الاتحاد

ثقافة

أمبيرتو إيكو.. لا ورد يكفي لهذا الرحيل!

أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو

أبوظبي (الاتحاد)

برحيله لا نفقد فقط كاتباً رائعاً كان مقاله يصافح أعيننا بين الخميس والخميس، لكننا فقدنا أيضاً واحداً من أجمل كتابنا في «الاتحاد الثقافي»، المشاغب الجميل، الذي مضى قبل أن يرسل لنا آخر مقالاته.. لكنه سيظل قابعاً هناك.. في أعلى الصفحة الأخيرة يرمقنا بنظرته الخارقة، التي تعرف كيف تفكك كل ظاهرة لتستخرج مكنونها..
في رحيل أمبيرتو إيكو لا ينفع الكلام المعتاد عن الموت.. تسقط العبارة في مألوفية سمجة. فمثله لا يرحلون، وإن فعلوا لا يعرفون الغياب.. هم يعرفون فقط كيف ينسجون شرانق أحلامهم ويدخلوننا فيها.. بوعي وحنكة لا تملك اللغة أمامها إلا الصمت.. ما من وداع هنا.. ما من ورد يكفي لهذا الرحيل...
ها هي المهنة تضطرنا مرة أخرى، لنكتب الخبر التقليدي لوفاته، ونعدد مع رفاق المهنة في كل مكان مآثر الرجل ومكانته وآثاره التي بقيت لنا...
رحل أمبيرتو إيكو، في منزله في ميلانو الإيطالية بعد معاناة مع مرض السرطان، وفق ما ذكرت وكالات الأنباء العالمية. في الرابعة والثمانين لم يذهب صاحب «اسم الوردة» فارغاً ولا عارياً من دفق حياة طويلة عاشها بحق. حمل معه الكثير من الورد وذهب في نزهته الاخيرة ليس في غابة السرد الادبي هذه المرة بل إلى غابة تسرد حضور الموت.
دخل إيكو حقل الكتابة متأخراً جداً، لكنه كان على ما يبدو كان يختزن كل رحيقه الأربعيني لباكورة رواياته «اسم الوردة» التي بيع منها ملايين النسخ حول العالم وترجمت إلى 43 لغة. أما سبب تأخره فهو، كما قال مرة، لأنه «يعتبر كتابة الروايات كلعبة أطفال لم يكن يأخذها على محمل الجد».
وبعد رواية «اسم الوردة»، أصدر أمبيرتو إيكو روايات: «رقاص فوكو» و«جزيرة اليوم السابق» و«الشعلة الغامضة للملكة لوانا». أما آخر رواياته فهي «العدد صفر» وهي قصة مغامرات معاصرة تتركز حول عالم الصحافة.


غياب آخر المثقفين الموسوعيين
عصام أبو القاسم

شكّل الفيلسوف والروائي والباحث الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو ظاهرة لافتة في المشهد الأدبي العالمي ليس فقط بإنتاجيته العالية في حقول السرد المختلفة، هو الذي انخرط متأخراً في هذا المجال، ولكن أيضا بعمق رؤاه وأفكاره وتفانيه الشديد في القراءة والكتابة معاً. في الرواية كما في النقد والفلسفة وحتى تحليل الظواهر الاجتماعية أظهر إيكو دائماً حضوراً نشطاً وتفاعلاً بناءً، سواء تعلق الأمر بالحاضر أو بالماضي السحيق.
في الرواية، وعبر أعمال مثل: اسم الوردة، التي نشرت 1979 ومثلت منعطفاً في حياته، فانتقل من الدائرة الأكاديمية الصغيرة إلى جميع أنحاء العالم، وثمة «جزيرة اليوم السابق»، و«بادلينو»، و«مقبرة براغ»، و«بندول فوكو»، وسواها من الأعمال التي ترجمت إلى العربية وكسبت شعبية واسعة، كرس إيكو عبر تلك الأعمال طريقة مائزة في كتابة الرواية، تعتمد البحث والتنقيب والتحقيق حول مادة السرد وعناصرها، على نحو دقيق وحاذق، وتستلهم من مرحلتها ليس فقط شواغلها الاجتماعية وأسئلتها الفكرية، ولكن أيضا موسيقاها وأنماطها المعمارية وتوجهات فنانيها، الرسامين والمطربين، لتتحقق في مضمون شديد التعقيد، وبناء غاية في التركيب والتشابك.
ولا يمكن لأي قارئ للنتاج الروائي للكاتب الإيطالي الراحل أن ينسى حرص إيكو وصبره ومثابرته في كتابة كل عمل من أعماله الروائية التي تتميز بطولها الشديد، فتأتي في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير أو يزيد، وهو ما يبين الزمن السخي الذي كان يمنحه الروائي الراحل لإنجاز كل رواية من رواياته، ولعل ذلك يفسر أيضا نزعته المعادية التي عبر عنها أخيراً حول مبدأ الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي وصفها بالخفة والركاكة والاستعجال.
ومن رواياته وترجماتها واستجابات القراء على مضامينها وشيوعها في الثقافات الأخرى، استخلص إيكو نظراته النقدية الملهمة، حول مفاهيم مثل «القارئ الممتاز» و«الكفاية الدلالية» كما طوّر عبرها مفاهيم سائدة حول معنى النص، وحدود الترجمة، والتناص، واستراتيجية العنونة، وهو كتب دائما عن هذه الأشغال النقدية بحس سردي بسيط وسهل وفي متناول القارئ العادي.
وهو ما يمكن تبينه في أعمال مثل «اعترافات روائي ناشئ» ترجمة سعيد بنكراد، وأيضا في العديد من العناوين الأخرى المختصة بالترجمة مثل «أن نقول الشيء نفسه تقريباً»، الذي ترجمه أحمد الصمعي.
اليوم، يصح القول، أن رحيل الكاتب الإيطالي الكبير، الذي لم ينل جائزة نوبل، يمثل خسارة كبرى للمشهد الأدبي في العالم، بفضل ما خلفه من آثار نقدية وأدبية رفيعة، هو الحائز على‏? ?أكثر? ?من? ?30? ?دكتوراه? ?فخرية، ? ?ومع? ?ذلك? ?ظل? ?يعطي? ?بلا? ?توقف? ?حتى? ?آخر? ?أيام? ?حياته.?

اقرأ أيضا

أحمد الظنحاني: ما زلت طفلاً أتهجّى المسرح