إميل أمين

عبر ما يقرب من خمسة عقود، يمكن القول إن دولة الإمارات العربية المتحدة، أضحت سويداء قلب التنوير والتسامح والمصالحة في عالمنا العربي المعاصر، وقد كان عام 2019 تتويجاً لهذا الدور، من خلال إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2019 بوصفه عاماً للتسامح، ما أبرز طوال الأشهر الماضية دور الإمارات كواجهة عالمية للتسامح، وأكد قيمة التسامح باعتبارها امتداداً لنهج زايد الخير مؤسس الدولة، واعتبارها قيمة مؤسساتية مستدامة، تنطلق هذا العام وتبقى طوال الأعوام والعقود القادمة، بهدف تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة. أحد الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الإطار: «هل خدمة التسامح والتصالح هو أحد أوجه التنوير أم لا؟

من دون أدنى شك، يمكن للمرء القول إن الإمارات قد خدمت سر المصالحة في العالم العربي بشكل تنويري غير مسبوق، لا سيما وأن هذه المنطقة الشرق أوسطية قد أصابها داء التطرف وضربتها عاصفة الأصولية، والتي قادت لاحقاً إلى مسارات الإرهاب والعنف، وكان السؤال المطروح: من أين للمرء أن يقاوم مثل هذا الداء الفتاك الذي يعصف بالكرة الأرضية في أوائل القرن الحادي والعشرين؟
إحدى السمات التنويرية الحقيقية التي تركتها الإمارات على العالم في السنوات القليلة المنصرمة كانت قبل عام التسامح بأربعة أعوام، وتحديداً في 2015، حينما أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مرسوماً بقانون بشأن مكافحة التمييز والكراهية.
وبذلك تكون الإمارات قد استبقت دولاً كثيرة حول العالم، حين سلكت طريقاً تنويرياً غير اعتيادي، عبر إثراء ثقافة التسامح العالمي، ومواجهة ظاهرة التمييز والعنصرية، أياً كانت طبيعتها، عرقيةً أو دينيةً أو ثقافيةً. وجاء قانون الإمارات ليقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة أشكال التمييز كافة، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير.
والثابت أن رؤية الإمارات التنويرية قد تجاوزت دولاً غربية كثيرة لا تزال تتخبط في المساحة الواقعة بين حرية الرأي والتعبير، واحترام مقدسات الآخرين، لذلك جاء القانون الإماراتي ينص على أنه لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير لإتيان أي قول أو عمل من شأنه التحريض على الازدراء للأديان أو المساس بها، بما يخالف أحكام هذا المرسوم بقانون.
مساحات التنوير الثقافية والفكرية في القانون الإماراتي، لا نغالي إن قلنا إنها تتجاوز ما وصلت إليه دول غربية عريقة في السعي للحفاظ على حقوق الإنسان، فعلى سبيل المثال يحظر قانون مكافحة التمييز والكراهية التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب، أو الملة.
كما يجرم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو التمييز بين الأفراد والجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات، أو شبكات الاتصالات، أو المواقع الإلكترونية، أو المواد الصناعية، أو وسائل تقنية المعلومات، أو أية وسيلة من الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وذلك بمختلف طرق التعبير، كالقول أو الكتابة أو الرسم.
 
 ثقافة التسامح
الوجه الآخر من أوجه التنوير الخلاقة هو وجه التسامح الذي اكتست به الإمارات طوال العام، والذي ستظل مفاعيله جارية في شرايين الحياة الإماراتية إلى مدى بعيد. كانت الإمارات، ولا تزال، وستظل تعيش بالفعل تلك القيمة الأخلاقية السامية، فهي حاضنة لأكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام، وفى إطار دولة كفلت قوانينها للجميع العدل والاحترام والمساواة، دولة حرّمت الكراهية والعصبية، وأسباب الفرقة والاختلاف.
من هنا كان عام التسامح ترجمة حقيقية لدولة شريكة في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز، وأصبحت عاصمة عالمية تلتقي فيها حضارات الشرق والغرب، لتعزيز السلام والتقارب بين الشعوب كافة. كانت الإمارات، ولا تزال، وستظل أيضاً تحتضن الكنائس والمعابد، وتتيح للأفراد ممارسة شعائرهم الدينية وتمد اليد عالية للمجتمع الدولي لترسيخ الأمن والسلم العالميين، وتحقيق العيش الكريم لكل من يفضل البقاء على أرضها.
ولكى يكتسب الأمر فاعلية حقيقية تم استحداث منصب وزير دولة للتسامح، للمرة الأولى في دولة الإمارات، في فبراير 2016، واعتمد مجلس الوزراء برنامجاً وطنياً للتسامح، بهدف إظهار الصورة الحقيقية للاعتدال، واحترام الآخر.
يمضي عام التسامح في الإمارات في طريق سبعة محاور، ستظل بمثابة المشاعل في الطريق للإماراتيين بداية، وللإقليم والعالم من خلفهم لاحقاً، وهي باختصار مفيد:
1)    التسامح في المجتمع: من أجل تعزيز قيم التسامح الثقافي والديني والاجتماعي في الأسرة والمجتمع.
2)    التسامح في التعليم: انطلاقاً من أن من يعطي المبادئ التعليمية التسامحية، يفتح الطريق للمودات والتعاون الإنساني في البناء.
3)    التسامح المؤسسي: بمعنى إشاعة أجواء العدالة الاجتماعية للمواطنين والمقيمين، ما يرسخ مكانة الدولة كوجهة عالمية للعمل والعيش.
4)    التسامح الثقافي: من خلال تنظيم مجموعات متعددة من الفعاليات الفنية والثقافية، احتفاء بالجاليات المقيمة في الدولة والتعرف على الثقافات الأخرى.
5)    التسامح الإماراتي: بمعني تعميم النموذج الإماراتي، بهدف إبراز الدولة كعاصمة عالمية للتسامح، من خلال مشاريعها الحالية والمستقبلية.
6)    التسامح في السياسات والتشريعات: بمعنى أن الدولة تقوم على سن السياسات والتشريعات واللوائح التنفيذية والتي تدعم قيم التسامح في المجتمع وتعود بالفائدة على جميع أفراده.

الحوار وثقافة التعددية
كان من الطبيعي للتسامح أن يفتح أبواب اللقاء والحوار مع الآخر، وفي وجه ضيق الأيديولوجيات المتعصبة والمتطرفة، كان للتسامح أن يشرع واسعاً ثقافة التعددية، ويتيح لرحابة الإبستمولوجيا أن تسود.
وجدت الأديان في الأصل كروافع وحوامل إلهية، تنتشل البشر من الجهل والبربرية إلى عوالم التحضر والمدنية، وإلى ثقافة التنوع والتلاقح والتنافح، غير أن اللعب على أوتار المتناقضات، قاد العالم في طريق الصدام، وظهرت من هنا رؤى ونظريات عن صدام الحضارات وصراع الأمم والشعوب.
غير أن الإمارات أخذت على عاتقها وفوق أرضها مبادرات تقدمية فكرية ثقافية في مواجهة الإرهاب والأصولية، مبادرات ألقت بظلالها على العالم الخارجي، ولم تعد قاصرة فقط على الداخل الإماراتي.
نظرت الإمارات لما يجري حول العالم، ورصدت درجة غير مسبوقة من الإرهاب والتطرف العنيف بكل أشكالها وصورها، وقد باتا من أخطر وأشد التهديدات المؤثرة على القيم الروحية الدينية الموحدة، والأمن العالمي وازدهار الإنسانية.
رأت الإمارات من حولها الأيديولوجيات المتطرفة وتلك التي تقود إلى عالم الإرهاب، المتناقضة مع الطبيعة الإنسانية للأديان، وشاهدت محاولات مستميتة من الإرهابيين لزرع التشدد في المفاهيم العقائدية والدينية للمتدينين، الأمر الذي يلحق ضرراً جسيماً بالقيم الروحية والإثراء المتبادل بين الشعوب ويهدد الاستقرار والأمن الأممي حول البسيطة.
آمنت الإمارات بالقيمة الفعلية للحوار على كافة مستوياته وصعده، لا سيما بين أتباع الأديان الإبراهيمية، فالحوار يعني التمسك بمنطق الحكمة الإلهية.
وتعتقد الإمارات، يقيناً، بأن الحوار مع الآخر يعني قطع الطريق على الخوف من الآخر. وشددت الإمارات، مراراً وتكراراً، على ضرورة أن يبذل أتباع مختلف الديانات وبالتعاون المتميز مع ذوي الإرادة الطيبة، الجهود الحثيثة من أجل بناء التناغم الاجتماعي والتعايش السلمي، مع إيلاء اهتمام خاص بكرامة كل كائن بشري.
ويظل يقين الإمارات قائماً على أنه لابد من الحوار بين الأديان وأتباعها، والحضارات وأبنائها، فهذا الحوار هو السبيل القويم لدعم قيمة التسامح والتعايش بين البشر، ولمواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب، ودرء المخاطر التي تهدد البشرية، وتهدد الحضارة والأديان اللذين يمثلان صمام الأمان وحصن السلام للبشرية جمعاء.

دروب السلام
يحتاج المرء لتغطية ما حدث على أرض الإمارات في فبراير شباط الماضي، إلى ملفات قائمة بذاتها، ونحن نشير هنا، ولا شك، إلى القمة الفريدة غير المسبوقة عالمياً التي قامت على التراب الإماراتي، حين التقى بابا روما وشيخ الأزهر في ضيافة أبناء زايد ليرفعوا للعالم صوت الأخوة معاً، في ظاهرة لم يعرفها العالم من قبل. وقبيل الزيارة التاريخية والأولى لأحد باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للعالم العربي والإسلامي، وجه الحبر الأعظم البابا فرنسيس بضع كلمات للإمارات والإماراتيين جاء فيها «أنا في توجهي إلى الإمارات العربية المتحدة، أذهب إلى هذا البلد كأخ كي نكتب معاً صفحة حوار وللسير على دروب السلام».
والمؤكد أن مؤتمر الأخوة الإنسانية الذي قام على ركنين أساسيين هما بابا روما وشيخ الأزهر، كان لحظات فارقة من الزمن، وبدا واضحاً أن الإمارات التي حملت لواء التسامح والتصالح في الشرق عامة، قد عقدت العزم لجعل أشعة السلام الدافئة تصل إلى بقية أرجاء العالم الذي ملأته برودة المشاعر الإنسانية، قبل عوامل المناخ القاسية.
صدرت الإمارات للعالم، وثيقة هي الأولى من نوعها، وثيقة الأخوة الإنسانية، وثيقة تتأسس على قيم وجذور بشريتنا المشتركة، وثيقة بمثابة دعوة تخبرنا بأننا جميعاً نملك الكرامة عينها، وبأنه لا يمكن لأحد أن يكون سيداً للآخرين أو عبداً لهم، وأنه لا يمكننا أن نكرم الخالق دون أن نحافظ على قدسية كل شخص، وكل حياة بشرية.
لم يكن صدور هذه الوثيقة أمراً ارتجالياً أو عشوائياً، بل إدراك واعٍ من القائمين على الأمر في الإمارات بأن العائلة البشرية في حاضرات أيامنا في اختبار صعب ومثير، إنه اختبار شجاعة الاختلاف، ذلك أنه إن كنا نؤمن بوجود العائلة البشرية، فيجب بالتالي المحافظة عليها، كعائلة وكما في كل عائلة ذلك يكون، أولاً من خلال حوار يومي وحقيقي، وهذا الأمر يستلزم هوية شخصية لا يجب التخلي عنها لإرضاء الآخر، ولكنه يتطلب في الوقت عينه شجاعة الاختلاف، تلك التي تتضمن الاعتراف الكامل بالآخر وبحريته، وما نتج عنه من التزام ببذل الذات، كي يتم التأكيد على حقوقه الأساسية في كل مكان، ومن قبل الجميع، لأننا من دون حرية لا نكون بعد أبناء العائلة البشرية، وإنما عبيد.
عرفت الإمارات العربية المتحدة بنجاحاتها واستثماراتها في أدوات القوة الناعمة والثقافة في المقدمة منها، وهنا كان الباب فرنسيس يؤكد على أن الاستثمار في الثقافة يعزز انحسار الحقد ويدعم نمو الحضارة، ويقود العالم في مسيرة الحضارة والازدهار.

تعاون مع اليونيسكو
 تقدم الإمارات رسالتها في محيطها العروبي والإقليمي في إطار من ثقافة الجسور، ثقافة الحفاظ على التراث الإنساني المشترك، ذاك الذي حاولت الأيادي الآثمة تحطيمه مرة وإلى الأبد. وهناك عدة مبادرات قامت عليها الإمارات مؤخراً، توضح للقارئ أبعاد ما تقوم عليه وبالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو».
في مقدمة المشروعات التي تستهدف الحفاظ على تراث وآثار العراق الشقيق، يأتي مشروع إعادة بناء جامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء والمباني الملحقة بالمسجد الذي تم تدميره بالكامل، خلال سيطرة تنظيم داعش على المدينة، إضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية اللازمة حول المسجد والحدائق التاريخية، وبناء صرح تذكاري يحوي بقايا المسجد ومساحات ثقافية ومجتمعية وتعليمية لأفراد المجتمع الموصلي.
وتؤمن الإمارات بأن إحياء البعد الثقافي عند الأمم والشعوب طريق متميز لطرد الإرهاب خارجاً، فقد عاش جامع النوري الكبير لمدة ألف عام، وحظي بمكانة خاصة في نفوس جميع أبناء العراق، ولم يقو على هدمه سوى التطرف والإرهاب، وربما حان الوقت لدفعهما خارجاً، والثابت أن دور الإمارات الثقافي المتميز يتضح يوماً تلو الآخر، من خلال تجديد التعاون مع اليونسكو وتوقيع المزيد من الاتفاقيات، وهذا دليل على التزام الإمارات بتعزيز جهود اليونيسكو من خلال التعاون الدولي في مجالات العلوم والثقافة.
 لا تتوقف لمسات الإمارات الثقافية الخارجية في العراق عند حدود المساجد، بل تصل إلى الكنائس، كما الحال مع كنيستي الطاهرة والساعة في الموصل، المدينة ذات الجذور التراثية والآبائية عند المسيحيين العراقيين، وهما كنيستان عاشتا مئات السنين، إلى أن جاء الدواعش وهدموها وهجروا ما تبقى من أهلها.
وقريباً سوف يكون المعبد الهندوسي في إمارة أبوظبي جاهزاً لاستقبال الزوار، إنها الإمارات وحدها القادرة على سبر أغوار سردية الوصل الإنساني والتسامح الوجداني وبناء جسور الثقافات مع كل الأمم والشعوب والقبائل، وإضاءتها بمشاعل التنوير الحقيقية.

إميل أمين

عبر ما يقرب من خمسة عقود، يمكن القول إن دولة الإمارات العربية المتحدة، أضحت سويداء قلب التنوير والتسامح والمصالحة في عالمنا العربي المعاصر، وقد كان عام 2019 تتويجاً لهذا الدور، من خلال إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2019 بوصفه عاماً للتسامح، ما أبرز طوال الأشهر الماضية دور الإمارات كواجهة عالمية للتسامح، وأكد قيمة التسامح باعتبارها امتداداً لنهج زايد الخير مؤسس الدولة، واعتبارها قيمة مؤسساتية مستدامة، تنطلق هذا العام وتبقى طوال الأعوام والعقود القادمة، بهدف تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة. أحد الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الإطار: «هل خدمة التسامح والتصالح هو أحد أوجه التنوير أم لا؟

من دون أدنى شك، يمكن للمرء القول إن الإمارات قد خدمت سر المصالحة في العالم العربي بشكل تنويري غير مسبوق، لا سيما وأن هذه المنطقة الشرق أوسطية قد أصابها داء التطرف وضربتها عاصفة الأصولية، والتي قادت لاحقاً إلى مسارات الإرهاب والعنف، وكان السؤال المطروح: من أين للمرء أن يقاوم مثل هذا الداء الفتاك الذي يعصف بالكرة الأرضية في أوائل القرن الحادي والعشرين؟
إحدى السمات التنويرية الحقيقية التي تركتها الإمارات على العالم في السنوات القليلة المنصرمة كانت قبل عام التسامح بأربعة أعوام، وتحديداً في 2015، حينما أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مرسوماً بقانون بشأن مكافحة التمييز والكراهية.
وبذلك تكون الإمارات قد استبقت دولاً كثيرة حول العالم، حين سلكت طريقاً تنويرياً غير اعتيادي، عبر إثراء ثقافة التسامح العالمي، ومواجهة ظاهرة التمييز والعنصرية، أياً كانت طبيعتها، عرقيةً أو دينيةً أو ثقافيةً. وجاء قانون الإمارات ليقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة أشكال التمييز كافة، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير.
والثابت أن رؤية الإمارات التنويرية قد تجاوزت دولاً غربية كثيرة لا تزال تتخبط في المساحة الواقعة بين حرية الرأي والتعبير، واحترام مقدسات الآخرين، لذلك جاء القانون الإماراتي ينص على أنه لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير لإتيان أي قول أو عمل من شأنه التحريض على الازدراء للأديان أو المساس بها، بما يخالف أحكام هذا المرسوم بقانون.
مساحات التنوير الثقافية والفكرية في القانون الإماراتي، لا نغالي إن قلنا إنها تتجاوز ما وصلت إليه دول غربية عريقة في السعي للحفاظ على حقوق الإنسان، فعلى سبيل المثال يحظر قانون مكافحة التمييز والكراهية التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب، أو الملة.
كما يجرم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو التمييز بين الأفراد والجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات، أو شبكات الاتصالات، أو المواقع الإلكترونية، أو المواد الصناعية، أو وسائل تقنية المعلومات، أو أية وسيلة من الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وذلك بمختلف طرق التعبير، كالقول أو الكتابة أو الرسم.
 
 ثقافة التسامح
الوجه الآخر من أوجه التنوير الخلاقة هو وجه التسامح الذي اكتست به الإمارات طوال العام، والذي ستظل مفاعيله جارية في شرايين الحياة الإماراتية إلى مدى بعيد. كانت الإمارات، ولا تزال، وستظل تعيش بالفعل تلك القيمة الأخلاقية السامية، فهي حاضنة لأكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام، وفى إطار دولة كفلت قوانينها للجميع العدل والاحترام والمساواة، دولة حرّمت الكراهية والعصبية، وأسباب الفرقة والاختلاف.
من هنا كان عام التسامح ترجمة حقيقية لدولة شريكة في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز، وأصبحت عاصمة عالمية تلتقي فيها حضارات الشرق والغرب، لتعزيز السلام والتقارب بين الشعوب كافة. كانت الإمارات، ولا تزال، وستظل أيضاً تحتضن الكنائس والمعابد، وتتيح للأفراد ممارسة شعائرهم الدينية وتمد اليد عالية للمجتمع الدولي لترسيخ الأمن والسلم العالميين، وتحقيق العيش الكريم لكل من يفضل البقاء على أرضها.
ولكى يكتسب الأمر فاعلية حقيقية تم استحداث منصب وزير دولة للتسامح، للمرة الأولى في دولة الإمارات، في فبراير 2016، واعتمد مجلس الوزراء برنامجاً وطنياً للتسامح، بهدف إظهار الصورة الحقيقية للاعتدال، واحترام الآخر.
يمضي عام التسامح في الإمارات في طريق سبعة محاور، ستظل بمثابة المشاعل في الطريق للإماراتيين بداية، وللإقليم والعالم من خلفهم لاحقاً، وهي باختصار مفيد:
1)    التسامح في المجتمع: من أجل تعزيز قيم التسامح الثقافي والديني والاجتماعي في الأسرة والمجتمع.
2)    التسامح في التعليم: انطلاقاً من أن من يعطي المبادئ التعليمية التسامحية، يفتح الطريق للمودات والتعاون الإنساني في البناء.
3)    التسامح المؤسسي: بمعنى إشاعة أجواء العدالة الاجتماعية للمواطنين والمقيمين، ما يرسخ مكانة الدولة كوجهة عالمية للعمل والعيش.
4)    التسامح الثقافي: من خلال تنظيم مجموعات متعددة من الفعاليات الفنية والثقافية، احتفاء بالجاليات المقيمة في الدولة والتعرف على الثقافات الأخرى.
5)    التسامح الإماراتي: بمعني تعميم النموذج الإماراتي، بهدف إبراز الدولة كعاصمة عالمية للتسامح، من خلال مشاريعها الحالية والمستقبلية.
6)    التسامح في السياسات والتشريعات: بمعنى أن الدولة تقوم على سن السياسات والتشريعات واللوائح التنفيذية والتي تدعم قيم التسامح في المجتمع وتعود بالفائدة على جميع أفراده.

الحوار وثقافة التعددية
كان من الطبيعي للتسامح أن يفتح أبواب اللقاء والحوار مع الآخر، وفي وجه ضيق الأيديولوجيات المتعصبة والمتطرفة، كان للتسامح أن يشرع واسعاً ثقافة التعددية، ويتيح لرحابة الإبستمولوجيا أن تسود.
وجدت الأديان في الأصل كروافع وحوامل إلهية، تنتشل البشر من الجهل والبربرية إلى عوالم التحضر والمدنية، وإلى ثقافة التنوع والتلاقح والتنافح، غير أن اللعب على أوتار المتناقضات، قاد العالم في طريق الصدام، وظهرت من هنا رؤى ونظريات عن صدام الحضارات وصراع الأمم والشعوب.
غير أن الإمارات أخذت على عاتقها وفوق أرضها مبادرات تقدمية فكرية ثقافية في مواجهة الإرهاب والأصولية، مبادرات ألقت بظلالها على العالم الخارجي، ولم تعد قاصرة فقط على الداخل الإماراتي.
نظرت الإمارات لما يجري حول العالم، ورصدت درجة غير مسبوقة من الإرهاب والتطرف العنيف بكل أشكالها وصورها، وقد باتا من أخطر وأشد التهديدات المؤثرة على القيم الروحية الدينية الموحدة، والأمن العالمي وازدهار الإنسانية.
رأت الإمارات من حولها الأيديولوجيات المتطرفة وتلك التي تقود إلى عالم الإرهاب، المتناقضة مع الطبيعة الإنسانية للأديان، وشاهدت محاولات مستميتة من الإرهابيين لزرع التشدد في المفاهيم العقائدية والدينية للمتدينين، الأمر الذي يلحق ضرراً جسيماً بالقيم الروحية والإثراء المتبادل بين الشعوب ويهدد الاستقرار والأمن الأممي حول البسيطة.
آمنت الإمارات بالقيمة الفعلية للحوار على كافة مستوياته وصعده، لا سيما بين أتباع الأديان الإبراهيمية، فالحوار يعني التمسك بمنطق الحكمة الإلهية.
وتعتقد الإمارات، يقيناً، بأن الحوار مع الآخر يعني قطع الطريق على الخوف من الآخر. وشددت الإمارات، مراراً وتكراراً، على ضرورة أن يبذل أتباع مختلف الديانات وبالتعاون المتميز مع ذوي الإرادة الطيبة، الجهود الحثيثة من أجل بناء التناغم الاجتماعي والتعايش السلمي، مع إيلاء اهتمام خاص بكرامة كل كائن بشري.
ويظل يقين الإمارات قائماً على أنه لابد من الحوار بين الأديان وأتباعها، والحضارات وأبنائها، فهذا الحوار هو السبيل القويم لدعم قيمة التسامح والتعايش بين البشر، ولمواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب، ودرء المخاطر التي تهدد البشرية، وتهدد الحضارة والأديان اللذين يمثلان صمام الأمان وحصن السلام للبشرية جمعاء.

دروب السلام
يحتاج المرء لتغطية ما حدث على أرض الإمارات في فبراير شباط الماضي، إلى ملفات قائمة بذاتها، ونحن نشير هنا، ولا شك، إلى القمة الفريدة غير المسبوقة عالمياً التي قامت على التراب الإماراتي، حين التقى بابا روما وشيخ الأزهر في ضيافة أبناء زايد ليرفعوا للعالم صوت الأخوة معاً، في ظاهرة لم يعرفها العالم من قبل. وقبيل الزيارة التاريخية والأولى لأحد باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للعالم العربي والإسلامي، وجه الحبر الأعظم البابا فرنسيس بضع كلمات للإمارات والإماراتيين جاء فيها «أنا في توجهي إلى الإمارات العربية المتحدة، أذهب إلى هذا البلد كأخ كي نكتب معاً صفحة حوار وللسير على دروب السلام».
والمؤكد أن مؤتمر الأخوة الإنسانية الذي قام على ركنين أساسيين هما بابا روما وشيخ الأزهر، كان لحظات فارقة من الزمن، وبدا واضحاً أن الإمارات التي حملت لواء التسامح والتصالح في الشرق عامة، قد عقدت العزم لجعل أشعة السلام الدافئة تصل إلى بقية أرجاء العالم الذي ملأته برودة المشاعر الإنسانية، قبل عوامل المناخ القاسية.
صدرت الإمارات للعالم، وثيقة هي الأولى من نوعها، وثيقة الأخوة الإنسانية، وثيقة تتأسس على قيم وجذور بشريتنا المشتركة، وثيقة بمثابة دعوة تخبرنا بأننا جميعاً نملك الكرامة عينها، وبأنه لا يمكن لأحد أن يكون سيداً للآخرين أو عبداً لهم، وأنه لا يمكننا أن نكرم الخالق دون أن نحافظ على قدسية كل شخص، وكل حياة بشرية.
لم يكن صدور هذه الوثيقة أمراً ارتجالياً أو عشوائياً، بل إدراك واعٍ من القائمين على الأمر في الإمارات بأن العائلة البشرية في حاضرات أيامنا في اختبار صعب ومثير، إنه اختبار شجاعة الاختلاف، ذلك أنه إن كنا نؤمن بوجود العائلة البشرية، فيجب بالتالي المحافظة عليها، كعائلة وكما في كل عائلة ذلك يكون، أولاً من خلال حوار يومي وحقيقي، وهذا الأمر يستلزم هوية شخصية لا يجب التخلي عنها لإرضاء الآخر، ولكنه يتطلب في الوقت عينه شجاعة الاختلاف، تلك التي تتضمن الاعتراف الكامل بالآخر وبحريته، وما نتج عنه من التزام ببذل الذات، كي يتم التأكيد على حقوقه الأساسية في كل مكان، ومن قبل الجميع، لأننا من دون حرية لا نكون بعد أبناء العائلة البشرية، وإنما عبيد.
عرفت الإمارات العربية المتحدة بنجاحاتها واستثماراتها في أدوات القوة الناعمة والثقافة في المقدمة منها، وهنا كان الباب فرنسيس يؤكد على أن الاستثمار في الثقافة يعزز انحسار الحقد ويدعم نمو الحضارة، ويقود العالم في مسيرة الحضارة والازدهار.

تعاون مع اليونيسكو
 تقدم الإمارات رسالتها في محيطها العروبي والإقليمي في إطار من ثقافة الجسور، ثقافة الحفاظ على التراث الإنساني المشترك، ذاك الذي حاولت الأيادي الآثمة تحطيمه مرة وإلى الأبد. وهناك عدة مبادرات قامت عليها الإمارات مؤخراً، توضح للقارئ أبعاد ما تقوم عليه وبالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو».
في مقدمة المشروعات التي تستهدف الحفاظ على تراث وآثار العراق الشقيق، يأتي مشروع إعادة بناء جامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء والمباني الملحقة بالمسجد الذي تم تدميره بالكامل، خلال سيطرة تنظيم داعش على المدينة، إضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية اللازمة حول المسجد والحدائق التاريخية، وبناء صرح تذكاري يحوي بقايا المسجد ومساحات ثقافية ومجتمعية وتعليمية لأفراد المجتمع الموصلي.
وتؤمن الإمارات بأن إحياء البعد الثقافي عند الأمم والشعوب طريق متميز لطرد الإرهاب خارجاً، فقد عاش جامع النوري الكبير لمدة ألف عام، وحظي بمكانة خاصة في نفوس جميع أبناء العراق، ولم يقو على هدمه سوى التطرف والإرهاب، وربما حان الوقت لدفعهما خارجاً، والثابت أن دور الإمارات الثقافي المتميز يتضح يوماً تلو الآخر، من خلال تجديد التعاون مع اليونسكو وتوقيع المزيد من الاتفاقيات، وهذا دليل على التزام الإمارات بتعزيز جهود اليونيسكو من خلال التعاون الدولي في مجالات العلوم والثقافة.
 لا تتوقف لمسات الإمارات الثقافية الخارجية في العراق عند حدود المساجد، بل تصل إلى الكنائس، كما الحال مع كنيستي الطاهرة والساعة في الموصل، المدينة ذات الجذور التراثية والآبائية عند المسيحيين العراقيين، وهما كنيستان عاشتا مئات السنين، إلى أن جاء الدواعش وهدموها وهجروا ما تبقى من أهلها.
وقريباً سوف يكون المعبد الهندوسي في إمارة أبوظبي جاهزاً لاستقبال الزوار، إنها الإمارات وحدها القادرة على سبر أغوار سردية الوصل الإنساني والتسامح الوجداني وبناء جسور الثقافات مع كل الأمم والشعوب والقبائل، وإضاءتها بمشاعل التنوير الحقيقية.

رسالة «بيت العائلة الإبراهيمية»
بيت العائلة الإبراهيمية، المقرر افتتاحه رسمياً عام 2022، مبادرة ثقافية تنويرية إماراتية جديدة، وهو مركز مخصص للديانات الإبراهيمية الثلاث، المسيحية والإسلام واليهودية، والذي سيضم مسجداً وكنيسة وكنيساً في نفس المكان، بالإضافة إلى متحف ومركز تعليمي في جزيرة السعديات بأبوظبي من تصميم المهندس المعماري الانجليزي «ديفيد أجاي»، ويعتبر المركز أول مبادرات اللجنة العليا للأخوة الإنسانية.
في هذا المشروع نحن أمام قراءة ثقافية وفنية واضحة، ودور فن العمارة هو إضفاء طابع متميز على العالم الذي نطمح أن نعيش فيه، وبما يعكس قيم التسامح والانفتاح والتطور المستمر، فالعمارة وفن تنسيق الأماكن يمكن أن يكونا تجسيداً لمعالم المكان والمبادئ التي شيد من أجلها العمل وتحفيز سبل الحوار ومساعدتنا في إعادة تقييم تصوراتنا الحالية بشأن العالم من حولنا واستكشاف المميزات التي يمكن أن نجنيها بشكل أكثر دلالة.
وفي هذا الإطار يشير المهندس أجاي إلى أن المبنى الخاص بالأديان الإبراهيمية الثلاث مهم في التخلص من المفاهيم التي تغذى الخلافات المذهبية والدينية، بمعنى أن التصميم يتسم بالطابع الشمولي والعالمي على نحو أكثر سمواً ويعزز ثراء الحياة الإنسانية ويحتوي على عناصر جمالية تعزز التأمل عند أصحاب الديانات الثلاث، ويحفز سبل الحوار والتفاهم في الوقت الذي يعيش العالم فيه هذه المرحلة الحرجة من تاريخه وفيما يشبه الحرب العالمية الثالثة المجزأة.