الاتحاد

ثقافة

عن أيّ ثقافة وبأيّ لغة

عن أي ثقافة بأي لغة؟ عن أي ثقافة تتكلم وبأي لغة تحلم؟ سئل مبدعون كثيرون، منهم الأكاديمي والكاتب النيجيري «تشينوا آتشيبي»، سؤالاً مشابهاً، فأجاب بأنه يحلم بلغتين، وأكمل حديثه بشيء من خفة الدم. ومن ذلك أيضاً أشياء تذكر بها كتابات تقع عليها العينان واليدان من الشرق والغرب كأن يتعرف الإنسان إلى مبدع في قامة الإيرلندي «صامويل بيكيت»، واللغات الثلاث الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وحلمه ككاتب بالفرنسية. أن تحلم بلغة غير لغتك، وتمارس بلسان ثقافة غير ثقافتك، ليس بالشيء الغريب فعلًا، بالنسبة لأحاديي أو ثنائيي أو ثلاثيي أو متعددي اللغة، الدخول في هذا الحلم ممكن، وهو يشبه الغواية حين يمارسها البشر تدخل من باب كبير مفتوح، وما أن تضع رأسك على الوسادة أو تبدأ الكتابة يتحقق حلمك، لا جغرافيا ولا سياسة تفرض قوانينها، وحدها الثقافة تشتغل.
وكجزء من بعد الحلم، أنك إذا خرجت من الباب الكبير ودخلت من الباب الصغير، وسألك أحد عن أي ثقافة تتكلم، في الأدب - مثلاً - ستتلعثم أمام حكايات «علي بابا، والسندباد وعلاء الدين والمصباح السحري وقصص ألف ليلة وليلة» من أي باب دخلت عليك من الهند أم فارس أم بغداد؟ هي دخلت وغيرها يدخل مفردات ومصطلحات ومتغيرات وممارسات ثقافية مختلفة نقبلها أو نرفضها، المهم أنها تجعلنا أكثر وعياً بالحياة، وبأن الثقافة واللغة في أي مكان وزمان خارج فكرة النقاء المطلق، والاحتكار، وداخل قاعدة المشترك.
وعلى ذكر هذه القاعدة لا تحسد اتشيبي على حلمه بلغتين أو تحسد بيكيت على الثلاث لغات وحلمه بالفرنسية، بل احسد أهلك والأقربين منك من أهل الخليج، فهم ليسوا ولم يكونوا ثلاثيي أو حتى ثنائيي اللغة، لكنهم تجاوبوا مع الفكرة، وطبخوا إرثاً ثقافياً متعدد النكهات، تجد فيه العربي يختلط بالهندي بالفارسي بالإفريقي، من «الجوتي» إلى «البشت» و «البرياني»، إلى بعض أنواع الغناء والفن التعبيري والأزياء. المشترك وإن كان بسيطاً هو الحلم بلغة أخرى، وإذا كانت الهند من الدول التي دخلت على قاموسنا اللغوي منها مفردات لغوية وعلى قاموسنا الثقافي الفن والجمال، فغيرها من الثقافات البعيدة تعلمنا منها تقول بعض الوثائق التاريخية «دق الهريس»!
طبق الهريس اللذيذ الموجود في مطبخنا الخليجي اكتشفوا أن أصله من «أرمينيا». عن أي ثقافة نتكلم وبأي لغة نحلم، ومن أي مطبخ نأكل، نحن نتكلم بكل الثقافات، ونحلم بكل اللغات، ونأكل من كل بلد، نحيا بالثقافة بشكلها الإنساني، وإن كان بواسطة التخاطر عن بعد.

اقرأ أيضا

مسرحيون يثمنون مكرمة حاكم الشارقة