الاتحاد

دنيا

ذوو الاحتياجات يحطمون حاجز العزلة


إعداد-هالة دروج:
تفتتح بيتي-جو ويلت نهارها في الساعة الخامسة والنصف صباحا، حيث تستقل قطارين كي تصل إلى مقر بنك سيتيزنز الذي تعمل فيه في وسط مدينة مدفورد في ولاية ماساتشوستس· وما أن تصل إلى هناك حتى تتوجه مباشرة إلى كافتيريا الموظفين فترتدي ملابسها وقبعتها البيضاء وتبدأ بالعمل· تمضي الفتاة ساعات طويلة من العمل في غسل الصحون لكنها تفضل الطهي أكثر فهي تسعد بتقديم الطعام للعاملين في المصرف والتواصل معهم عبر الأحاديث اللطيفة· كما تحلم بأن تمتلك مطعما تستطيع أن تعد فيه الأطباق الغريبة·
وفي علاقتها مع رؤسائها تضع بيتي النزاهة في قائمة أولوياتها، تقول: 'لا أكذب عليهم وهم أيضا لا يكذبون علي، فهم يعاملونني كأي إنسان طبيعي وهو ما أريد الشعور به'· وليس غريباً أن تسعى بيتي وراء هذا الشعور وهي التي تعاني من حالة متوسطة من إعاقة عقلية·
قبل سنوات قليلة شاركت بيتي في برنامج ينظم الانتقال من المدرسة إلى الحياة المهنية تتبناه جمعية (تريانجل) الخيرية التي تقدم خدماتها لأكثر من 600 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة سنويا· وكانت إدارة بنك سيتزنز قد أبدت الرغبة في التعاون في تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال إقامة دورة تدريبية لستة مشاركين تعلموا فيها مهارات تتناول كافة جوانب العمل بدءا من ارتداء الملابس استعدادا للعمل وانتهاء بصيانة آلات الصراف الآلي· وكانت بيتي من بين اثنين اختارهما المصرف للعمل الدائم فيه·
كسر الحاجز
وشعرت الإدارة بالرضى من تعاونها مع جمعية تريانجل وبدأت تفكر في أن تعيد الكرة في محاولة تقديم فرص العمل للمؤهلين من ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ أدركت أن كل ما يحتاجه هؤلاء هو كسر الحواجز بينهم وبين أماكن العمل·
أول ما يقوم به المسؤولون في (تريانجل) عندما يأتي شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة يطلب المساعدة في الحصول على عمل هو التعرف على مواهبه وإمكانياته وميوله، وتتاح له فرصة المشاركة في دورات كمبيوتر ونشاطات رياضية واجتماعية وغيرها إلى أن يحصل على عمل مناسب· في العام الماضي تمكن 70 شخصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة من الاستفادة من خدمات الجمعية في تأمين فرصة عمل دائم، إما في مواقع تملكها وتتطلب خدمات تغليف الهدايا وتعليب المنتجات أو في شركات ومؤسسات خارجية·
منذ أكثر من عشرين عاما صدر في الولايات المتحدة القانون الخاص بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي يلزم أرباب العمل بالعدل في معاملتهم· فتقارير مكتب الإحصاء تشير إلى أن هناك أكثر من 22 مليون أميركي تتراوح أعمارهم بين 16 و74 عاما يعانون من إعاقة ما· تصل نسبة العاملين وسط هذه الفئة إلى 21% في حين ترتفع هذه النسبة عند الفئة السليمة إلى أكثر من 72%· وتشير دراسات أخرى إلى أن نسبة كبيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة العاطلين عن العمل يفضلون الحصول على وظيفة في حين يؤكد كثيرون من العاملين منهم بأن الوظائف التي يعملون بها لا تستفيد إلا من جزء يسير من إمكانياتهم·
وفي مواجهة تباطؤ الشركات في الانفتاح على مسألة استخدام العمالة من هذه الفئة تنشط الجمعيات الخيرية وغيرها من المؤسسات غير الحكومية لمحاولة سد الفجوة بين ذوي الاحتياجات الخاصة وأرباب العمل· وتحاول هذه المنظمات في شهر أكتوبر الذي يعتبر الشهر الوطني لتوظيفهم بأن توصل رسالة تبين إمكانية الاستفادة من مقدرات هؤلاء ولاسيما أنهم يبدون مستويات رفيعة جدا من الإخلاص والالتزام بالعمل·
لا مبرر للقلق
قد يشعر أرباب العمل بالقلق أحيانا من أن يكون تأمين متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة أمرا مكلفا، لكن الإحصائيات التي أجراها مكتب توظيف المعاقين في وزارة العمل في واشنطن أثبتت أن 69% من التعديلات اللازمة لتوظيفهم لا تزيد كلفتها عن 500 دولار أميركي· وأكدت الشركات أن كل دولار تدفعه لهذا الغرض يدر عليها عائدات بقيمة 29 دولارا·
ويبدو أن هناك بعض جهات العمل الأميركية التي بدأت تفهم الرسالة ومنها مصرف (صن تراست ميد أتلانتيك) في ولاية فيرجينيا الذي سعى خلال السنوات الماضية ليكون نموذجا لأماكن العمل التي تفتح أبوابها لذوي الاحتياجات الخاصة· ويطلب المصرف من شركات التوظيف إرسال العاملين له من هذه الفئة ليعملوا لديه بصورة مؤقتة أو دائمة· كما تعاون المصرف مع إحدى الجامعات المحلية لتطوير دورة تدريبية للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة عبر موقع على شبكة الإنترنت· ويرى المسؤولون هناك أن المبادرة لا بد أن تأتي من طرف المؤسسات والشركات الكبرى لأن الكثير يشعرون باستحالة الحصول على فرصة عمل فيها·
وبالرغم من إيجابية عدد من الشركات وأرباب العمل في الاستجابة لحاجة هذه الفئة إلى العمل، إلا أن الكثير من العقبات والحواجز التي تحول دون استغلال كامل طاقات هذه الفئة في خدمة المجتمع لا تزال موجودة· فهناك مثلا بعض الشركات التي يمكن أن تلجأ إلى السجناء السابقين الخاضعين لدورات إعادة تأهيل لسد النقص في العمالة لديها بدون أن تفكر باستخدام أشخاص مؤهلين من ذوي الاحتياجات الخاصة على الإطلاق، بسبب الجهل بمقدراتهم وإمكانياتهم الحقيقية· ويعود هذا الجهل بدوره إلى التراخي في المطالبة بحقوق هذه الفئة· ففي عام 1973 صدر في الولايات المتحدة قانون إعادة التأهيل الذي يحظر ممارسة التمييز بحق ذوي الاحتياجات الخاصة في أماكن العمل· لكن الرسالة لم تنتشر بالشكل المطلوب إلا بعد قانون حظر التمييز في التوظيف الذي بدأ العمل به في عام ·1992 وهذا القانون بحد ذاته ما زال عرضة للاختلاف في التأويل مما يضطر العامل ورب العمل أحيانا للجوء إلى المحاكم للبت بالأمر بينهما· ففي العام الحالي تقدمت مجموعة من الموظفين الصم بدعوى قضائية ضد الشركة التي يعملون بها في أوكلاند في ولاية كاليفورنيا بسبب تعرضهم للتمييز مثل حرمانهم من حق المطالبة بالعلاوات مثلا·
نظرة الآخر
وموضوع الحق في الحصول على علاوات يقود أيضا إلى الحديث عن العقبات الأخرى التي تواجه المعاقين في مكان العمل، وأهمها نظرة الآخرين إليهم وقلة الثقة بمقدرتهم على أداء العمل بشكل جيد· فالشفقة والأسى التي يرونها في عيون الزملاء تعكسان عدم تقبل الغير لهم على أنهم موظفون فعالون يستطيعون المنافسة في مجال الكفاءة بالعمل· وهذه الحواجز قد لا تكون صادرة عن مكان العمل وحسب· بل قد يعاني المعاق أحياناً من تثبيط همته من قبل أحد أفراد أسرته أو أصدقائه المقربين الذين لا يشجعونه على العمل ويؤكدون له عجزه عن ذلك·
ومن الشركات الكبرى التي قامت بخطوة لتوظيف ذوي الاحتياجات الخاصة شركة آي بي إم التي سعت إلى توظيف مهندس برامج ضرير لكنه يعرف بذكائه الحاد وموهبته الفذة· يقول جيم سينوتشي المسؤول في الشركة المذكورة: 'يشعر المعاق بسعادة كبيرة وثقة أكبر عندما يدرك أنه مطلوب ومرغوب به، وأن ما يمتلكه من فكر وقدرات محط تقدير من قبل الآخرين'·
وينطلق سينوشي في رأيه هذا من تجربته الشخصية· فقد عمل لدى شركة آي بي إم في السبعينات بعد أن أنهى تعليمه الجامعي وحصل على شهادة الماجستير· لكنه بعد خمس سنوات من العمل تعرض لحادث أثناء ممارسته رياضة ركوب الأمواج أدى إلى إصابته بالشلل· في البداية واجه صعوبة في الاقتناع بقيمة وجوده ومعنى حياته وجاهد كثيرا ليتمكن من مقابلة الآخرين والنظر إليهم· لكن المساندة الأكبر جاءت من قبل رئيسه في العمل الذي طلب منه وبكل بساطة أن يعود إلى الشركة ليعمل فيها العدد الذي يستطيعه من الساعات· وما أن باشر سينوشي القيام بواجباته الوظيفية اليومية حتى بدأ يفكر بالطريقة التي تجعل الآخرين يتعاملون معه بارتياح·
يقول: 'يدخل الناس مكتبي وهم لا يتوقعون أن يروا رجلا أسير الكرسي المتحرك· ورغم أنني أحاول دائما أن أوضح لهم أنني خبير في مجال عملي وأشرح لهم ما أعاني منه إلا أنهم لا يدركون الأمر على حقيقته'· لكنه مع ذلك يشعر بفخر كبير لسجل شركته المشرف بخصوص توظيف ذوي الاحتياجات الخاصة ومساعدتهم من خلال إقامة مخيمات صيفية لهم بالتعاون مع الجمعية الأميركية لتقدم العلوم· ومنذ عام 1997 وظفت الشركة 30 معاقا من أصل 150 شاركوا في هذه المخيمات· كما أطلقت برنامج توظيف آخر قدمت من خلاله فرص العمل لأكثر من 200 آخرين حتى بات هؤلاء يشكلون نسبة 2% من العاملين في آي بي إم، نصفهم تقريبا يعملون في وظائف هامة جدا مثل إعداد البرامج والمبيعات والمساعدات المتعلقة بتقنيات المعلومات· وعندما تقرر إدارة الشركة توظيف شخص ما فهي لا تهتم بوجود الإعاقة ودرجتها بل يتجه تركيزها كله إلى مقدرته على القيام بالمهمة الموكلة إليه· وهذا ما يثلج صدر سينوشي الذي يأمل بأن تزال كل الحواجز وتصبح الآفاق مفتوحة أمام ذوي الاحتياجات الخاصة ليكونوا قادرين على تحقيق طموحاتهم بدون قيود أو عراقيل·

اقرأ أيضا