الأربعاء 30 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

جلال الدين أكبر.. ملك محارب وفيلسوف لا يعرف القراءة والكتابة

جلال الدين أكبر.. ملك محارب وفيلسوف لا يعرف القراءة والكتابة
26 يوليو 2013 20:55
في تاريخ الهند لا يوجد شخص يختلف حوله بقدر ما اختلف المؤرخون في تقييم السلطان محمد جلال الدين أكبر فهناك من يراه مصلحاً مدنياً حاول بناء شبه القارة الهندية على أساس المواطنة وهناك من يراه زنديقا كافرا مات على غير ملة الإسلام وحتى في ذلك خلافات حول الدين الذي مات عليه. ولد محمد جلال الدين في عام 949 هـ «1542 م» بإحدى قلاع السند، بينما كان والده السلطان همايون قد غادر مملكته بعدما نجح الأفغاني شير شاه في الاستيلاء على الهند ولم يقدر لهمايون أن يرى ولده إلا بعد قرابة 13 عاماً، وذلك بعد أن عاد من منفاه ليبدأ استرداد عرشه. وهكذا نشأ جلال الدين في قندهار متخفياً عن الأنظار ومن ثم لم يتلق أي قدر من التعليم فنشأ أمياً لا يعرف القراءة أو الكتابة بأي لغة من لغات البلاط المغولي، ولكنه رغم ذلك كان حاد الذكاء محباً للعلم والعلماء ويقبل على مجالستهم والتحاور معهم وحسب المصادر التاريخية، فإن حفيد تيمورلنك كانت لديه مكتبة ضخمة تضم 24 ألف كتاب. بعدما استعاد همايون ملكه عين ابنه جلال الدين حاكماً على البنجاب في عام 962 هـ / 1555 م وبعد عام واحد توفي همايون فنودي بأكبر سلطاناً على الهند وهو في الرابعة عشرة فتولى الوصاية عليه بيرم خان وزير أبيه. التربية العسكرية بتربيته العسكرية البحتة نجح وهو تحت وصاية بيرم خان في قهر أعدائه من أنصار شير شاه الأفغاني وواصل معاركه ضدهم حتى استرد منهم دهلي وأجرا وانتزع منهم البنغال في الشرق لينتهي خطرهم بحلول عام 983 هـ. ثم التفت لحكام الأقاليم الراغبين في الانفصال فاقتحم حصون الراجبوت المنيعة في عام 976 هـ وكجرات عام 980 هـ ليضمن بذلك أمن حدوده الغربية. وأخيرا سعى أكبر لتأمين حدوده الشمالية الغربية بالقضاء على تهديدات الأوزبك الذين أغروا شقيقه ميرزا حكيم بالثورة ضده ولكنه قبض عليه ثم عفا عنه في عام 989 هـ وواصل حروبه التوسعية لتبلغ إمبراطورية مغول الهند أقصى اتساع لها في عهده حين ضم كشمير والدكن بل وقندهار التي كانت تحت حكم الصفويين. وبعيداً عن جهوده العسكرية التي تميزت بثبات وتقدم واضحين كانت حياته الشخصية وسيرته بين رعيته متقلبة وحافلة بالمفاجآت بدأها أولا بالإطاحة بالوزير بيرم خان الوصي على عرشه وذلك في عام 967 هـ متهماً إياه بالميل لأبناء مذهبه من الشيعة وتعيينهم دون سواهم في مناصب الدولة. وقضى بعد ذلك عامين تحت سطوة نساء البلاط بمن فيهن والدته حميدة بنت علي أكبر جامي ومرضعته قبل أن يحكم منفردا عام 969 هـ. مجادلات فلسفية وطوال حياته ظل جلال الدين محمد أكبر مغرماً بالمجادلات الفلسفية حول العقائد والأديان وجمع في بلاطه عدداً كبيراً من العلماء من مختلف العقائد، حيث كان يحضر بنفسه المناقشات بينهم وهو ما أدى لازدهار كبير في العلوم والثقافة إلى جانب عنايته الفائقة بالفنانين من خطاطين ومصورين وموسيقيين ويكفي أنه عهد لمرسم البلاط بأمر تقييد يوميات حكمه بالكتابة والصورة فيما يعرف باسم «أكبر نامه» ومن خلال مخطوطات هذا العمل توصلنا لعدد كبير من صوره الشخصية. وقاده شغفه بالفلسفة إلى أن يشيد داخل قلعته المعروفة باسم فتح بورسكري والتي أشرف على تشييدها لتكون مدينة ملكية صغيرة ومجلسا خاصا بالمناظرات الفلسفية عرف باسم عبادة خانه في محاولة منه للوصول للحق الخالص بعد تأثره بأقوال المتصوفة من المسلمين وتفرده في بعض الكهوف بنفسه للتأمل الصوفي. ومن أجل أن تشمل المناقشات في بلاطه كافة الأديان والمعتقدات ضم لمجالسه المسلمين من كافة المذاهب والهندوس، ثم أرسل للبرتغاليين في جزر إندونيسيا يدعوهم لعدم الاعتداء على مملكته وتزويده بنسخة مترجمة من الإنجيل، بل وسمح للمبشرين بالدعوة للنصرانية في أراضي دولته. مناهج وبعد عشرين عاماً من حكمه قضاها مسلماً تقياً يؤمن بمناهج المتصوفة انتهى إلى وضع دين جديد سماه «الدين الإلهي»، وكان في حقيقته مزيجاً من الديانات المعروفة في الهند ويقوم على الاعتقاد بوجود إله واحد رمزه الشمس والنار وبأن السلطان هو ظل الله في الأرض والمجتهد الأكبر وقرر في ديانته تلك اتباع الدين الجديد والامتناع عن أكل اللحوم والبصل والثوم وجعل يوم الأحد يوم دخول الناس في هذا الدين كما وضع تقويماً جديداً يبدأ من جلوسه على العرش. ويعزو البعض هذا الجنوح من السلطان جلال الدين أكبر إلى رغبته في تخليص مملكته الضخمة من الصراعات المستعرة بين أبناء الديانات والمذاهب المختلفة عبر دين يجمع بين معتقداته مفردات من مختلف ديانات رعيته وخاصة الإسلام والهندوسية وبدرجة أقل الزرادشتية والمسيحية. وبالطبع واجه أكبر انتقادات لاذعة من المسلمين الذين اعتبروه كافراً ومن غلاة الهندوس من رجال الدين نظراً لعدم قدرتهم على السيطرة على الهندوس الذين أقبلوا على الدخول في الدين الجديد. والحقيقة أنه لا يمكن إغفال هذا الهدف السياسي على ضوء أن أكبر حاول التخفيف من وطأة الضرائب على رعايا دولته وخاصة على الغالبية من الهندوس فقضى على النظام الإقطاعي وأحل مكانه نظاماً إدارياً مقتبساً من النظم الفارسية والمغولية واتبع سياسة المساواة الاجتماعية حتى أنه ألغى الجزية المفروضة على الهندوس، وكذا ضريبة الحج لأماكنهم المقدسة وعينهم في مناصب الدولة فضلاً عن مصاهرته للهندوس وتشييد معبد صغير لزوجته الهندوسية داخل القصر. مخطوطات وترد صور جلال الدين أكبر في المخطوطات المغولية الهندية سواء التي رسمت صورها تبعاً لتقاليد مدرسة التصوير الإسلامي أو طبقاً لأسلوب المدارس الهندوكية المحلية وتتفق جميعها في تصوير جلال الدين اكبر كمحارب يتميز بطول القامة وقوة البنية الجسدية فضلاً عن بشرته التي تبدو داكنة نوعاً ما ربما في إشارة للأصول الهندية لوالدته حميدة بنت علي أكبر. وتحرص الصور على أمرين أولهما إبراز تنوع أغطية الرأس التي يرتديها السلطان بحسب المواقف التي يصور فيها ففي الصور الشخصية نجد التاج الذي يأخذ شكل عمامة متعددة الطيات محملة بأصناف من الجواهر والأحجار الكريمة، بينما في مناظر البلاط والمعارك التي خاض أكبر غمارها بنفسه يكتفي بعمامة بسيطة غالباً ما تكون حمراء اللون. ولم يكن جلال الدين أكبر حريصاً على أن يكون ملتحيا واكتفى بشارب كثيف أنيق ونجده في مشاهد كثيرة يرتدي ملابس هندية محلية باللون الأبيض وقد وصلتنا عدة صور توضح محاورات السلطان في مجلسه الفلسفي «عبادة خانه»، حيث يبدو مهتماً ومندمجاً في المناقشات التي تدور بين الفلاسفة وقد حرص الرسامون على تصوير أكبر المحارب ممتطياً صهوة جواده أو راكباً فيلاً. واختلفت الآراء حول الاعتقاد الذي مات عليه جلال الدين أكبر وإن كان الراجح أنه مات على عقيدته الجديدة خاصة وأنه كان يعتبر الإسلام والهندوسية ديانات طيبة ولكنها قديمة. إضاءة واجه أكبر منذ اللحظة الأولى مخاطر كبرى لم تقف عند حد محاولات خلفاء شير شاه استرداد الحكم أو تمرد حكام الأقاليم الذين أغراهم صغر سنه بالسعي للاستقلال، بل تخطت الفتن تلك لسلسلة من الأوبئة الفتاكة التي راح ضحيتها عدد كبير من السكان.
المصدر: القاهرة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©