسوف تسجل سجلاً من العار في تاريخ ميانمار لا يمحوه الزمن». وبدأ الأزهر أمس حملة إغاثة إلى لاجيء الروهينجا في بنجلاديش ، مطالباً وداعياً إلى إعادة مسلمي الروهينجا إلى بلادهم وأنه سيعمل خلال الفترة المقبلة على تحقيق ذلك بأسرع وقت. وأطلق شيخ الأزهر «صرخة إنسانية» مدوية للمطالبة بوقف سياسة التمييز العنصري والديني بين المواطنين، معرباً عن أسفه للموقف المتناقض لمن يحمل جائزة نُوبل للسلام بإحدى يديه، في إشارة إلى رئيسة الوزراء أونج سان سو كي، ويبارك باليد الأخرى الجرائم التي تضع «السلام» في مهب الريح. وقال الشيخ أحمد الطيب: «نحن على يقين من أن هذه المنظمات العالمية كانت ستتخذ موقفاً آخر مختلفاً، قويّاً وسريعاً، لو أن هذه الفئة من المواطنين كانت يهودية أو مسيحية أو بوذية أو من أتباع أي دين أو ملة غير الإسلام». الفاتيكان: مأساة اللاجئين لا يفوقها إلا الحرب العالمية الثانية أعلن بابا الفاتيكان فرنسيس الأول للحضور في ساحة الفاتيكان، في الثالث والعشرين من مارس من العام الحالي، أن حجم مأساة اللاجئين الراهنة تفوقه الحرب العالمية الثانية فقط. وقال: «دعونا لا ننس أن مشكلة اللاجئين والمهاجرين اليوم هي المأساة الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية» وكان الاتحاد الأوروبي أوقف تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط، بعدما وصلت الأزمة إلى ذروتها عام 2015، ولكن القضية لا تزال مصدراً للاستياء في أنحاء أوروبا، ويشار إلى أن أكثر من 1.5 مليون لاجئ تدفقوا إلى أوروبا عبر طرق مختلفة، في المقام الأول عبر البحر المتوسط، وتحديداً من دول شمال أفريقيا التي تعد بوابة للهجرة إلى أوروبا. «مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة» لـ«الاتحاد»: 69 مليون لاجئ ونازح في العالم بنهاية 2017 أبوظبي (الاتحاد) توقعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، ارتفاع عدد اللاجئين والنازحين والمهجرين قسراً بنهاية العام 2017 إلى 68.8 مليون شخص، بزيادة 2.3 مليون شخص خلال العام الجاري، مقابل 65.6 مليون نسمة بنهاية العام الماضي. وقالت المفوضية: «تشير آخر الإحصائيات الواردة في تقرير اتجاهات العالمية لحالات اللجوء والنزوح حول العالم بوجود 65.6 مليون شخص من اللاجئين والمهجرين قسراً حول العالم في نهاية عام 2016، مقسمين بين 40.3 مليون نازح بنسبة 55.7% من إجمالي النازحين واللاجئين والمهجرين قسراً، وحوالي 22.5 مليون لاجئ يشكلون نسبة 34.3%، منهم 5.3 مليون لاجئ فلسطيني مسجلون لدى الأونروا، فيما بلغ عدد طالبي اللجوء 2.8 مليون طالب لجوء، بنسبة 4.3%». وأوضحت المفوضية في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد»، أن أماكن وجود اللاجئين والمهجرين قسراً تتوزع في كل أنحاء العالم، إلا أن العدد الأكبر منهم يوجدون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتستضيف الدول النامية 86% من اللاجئين في العالم، يقعون تحت وصاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأشارت المفوضية الأممية إلى أنه لا يوجد عدد محدد للمخيمات التي تشرف عليها المفوضية، إذ إن المفوضية تلجأ للمخيمات كحل أخير لإيواء اللاجئين، موضحة أنها تفضل أن يعيش اللاجئون حياة طبيعية تماثل أوضاعهم قبل اللجوء في التجمعات الحضرية، بشكل متكامل مع المجتمع المضيف. وبحسب الإحصائيات المتوفرة لدى المفوضية، فإن ما يزيد على 60% من اللاجئين و80% من النازحين حول العالم يعيشون خارج المخيمات. وبحسب تقرير اتجاهات العالمية لحالات اللجوء والنزوح حول العالم لعام 2016، فإن الدول الثلاث الأكثر تصديراً للاجئين هي سوريا (5.5 مليون لاجئ)، تليها أفغانستان (2.5 مليون لاجئ)، ثم جنوب السودان (1.4 مليون لاجئ)، وأما أقل الدول تصديراً للاجئين فهي البرتغال، هونغ كونغ والصين (هناك خمسة لاجئين مسجلين من كل من هذه الدول لدى المفوضية). وتعتبر تركيا الدولة الأكثر استقبالاً للاجئين في العالم، حيث يوجد على أراضيها قرابة ثلاثة ملايين شخص من اللاجئين وطالبي اللجوء، وأما فيجي وغويانا فهي أقل الدول المستقبلة للاجئين حول العالم (7 لاجئين في كل منهما). وحول حجم التمويل الذي تحصل عليه المفوضية سنوياً، أفادت المفوضية بأن التمويل الذي تطلبه المفوضية سنوياً يتغير بحسب الاحتياجات التي تتزايد عاماً بعد عام، كما يتغير مقدار الدعم الذي تقدمه الدول والجهات المانحة للمفوضية سنوياً. وقالت: «تحصل المفوضية على تمويلها بالكامل تقريباً من المساهمات الطوعية &ndash منها ما نسبته 86% من الحكومات والاتحاد الأوروبي، فيما تحصل على 6% من التمويل من قِبل منظمات حكومية دولية أُخرى وآليات التمويل الجماعي، وكذلك 6% من القطاع الخاص، بما في ذلك المؤسسات والشركات والأفراد». وأضافت: «غالباً ما يكون الفارق كبيراً ما بين الميزانية المطلوبة لتلبية احتياجات الأشخاص المهجرين قسراً وبين التمويل المتوفّر، ففي عام 2016 على سبيل المثال، وصلت الميزانية السنوية إلى 7.5 مليار دولار أميركي، في حين بلغ التمويل المتوفر 4.4 مليار دولار أميركي، أي بمعدل أقل من 60%». وتعمل المفوضية في 130 دولة حول العالم، ولديها ما يقرب من 11 ألف موظف حول العالم، يعمل الغالبية العظمى منهم 87% منهم في الميدان. لاجئون يبثون الأمل ويشيعون ومضات نور في ظلام حالك مازال هناك بصيص أمل رغم جميع المآسي التي يعيشها اللاجئون حول العالم، عبر ومضات نور في ظلام حالك يلف الكون، فقد استطاع أفراد قليلون جداً التأقلم مع الدول المستضيفة والاعتماد على أنفسهم وتنفيذ مشاريعهم الخاصة التي وفرت لهم رغد العيش في ظل ظروف اللجوء والاغتراب. نموذجان ناجحان لمشروعين تابعين للاجئين سوريين في تونس، أحدهما صالون حلاقة والآخر مطعم يمتاز بتقديم الشاورما والمشويات السورية الشهيرة بمذاقها الطيب يدعى (زين الشام). وأكد القائمون على المشروعين، أنهم في البداية احتاجوا لمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولكنهم فضلوا أن يكملوا طريقهم بأنفسهم للبحث عن حل دائم وليس مساعدات متقطعة من الجمعيات الإنسانية، مؤكدين أن الحل الأفضل للاجئين أن يعتمدوا على أنفسهم في البلد المستضيف. وقال محيي الدين محمد، صاحب صالون الحلاقة في تونس: «إنه فر من سوريا في عام 2012 إلى الجزائر، ومنها إلى تونس، حيث عمل في البداية بالأجرة اليومية إلى أن تمكن من تأسيس مشروع الصالون منذ خمسة أشهر»، معرباً عن سعادته بالإقبال الجيد على الصالون»، مشيراً إلى أن هذه كانت مهنته في سوريا، حيث كان يمتلك هناك صالونه الخاص. وأضاف، أنه كان يعتقد في بداية الرحلة، أن الوجود في بلد اللجوء لن يطول، وأنه سيستغرق أشهراً معدودة، لذلك ذهب بمفرده حتى لا يعرض أسرته لشقاء رحلة اللجوء، وهو الأمر الذي جعله يعمل بنظام «اليومية»، ولكن بعد مرور سنوات عدة على الأزمة السورية، تأكد أن الحل في أن يكون له مشروعه الخاص، لاسيما في مهنة يجيدها ويعمل بها طوال عمره. وأشار محمد إلى أن المجتمع التونسي يعامل اللاجئين برحابة صدر ولا يجد أي تمييز في المعاملة، مبيناً أن زبائنه من السوريين اللاجئين ومن التونسيين كذلك. بدورهم، قال طارق ورأفت ومازن، مؤسسو مطعم زين الشام، إنهم وجدوا في تونس بيتهم الثاني الذي رحب بهم واحتواهم منذ بداية لجوئهم، الأمر الذي شجعه هو ونسيبه وقريبه على التشارك في إنشاء المطعم الذي يقدم الشاورما والمشويات الشامية. وأوضحوا أن المطبخ السوري شهير ومطلوب عالمياً، وهو الأمر الذي جعل «مطعمنا ناجحاً وعليه إقبال من التونسيين وغيرهم»، مؤكداً أن اللاجئ إما أن يختار طريق اليأس والاعتماد طوال عمره على الجمعيات الخيرية والإنسانية أو أن يقف على رجله ويقوم بمشروعه الخاص ويكسب رزقه.