ناصر الجابري (أبوظبي)

تواصل العلاقات الإماراتية السعودية المضي قدماً في مسارات التشارك والتعاون والتنسيق، بفضل القيادة الحكيمة والرؤية المشتركة للبلدين الشقيقين، حيث شهدت السنوات الماضية تطوراً متسارعاً في مسارات التكامل التنموي، تجسيداً للأهمية الاستراتيجية للعلاقة الاستثنائية التي تنطلق من مقومات التاريخ والمصير المشترك، والإرادة الحقيقية لبناء المستقبل المشرق والمزدهر للمنطقة.
وتعد العلاقات بين البلدين ركيزة من ركائز الحفاظ على الأمن القومي العربي، عبر الجهود المشتركة في مختلف القطاعات لمواجهة الأخطار والتحديات التي تهدد المنطقة والمساهمة الفاعلة في إعادة الإعمار للبلدان المتضررة والسعي المتواصل لإحلال السلام، بوجود القناعة الراسخة بأهمية الدور لكلا البلدين في صون المكتسبات العربية، وترسيخ مفاهيم الأمن والاستقرار.
وتعود جذور العلاقة التاريخية إلى ما يزيد على 50 عاماً، عبر البرقيات المتبادلة بين الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والمغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، والخطابات المتعددة التي جسدت الأسس الصلبة للعلاقة التي استمرت تألقاً وقوة وصلابة، حيث امتلأت الرسائل بمعاني التقدير والاحترام المتبادل والرؤية المشتركة تجاه أهمية الجهود المتوحدة في الحفاظ على مصالح المنطقة، نظراً لوجود عوامل الأخوة والتاريخ المشترك.

نظرة ثاقبة
وتشارك القائدان النظرة الثاقبة والرؤية الحكيمة تجاه مختلف الملفات والأحداث التي شهدتها تلك الحقبة الزمنية، إيماناً منهما أن العمل المشترك هو السبيل الذي يمكّن المنطقة من تحقيق أهدافها وتطلعات شعوبها والوصول إلى آمالها، وأن الركيزة الأساسية التي ينبغي تعزيزها تتمثل في العمل على تحقيق وحدة الموقف العربي، لذلك كانت الكثير من المواقف التي جعلت من البلدين الشقيقين يمضيان في دروب التعاون والعمل المشترك.
ويجسد قول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بعد زيارته للمملكة ولقائه بالملك فيصل عام 1974: إننا نعتبر هذا اللقاء الأخوي بداية للتعاون والتنسيق بين بلدينا الشقيقين في كل المجالات، ونعاهد الله على أن نسير سوياً على طريق الخير والمحبة، فيما رد الملك فيصل قائلاً: إن اللقاء الأخوي الذي تم بيننا وبين سموكم لهو بداية الطريق نحو مستقبل مشرق وضّاء لأمتنا العربية والإسلامية، وإننا سنسير سوياً تحوطنا رعاية الله، ويحدونا الإخلاص لله. خريطة واضحة المعالم لطريق مشرق مملوء بالمواقع المزدهرة والمشاريع المتلألئة والمواقف الخالدة، ووصية تسطرت في فصول التاريخ المجيد بما تضمه من كلمات وعبارات تجسد المعنى الحقيقي للأخوة والألفة والتعاون.

تعاون استراتيجي
وشهدت السنوات اللاحقة، العديد من آفاق الشراكة والتعاون الاستراتيجي المثمر بين البلدين، سواء عبر التنسيق السياسي أو الاقتصادي أو في مختلف القطاعات الحيوية، من خلال الزيارات المتبادلة بين ممثلي ومسؤولي الوزارات والجهات المعنية، والتأكيد على ثوابت وحدة المصير ودعم الروابط الأخوية وأهمية العمل جنباً إلى جنب لتفعيل دور المنطقة، وهو ما ساهم في توطيد التعاون الاستراتيجي نحو العمل لأجل وحدة أشمل تتمثل في التكامل الخليجي. وشهد عام 1981، الإعلان عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث استضافت دولة الإمارات الدورة الأولى بحضور قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ومنهم المغفور له الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، وتواصلت الجهود التي رسخت من التعاون الخليجي باستضافة المملكة العربية السعودية للدورة الثانية والتي استعرضت الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة الخليج، وأهمية ترسيخ النجاحات التي تحققت في الدورتين الأولى والثانية ومواصلتها لأجل درء الأخطار، وتعزيز أطر التعاون المشترك، وتفعيل المشاريع الاقتصادية وتنمية المجالات الحيوية.

تحرير الكويت
وشهد مطلع التسعينيات، تسخير التعاون الخليجي للدفاع عن أرض الكويت، حيث شاركت القوات المسلحة الإماراتية الباسلة، في عملية تحرير الكويت ضمن قوات التحالف الدولي بقيادة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي ساهم في الانتقال لمرحلة أخرى من مراحل التعاون المشترك، نحو آفاق من التعاون العسكري للحفاظ على مكتسبات المنطقة وصون مصالحها والحفاظ على ثرواتها، وحماية شعوبها من الأخطار المختلفة. وتمثل مشاركة الإمارات ضمن قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، ضمن عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن، تأكيداً على شراكة الدم والمصير التي تجمع البلدين، حيث توطدت العلاقة بفعل تضحيات الأبطال من بواسل القوات المسلحة لكلا الشقيقين دفاعاً عن الحق، ضمن ملحمة تاريخية تجسد البذل والعطاء والشجاعة، حيث شهدت غرف العمليات المشتركة وميادين المعارك، أروع مشاهد الأخوة الحقيقية والتآلف، وجمعت ميادين الوغى أبطال الإمارات والسعودية الذين برهنوا على أن لا حدود لآفاق العلاقة بين البلدين، فهي علاقة متأصلة ومغروسة في قلب كل مواطن من مواطني البلدين.

مجلس التنسيق
وشهد شهر مايو من عام 2016، نقلة نوعية واستراتيجية، من خلال الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق السعودي الإماراتي، والذي يعد النموذج الأمثل للتعاون الثنائي بين الدول وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات والمجالات، ويعد إضافة لمكانة المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على الساحة الدولية، ويهدف إلى إبراز مكانة الدولتين في مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني والعسكري، وله نتائج ستنعكس بشكل إيجابي على خلق فرص عمل ونمو في الناتج الإجمالي وزيادة نسبة الاستثمار بين البلدين.
وشهد عام 2017 إصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قراراً في شأن تشكيل لجنة للتعاون المشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، نص على إنشاء لجنة للتعاون والتنسيق المشترك بين الدولتين برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، نائباً للرئيس. وتختص اللجنة المشمولة بالتعاون والتنسيق المشترك بين الدولتين في كل المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وغيرها من المجالات التي تقتضيها مصلحة البلدين، ولها كل الصلاحيات اللازمة لتنفيذ وتسيير أعمالها، حيث تعكس اللجنة المشكلة نتاجاً للمسار الجامع والوثيق بين البلدين نحو المزيد من الشراكة الأزلية في سبيل التكامل والتعاضد الخليجي والعربي.

تفعيل 7 لجان تكاملية
وتضمن العام الجاري، الإعلان عن تفعيل 7 لجان تكاملية، تدير وتنظم 26 مجالاً ذات الأولوية وتقيم الفرص المتاحة للتعاون المشترك بين البلدين، بالإضافة إلى مراجعة الملفات المطروحة والمرتبطة كافة بالمبادرات وتحديد الأولويات، لتشكل دعماً لعمل اللجنة التنفيذية التي تم تشكيلها للوقوف على سير العمل في المشاريع المشتركة، ومتابعة عمل الفرق في مختلف القطاعات، ومناقشة واقتراح مجالات جديدة للتعاون الثنائي بين البلدين.
وخلال الشهر الجاري، تم الإعلان عن فتح التسجيل لمجلس الشباب السعودي الإماراتي، بهدف تعزيز الشراكة بين الشباب في البلدين وتبادل الأفكار بينهم، بالإضافة إلى تنسيق الجهود الرامية إلى دعم مسيرة البلدين في التنمية الوطنية المستدامة في مجالات عدة، من أهمها ريادة الأعمال والتنمية المستدامة والطاقة المتجددة والهوية الوطنية والسياحة والترفيه والإعلام والثقافة والفنون، واستشراف المستقبل لمواجهة التحديات العالمية وضمان تحقيق السعادة والرفاه للمجتمع، وتستند هذه المبادرة إلى الركائز الثلاث لرؤية المملكة 2030 وهي اقتصاد مزدهر ووطن طموح ومجتمع حيوي، ورؤية الإمارات 2021 ومئوية الإمارات 2071.

أسس راسخة
وشهد العام الجاري، تواصلاً في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، حيث بحث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال أبريل، العلاقات الأخوية الراسخة بين البلدين، وعدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تربطهما علاقات أخوية متينة تستند إلى أسس راسخة من المحبة والاحترام والثقة والرؤية الواحدة تجاه المتغيرات والتحديات على الساحتين الإقليمية والدولية من منطلق الإيمان المشترك بالمصير الواحد للبلدين والشعبين الشقيقين، كما ثمن سموه مواقف الملك سلمان الحازمة ودوره في نصرة قضايا الحق والعدل والإنسانية، إضافة إلى جهوده في الميادين الدولية لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار لدول المنطقة والعالم.
وشهد شهر أغسطس الماضي، لقاء جمع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية الشقيقة، حيث تناول سموهما مجمل القضايا والملفات الإقليمية والدولية التي تهم البلدين، إضافة إلى التحديات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها على أمن شعوبها واستقرارها.
وخلال العام الجاري وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وتكريماً وتقديراً لإنجازات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة، أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإطلاق اسم خادم الحرمين الشريفين على أحد الشوارع الرئيسة في العاصمة أبوظبي.
ويعتبر شارع الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، من أكثر الشوارع الرئيسة الحيوية في مدينة أبوظبي، لامتداده على طول 4.6 كيلو متر بدءاً من شارع الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود إلى تقاطع شارعي العلم والكاسر، كما يعد الشارع الرئيس المؤدي إلى أهم المعالم الحضارية والوطنية والسياحية مثل صرح زايد المؤسس، مركز المارينا، وكاسر الأمواج والمبنى الرئيس لأدنوك.

زيارة محمد بن سلمان تعزز التعاون المشترك
تأتي الزيارة الرسمية لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية الشقيقة إلى الدولة، في إطار العلاقات الأخوية المتميزة والخاصة التي تربط بين البلدين والشعبين الشقيقين والرغبة المشتركة في تعميق التعاون بينهما في المجالات كافة، حيث تسهم في مواصلة الجهود التي تبلورت في التوافق في المجالات كافة، وتعمقت وشائجها بالمواقف المشرفة والخالدة للبلدين مع بعضهما بعضاً، وبتكاتف الجهود والتنسيق المشترك لصناعة تاريخ ناصع متلألئ بالأمل والتفاؤل تجاه الغد المشرق، والذي يتواصل بحكمة راسخة تملأها الرغبة الحقيقية بتحقيق أهداف التحالف السياسي والشعبي المشترك.