الاتحاد

دنيا

الرميحي: غياب الحريات يؤدي إلى الحرب بين المحظور والمسموح


الاتحاد - خاص:
إذا كان قدر المثقف ان يكون ناقدا، فإن واجبه أن يكون منصفا، واذا كان من صفاته أن يمد بصره الى الأمام أبعد من غيره ليشخص واقعا ويستشرف مستقبلا، فإن عليه أيضا ان يرجع البصر كرتين الى الوراء، ليستبين ما يساعده على التشخيص والاستشراف، فالنظر الى الأمام، والى الخلف، بل وفي كل الاتجاهات مطلوب لاستخلاص أحكام أقرب ما تكون الى الحيادية، وأبعد ما تكون عن الهوى·· ولكن أنى للفرد ان يجتمع له ذلك؟ ان هذا - لعمري - أمر عسير·ولا عيب على الاطلاق في ان تقصر رؤية المثقف خاصة، والانسان عامة عن ادراك كل الحقيقة، ولا غضاضة في ان تشوب رؤيته بعض الهنات، فيكفيه انه يعمل عقله، ويشحذ فكره، ويجتهد فيما يراه محلا للاجتهاد، فإن أخطأ فله أجر، وان أصاب فله أجران·
الأمسية الرائعة التي نظمها مركز زايد للتراث والتاريخ بالعين مؤخراً، كان نجمها الدكتور محمد غانم الرميحي، الأمين العام للمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب وهو الأستاذ في علم الاجتماع السياسي، والداعية الى التغيير، وصاحب الآراء المسموعة و الكتابات المنشورة، حيث ألقي محاضرة عنوانها 'تأثير العولمة على المجتمعات المعلوماتية' طوف فيها على واقع العرب في مجال المعلوماتية التي يراها مفتاحا لكثير من التغيير، ودعا العرب الى المسارعة بردم الهوة السحيقة في المعلوماتية بينهم وبين الغرب وأميركا، وغيرهم من الدول التي حققت تقدما مذهلا في هذا المجال، والى الولوج دون تأخير من باب العولمة المفتوح أمامهم، والاقرار بما فيها من ايجابيات، وتحاشي ما أفرزته وتفرزه من سلبيات، كما طالب الدول العربية بالاسراع في اجراءات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتمكين المواطن العادي من الحياة بشكل أفضل وأمتع من خلال اتاحة المزيد من المعلوماتية والمعرفة أمام البشر للاستفادة بها ومنها في تشكيل حياتهم، وأشار الى ان الفقر في التقنية والمعلوماتية هو الذي يدفع الكثير من العرب الى مقاومة العولمة، التي تقود في نهاية الأمر الى استخدام 'أساليب عكسية' لاستخدام المتوفر من التقنية، وان نقص الحريات يقود الى حرب بين 'المحظور والمسموح' تقود بدورها الى اللجوء الى تقنية 'التصفح المجهل'·
وقبل التعرض لموضوع المحاضرة يجب ان نقدم التحية والاحترام للقائمين على مركز زايد للتراث والتاريخ، والقائمين على نادي تراث الإمارات التابع له المركز، على جهودهم الحثيثة في مجال الحفاظ على تراث الأمة والوطن، والاقرار بأن المركز أصبح معلما أنيقا من المعالم الثقافية في مدينة العين، يؤمه كوكبة من المثقفين المتميزين بتخصصاتهم الدقيقة التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا انبرت لتوضيحها، والمركز وهو يستضيف - من خلال موسمه الثقافي - بعضا من قمم الثقافة كأمثال الدكتور الرميحي، يفتح الباب أمام كل الاتجاهات الثقافية بدون حجر على رأي ولا انحياز لفكر، ومن خلال التلاقح الفكري، والتفاعل العقلي يشرق جانب من الحقيقة التي هي مبتغى الجميع، وثمة أمرا آخر يميز ما يقدمه المركز من محاضرات، ألا وهو التفاعل بين الحضور وبين المحاضر، ذلك التفاعل الذي تزداد وتيرته وتنقص في علاقة طردية مع شخصية المحاضر وقوة محاضرته، ما يجعل من مداخلات الحضور ومناقشاتهم والرد عليها أمرا ممتعا، وربما فاق الاستماع الى المحاضرة، وقد بلغ هذا التفاعل، ومن ثم ذلك الامتاع أشده في محاضرة الدكتور الرميحي القيمة بالفعل، التي نعرض لها في البداية ثم نعرض لبعض المداخلات التي زادتها قيمة ومتعة·
النواقص الثلاثة
موضوع المحاضرة اشتمل على محاور أربعة، بدأها الرميحي بالحديث عن 'النواقص الثلاثة في العولمة'، الأولى منها هي عدم التطابق بين العولمة و'الأمركة' استنادا الى ان الأخيرة أقدم من الأولى، وانها 'الأمركة' عملية مستمرة منذ الحرب العالمية الثانية، حيث راحت الولايات المتحدة الأميركية تأخذ بزمام العالم من خلال طرح وتسويق المبادرات على مستوى السياسات الخارجية، رغبة منها في أن تكون هي قاطرة العالم، معترفا بأن تفعيل أميركا لظاهرة العولمة يتفق تماما مع مصالحها، وانها تريد لقطار العولمة ان يكون قطارها الخاص، وان تكون هي قاطرة هذا القطار، وموضحا ان تفعيل الولايات المتحدة لظاهرة العولمة بما يتفق وتصوراتها شيء، والمطابقة بين الظاهرتين شيء آخر· ثم يأتي بالحديث على ذكر النقيصة الثانية في هذا الصدد وهي عدم التطابق بين ظاهرتي العولمة 'وفرض الهيمنة الامبريالية'، مشيرا الى ان الكتابات كثيرا ما تربط بين ظاهرة العولمة وظاهرة الفتوحات، بيد ان هذا الربط من شأنه الخلط بين الظاهرتين، وان يكون مضللا للمجتمعات في جهودها نحو استيعاب الظاهرة الأولى والتفاعل الايجابي معها، ثم يورد من بعد ذلك النقيصة الثالثة، وهي عدم التطابق بين العولمة وتوجهات الرأسمالية العالمية، بحيث لا يجوز - من وجهة نظره - اعتبار الظاهرة حقبة جديدة من حقب النمو الرأسمالي، مع ان هذا لا ينفي ان قوى الرأسمالية هي من أقوى العناصر الفاعلة التي تعمل على استدراك فوائد العولمة، وتوجيهها الى ما يلائم فلسفتها ومصالحها، ثم يخلص الى تعريف العولمة بأنها 'ترابط نسيجي في المصالح والأهداف البشرية' وتوقع ان يظهر في المستقبل المنظور 'أكثر من مسار للعولمة' ربما أوروبية أو صينية أو هندية·
وفي المحور الثاني من المحاضرة تحدث عن 'النواقص الثلاثة في المعلوماتية، الأولى منها هي عدم التطابق بين عصر المعلومات وعصر الحاسبات، فالأخيرة قد تكون شرطا ضروريا للحاق بالأول، ولكنها ليست الشريط الوحيد أو الأهم، لكن الأهم هو تدفق المعلومات بين قوى المجتمع، وفي هذا يشبه المجتمع، بخلية النحل، السلطة فيه هي الملكة، وتدفق المعلومات - وليس تراكمها - هو الذي يضمن استمرار النظام في المجتمع وفي الخلية على حد سواء، وثانية النقائص هي عدم التطابق بين تدفق المعلومات ووفرتها، لأن وفرة المعلومات ليست سمة ضرورية لمجتمع المعلومات، وهي - ان توفرت - لا تصنع بالضرورة مجتمعا قائما على المعلومات، بل قد تصنع عالما تائها، تكتظ قنواته بالمعلومات كما تكتظ الشوارع بالسيارات، ومن ثم يتعين على أي مجتمع العمل على ترشيح المعلومات، بما يسمح للمؤثر منها ان يمر، ويكبح جماح ما هو مضلل منها، مؤكدا في ذلك على ضروراة التمييز بين آليات الترشيخ وآليات الرقابة على المعلومات، موضحا ان الأولى أداة دعم صحيحة لتفعيل طاقات المجتمع، في حين ان الأخرى هي أداة تعطيل واهدار لها، ثم تطرق الى النقيصة الثالثة، وهي عدم التطابق بين آليات تدفق المعلومات وآليات تراكمها، فالمفاهيم الخطية التي ترى التقدم مرهونا بقدرة المجتمع على تفعيل قدرة الأفراد والمؤسسات على التراكم الخطي للمعلومات، هي التي تنسق قدرة المجتمعات على التحول الى عصر المعلومات، وانما تكتسب المجتمعات هذه القدرة من قدرة عناصرها على الاستقبال والبث الحر للمعلومات، لينتهي الى ان العولمة والمعلوماتية ليستا ذات تأثير على الاقتصاد والاتصال والثقافة فقط، ولكنهما فوق ذلك يؤثران على الحياة اليومية لبلايين البشر، وانهما يشكلان 'حوارا مع الحداثة' و'طريقة لتمكين البشر العاديين من الحياة بشكل أفضل'·
عصر المعلوماتية
في المحور الثالث تحدث الأمين العام للمجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب عن 'الدولة في عصر العولمة والمعلوماتية' قائلا: ان المجتمع القائم على المعلومات هو مجتمع ينتقل تنظيمه من اعتماد آليات تدفق الأوامر الى آليات تدفق المعلومات، ومن ثم اعتماد التنظيم الشبكي لمفردات المجتمع بدلا من التنظيم الهرمي التقليدي للمجتمع، وعليه، فإن البشرية بانتقالها الى عصر المعلومات تكون قد أحدثت ثورة حقيقية في تاريخها، وتكون الدولة قد تحولت - كنظام سياسي - من عصر المركزية الى عصر آخر لدولة لا هي مركزية تهدر الحريات الفكرية لصالح التنظيم الاجتماعي، لا هي مجتمع فردي يهدر فكرة المجتمعات لصالح الحرية الفردية، كما تعرض في هذا المحور لبيان الموقف المتعارض بين العولمة والمعلوماتية، وأرجعه الى انه ينبع من ان فكرة العولمة تفترض في أساسها رؤية كلية تقود العقل الكوكبي، الذي تبدو قنوات الاتصال فيه متاهة تستعصي على راسمي الخرائط، كما تحدث عما أسماه 'قواعد اللعبة' التي تقول: 'انه حين تقوم الأمور بتدفق الأوامر، فإن صاحب الورقة المادية يصبح هو الأقدر على فرض سيطرته، وفي مثل هذه الأحوال فان دولة كالولايات المتحدة الأميركية تكون هي القادرة على التحكم في مسار التاريخ·
وفي المحور الأخير لمحاضرته، بين الدكتور الرميحي عددا من ايجابيات العولمة، وذكر من هذه الايجابيات التجارة الالكترونية التي انفجرت فقاعتها في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ويقدر الخبراء ان حجم السوق العالمية منها عام 2006 سوف يصل الى 7,5 تريليون دولار، ثم تناول انعاكاسات العولمة والتقنية على الحقوق الاجتماعية والسياسية، موضحا ان عولمة الانتاج تشكل أحد الجوانب المحورية في عولمة الاقتصاد، حيث تبدل الحال وأصبحت نسبة المواد الخام في أية صناعة لا تزيد عن 20% والـ 80% الباقية هي تكلفة الابداع والتصميم والتسويق والادارة بعد ان كان العكس هو الواقع قبل حوالى 50 عاما، كما أثرت عولمة الاقتصاد على الحقوق الاجتماعية للعمال بالسلب طبعاً، وتحدث عن المواقف الشعبية تجاه العولة، والتي أظهرتها دراسة قامت بها احدى الشركات في عام 2002 لرصد هذه المواقف عند حوالي 38 ألف شخص في 44 دولة، ووجدت ان مواطني دول شرق آسيا وافريقيا وجنوب الصحراء لديهم مواقف مواتية تجاه 'مؤسسات العولمة' أما مواطنو الشرق الأوسط وجنوب آسيا فلهم مواقف متحفظة بدرجة كبيرة من تلك المؤسسات، كما ان الاستثمار الخارجي حساس للمواقف المضادة للعولمة، وبالتالي يمتنع او يتحفظ على المبادرة، فتفقد تلك المجتمعات فرصاً ممكنة للتطور· وأسهمت العولمة كذلك في ملاحقة الفساد وكشفه في العديد من الأماكن ويكفي ان 'مؤسسة الشفافية الدولية' التي تعرف تندراً باسم مؤسسة الفساد العالمي استطاعت، وهي مؤسسة معولمة ان تطيح بعدد من الحكومات بعد كشف الفساد فيها·
وبعد ذلك تعرض الدكتور الرميحي لبعض سلبيات العولمة والمعلوماتية ومنها للأسف عولمة وتقنية تجارة المخدرات وانتقال الامراض الخطيرة وعلى رأسها 'الايدز' وهذه تؤدي الى ارتفاع في نسب الجريمة خاصة المنظمة منها والى تدهور الصحة العامة، كما تؤثر في دول الانتاج والمرور والدول المستهدفة للبيع والترويج وخلق 'اقتصاد الظل' فضلاً عن انتشار عمليات 'تبييض الأموال'· غير ان اخطر هذه السلبيات هي 'الإرهاب الالكتروني' وظهور كليات ارهابية مفتوحة على الشبكة العالمية للمعلومات ومن بعض عناوين هذه الكليات 'الإرهاب الاسلامي' وهي كلية عسكرية شاملة تعلم طرق حرب العصابات وصنع المتفجرات والاسلحة البيولوجية، والحرب الالكترونية برامج تدمير الهواتف المحمولة والحاسبات الشخصية·
سؤال مفتوح
وفي ذكاء اجتماعي ينهي الدكتور محمد غانم الرميحي محاضرته بسؤال مفتوح يقول فيه: هذه هي العولمة، وهذه هي المعلوماتية فهل نفتح الباب وندخل بأرجلنا، أم لا؟ ومواطن الذكاء في ذلك السؤال هو ان اللبيب لن يجد له سوى 'نعم' اجابة· ولا بد لنا - بالفعل - من ان نفتح الباب وندخل ولكن بعد الاجابة على بعض الاسئلة، وبعد الاتفاق على حد أدنى من النقاط· هذه الاسئلة وتلك النقاط هي التي عبرت عنها مداخلات الحضور الكرام ونسوق منها على سبيل المثال ما يلي:
ختلافات مشروعة
وهل يمكن للنظم القمعية القبول بالعولمة، وفي الأخيرة ما فيها من كشف 'مفترض' للمستور؟ ذلك ان الدول التي تقود قطار العولمة ما زالت تسمح بوجود بعض هذه النظم طالما تخدم أهدافها، ولا تهدد مصالحها، بينما تسارع الى وصم غيرها بالفساد واهدار الحقوق والحريات العامة·· الى غير ذلك من التهم ان هي حادت عن الخطوط المرسومة لها· وهل من المتوقع ان تؤدي سيادة العولمة وانتشار المعلوماتية الى اختفاء هذه النظم القمعية؟ وما هو تأثيرها على الدول والمجتمعات القبلية؟ ثم هل نحن بالفعل مؤهلون لولوج هذا الباب؟ السؤال هنا عن واقع بعض الدول العربية التي لا تزال الأمية الفعلية فيها هي الغالبة على قطاعات كبيرة من البشر، ناهيك عن الأمية الالكترونية والسؤال في الوقت نفسه مجرد 'تنبيه' الى واقع معاش، وليس اثناء لعزيمة هذه الدول ولا انكارا لحق هؤلاء البشر في التمتع بالمعلوماتية وغيرها من مستجدات العصر والدخول الى معترك العولمة· وهل يعني الدخول من باب العولمة ان ننخلع من ماضينا وان نتركه عند عتبة هذا الباب؟ وهل يعني السعي وراء المعلوماتية ان ننكر او نهدر ما حفل به هذا الماضي من ابداعات وانجازات والقفز فوق الحقائق، لدرجة ان ننكر اننا - كعرب - لم نعرف التعليم الا من خلال الغرب، فأين الأندلس ومعاهدها اذن، وأين النهضة التي شهدها هذا التعليم على يد محمد علي في بلد مثل مصر؟ نعم ربما يكون المقصود هو شكل التعليم الحديث، من سبورة وطباشير، وربما حاسبات، وشفافيات، وغيرها من المعنيات السمعية والبصرية لكن هل يلغي ذلك ما شهده التعليم عند العرب من مناهج تجريبية وتجارب معملية وبل وتطبيقات تقنية لنظريات اكتشفها العرب تارة وترجمها عن اليونانيين وغيرهم - في وقتها - تارة أخرى؟ وهل يعني القبول بالعولمة انكار ما هو متفق عليه ولو عرفا فضلا عن الاتفاق عليه شرعا وان نفسر مسألة مثل الفصل بين الشباب والشابات في قاعات الدرس بأنها تناقض كبير، قياساً على اننا نطوف ونصلي معهم والى جوارهم في بيت الله الحرام؟ وهل القياس هنا صحيح وهل يصلح القياس بشكل عام فيما أباحه الشرع، وفيما منعه؟
الحقيقة ان الاسئلة كانت كثيرة، ولكن جمعها حرص الحضور، وحرص المحاضر على الخروج بصورة واضحة نسبياً حول الموضوع· وربطها بينها خوف الجميع الواضح على الأمة ورغبتهم الجلية في نهضتها والحمد لله لا نشكك في نوايا أحد فالكل في زورق واحد وقد تختلف الاجابات وتختلف الاجتهادات ولكن يجب الاتفاق على أمر واحد وهو ضرورة الخروج من دائرة الجدل، وبسرعة الى دائرة العمل، فعلى حد تشبيه أحد الأفاضل من الحضور ان المريض يكاد ان يموت والاطباء ما زالوا يتنازعون تشخيصه ويكفي ان كاتب هذه السطور كان قد حضر قبل عشر سنوات بالتمام والكمال محاضرة في تونس عن الموضوع نفسه، للدكتور عبد اللطيف المصمودي وزير الإعلام التونسي الاسبق وعندما يحاول - بعد هذه السنوات العشر - ان يحصي ما حدث من تقدم في موضوعها فلا يجد الا المزيد من التنظير، والمزيد من التقعير، فهل كتب علينا ان نستغرق في التشخيص حتى يموت مريضنا بين أيادينا، ذلك ان لم يمت بأيدينا؟

اقرأ أيضا