الأربعاء 29 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
معرفة الكينونة الإشراقية وتحولات العالم
معرفة الكينونة الإشراقية وتحولات العالم
25 أكتوبر 2018 00:13

غالية خوجة

أسئلة لا تحصى يطرحها الشاعر المبدع المفكر الناقد عبدالعزيز جاسم في كتابه «جحيم نيوتن، تأملات ثقافية في تحولات العالم» (الجزء الأول/‏‏ دار التنوير ـ بيروت)، منزاحاً بتفكير القارئ إلى جهات رؤيوية أخرى غير مطروقة حول العديد من الثيمات المحورية عالمياً، منها جحيم نيوتن ومكانه الواقعي الذي يبعد عن الأرض طبقاً لمعادلة نيوتن الموسوعيّ المعرفة: «إنها تبعد عنا مسافة (3758) ميلاً مربعاً، وأن عرضها (2505) أميال ونصف الميل»، ومنها مفهوم الزمان ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهل من الممكن أن يكون الزمان بأبعاده الواقعية والافتراضية مجرد (حاضر أبدي)؟ وما دور القوة والعنف والحروب في امتلاك الزمان؟ وكيف لدورات الصراع اللانهائية أن تكون نهائية؟ وما دور الثقافة الإنسانية في تطهير العالم؟
قبل البدء، ثمة اختلاف إبداعي مميز، منذ المجموعة الأولى للشاعر عبدالعزيز جاسم «لا لزوم لي» (1995)، التي تحلّق بكلماتها وصورها وأحداثها ورؤاها بعيداً عن الاعتيادي والمألوف والتقليدي، لتعكس حالة إبداعية حداثية متفردة، تتشابك فيها فلسفة الوجود واللاوجود بشعرية الروح الشاعرة والأنا الشاعرة، مشيرة بقوة دلالية وطاقة فلسفية لونية إلى حالة متصوفة خاصة، وسوريالية يومية حياتية كونية رائية، تتغلغل الذاتَ الإنسانية بعيداً عن الشوائب الروحية، وتتوغل قريباً من الإشراقات الشعرية المتفردة، التي تشكّل هالات استثنائية للصور الشعرية، وحواس المعاني، وحدوس الكلمات، مما يجعلها توحي، تشير، وتستنطق الإيحاءات، مختزلة العديد من المحاور الأساسية الوجدانية الإنسانية المندغمة مع الطبيعة وذاكرتها ومحليتها وأسطورتها ومكنوناتها الأخرى، مثل الموت والحياة والحب والصحراء والماء والزمان واللازمان.
ثم يتصاعد الخط البياني الرؤيوي للذات الشاعرة، وتتوالى الإصدارات، ومنها: «مجهول البحر ومعلومه»، «افتح تابوتك وطرْ»، «آلام طويلة كظلال القطارات»، «الأعمال الشعرية الكاملة ـ الجزء الأول»، «أثر الكلمات والتنادي»، «جحيم نيوتن»، وجميعها تؤكد على استمرار الإدهاش الإبداعي كأهم عنصر فني جمالي في قصيدة ما بعد الحداثة الإماراتية والعربية والعالمية.

الإشارات الغامضة
بدءاً، للنار مدلولاتها المتنوعة، منها أنها رمز للمعرفة لأنها تضيء بالنور، ولا تخفى أسطورة «بروميثيوس»، سارق النار، ومنها النهار كآية كونية، والقمر كمفردة دالة على الضياء ليلاً، والبحث المستمر للشعراء والعلماء والمفكرين عن الضوء الداخلي والخارجي معاً من خلال الكلمة واللون والعلوم والثقافة والمعرفة والجمال، وصولاً إلى قوله تعالى عندما تحدث موسى عليه السلام عن النار: «إني آنست ناراً»، وإلى ما لا نهاية من هذه المفاهيم بمعانيها ودلالاتها ورموزها ومدلولاتها وتحولاتها المستمرة خصوصاً في الزمن التكنولوجي الحالي، وما بعد هذا الزمان.
يرحل بنا كتاب «جحيم نيوتن»، وعبْر (482) صفحة، إلى عوالم متداخلة بين الفيزيقيا والميتافيزيقيا من خلال بنية شعرية، تأملية، مبصرة، تفلسف الأبعاد الثلاثية للمخيلة، وتمنح الأزمنة بعدها السري الخالد، الناتج عن شبكية العلائق والأنساق والصور والرؤى والمخيلة والذاكرة الذاتية والجمعية، والروح القادمة من المستقبل، مما يمنح الجحيم مطهراً آخر من اللغة، والنص المثقف بالموروث الإنساني، التاريخي، الميثيولوجي، الأدبي، العلمي، والمعرفي، والتأملات الثقافية بأبعادها اللا متناهية.
لكن، كيف تتمازج هذه الوحدات والمحاور والمفاهيم والدلالات والصور في وحدة لغوية شعرية، ووحدة معرفية ثقافية، ووحدة مخيلتية مشرقة، تنصهر ضوءاً على ضوء، إيحاءً على إيحاء، اختزالاً على اختزال؟
إنها عملية جمعت عدة معادلات ذهنية ونفسية وكونية، ناغمتْ ما لا يتناغم، إضافة إلى تكاشفاتها مع السر العميق لكل من (الكينونة الكلامية)، و(الكينونة الرؤيوية)، و(الصيغة الإبداعية المتفردة):
1 ـ الكينونة الكلامية ومفاهيمها، في هذا النسق، هنا، أقرب إلى مفهوم (ابن عربي) ووحدة الوجود، بينما الكلام فهو ضمن مفهوم فرناند دو سوسير (F. De Saussure) والذي يؤدي وظيفته الفنية كلغة خاصة داخل اللغة ومن اللغة.
2 ـ الكونية الرؤيوية المنزاحة إلى المدلولية بمفهومين متداخلين بين ما تشير إليه فلسفة العلامة وتأويلاتها تبعاً لإبستيمولوجية ميشيل فوكو (Michel Foucault)، لا سيما في كتابه «الكلمات والأشياء»، وما تشير إليه البنيوية التفكيكية التركيبية تبعاً لمفهوم جاك دريدا (Jacques Derrida).
3 ـ الصيغة الإبداعية المتفردة على صعيد النسق الخاص بالشاعر عبدالعزيز جاسم من فهرس الكلمات إلى انزياحات المفاهيم وصولاً إلى سيميائية الإشارة والدلالة والإيحاء، وذلك ضمن تشاكلاتها النسقية المختلفة، وحواسها المتنوعة بمستوياتها الصوتية والصمتية والصورية والفراغية المنتجة لشبكة المعنى وصورته وهيولاهُ وتأويلاته ومدلولياته، وهذا ما تعكسه كثافة الاختزال التي تتمتع بها قصائد وكتابات الشاعر عبدالعزيز جاسم، الذي يحاول اختزال الكون بنقطة في كلمة، تبعاً لمفهوم الشاعر والناقد أرشيبالد ماكليش (Archibald MacLeish).
وضمن هذه الشبكة المتشابكة فنياً، نستطيع القول بجاذبية الأسلوب المثقف العاكس لأركيولوجية المعرفة، وانفتاح الفكر من خلال تأصيل الحداثة، وحداثة التأصيل، والاهتمام بالعقول الشابة لتجنيبها التغرير بالفتاك بها وبالمجتمعات، ومناقشة العقل العربي والإنساني، والقدرة على الفصل بين المقدس والمدنس مع ضرورة عدم تدنيس المقدس، وله في ذلك حكمة أزلية: «ليس بالدين وحده تتطور الأمم، بالرغم من أهميته البالغة روحانياً واجتماعياً وأخلاقياً ونفسانياً، كما لا يمكن للدين ذاته أن يُفهم ويتم استيعاب جوهره ومعناه وثراه المعرفي، بمعزل عن تطور العلوم والمعارف والمجالات الأخرى التي تغني فهمه وتسهل محبته لا كراهيته». (ص (50).

من يمتلك الزمان؟
وللقارئ أن ينشئ روابط عديدة بين الظلام والجحيم والجهل، ناتجة عن المفارقات المعاشة، التي يستنتجها المبدع جاسم، بأسلوب رمزي شفاف، لا يستغوره إلاّ العقل المنفتح على احتمالات نورانية، ومن ذلك، هذا الربط بين الجحيم والظلام الدامس والسقوط خارج الكينونة: «فهذا المكان الظلامي الدامس هو «عذاب بلا نهاية، وزمن بلا زمن»، إنه «السقوط خارج الكينونة»، وإنه التعاسة المطلقة، والهلاك المطلق، بل هو «وجه الموت الحقيقي». إنه المنفى الخالد الأشد كآبة ووحشية، حيث لا أمل بالخلاص مطلقاً» (ص 53).
تتخذ مفردة الجحيم العديد من المعاني، المترادفة، المتضادة، المتناقضة، واللامتوقعة، تماماً، كما هي مفردة الحياة وتقلباتها بين المفاهيم ومنها مفهوم العنصر الناري، ومفهوم الموت، ومفهوم الخلود، لكنها وفي تحولاتها المختلفة، ومفاهيمها المتنوعة، تؤكد على أن الجحيم هو فقدان القدرة على الحب، وهذا ما يؤكده الشاعر عبدالعزيز جاسم، ذاكراً العديد من الأعمال الأدبية الإنسانية، ومنها على سبيل المثال رواية دوستويفسكي «الأخوة كرمازوف»، أو «وحش دافنشي المخيف» (ص147)، أو «الحميمية الشبحية» (ص151)، وبالمقابل، هناك الكلمة اللغز (النجاة)، أو (الخلاص)، ملفتاً إلى أنه إذا ما حورتْ عبارة فرناندو بيسوا قليلاً، «فإن الحياة هي التي تعيشنا، ونحن لا نعيش الحياة» (ص 97).
وضمن هذه الموجات، نلاحظ، وفي عنوان «مشنقة الماء»، أن الغرق متنوع ذاتي/‏‏ طبيعي، بيئي/‏‏ صناعي، إغوائي/‏‏ استهلاكي، حربي/‏‏ تدميري/‏‏ مميت، إعلامي/‏‏ مرئي تحريفي ومزور، وخارجي وتكنوإلكتروني، وهو إغراق بمعنى معاصر، ناتج عن الرأسمالية التي سلّعت الإنسان أيضاً.
وتستوقفنا أسئلة حيوية، جوهرية، تشرق بين لحظة وأختها، من «جحيم نيوتن»، مثل: «لم يعد السؤال المركزي الآن بالنسبة لنا هو: أين نحن؟ بل من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف نحقق ما نريد؟ وإلى أين المسير؟» (ص 110).
ومن الأسئلة الهامة الأخرى، سؤال: «أحمد بن ماجد: خائن أم بطل؟» (ص440)، ولماذا؟ وكيف صارع الأمواج في حياته، وكيف يصارع الاتهام بعد مماته؟
ولا يجيب عن الأسئلة سوى المزيد من الأسئلة، المصاغة بطريقة الاستفهام، أو المكتوبة رؤى، كي يتساءل عنها القارئ، وهذا ما تشير إليه مؤكدة العناوين الأخرى، ومنها، مثلاً، «صناعة الظلال أو حصار المرايا»، وهنا، يتخذ المكتوب أبعاداً سوريالية وتكعيبية جديدة، عندما تصبح الظلال حالة متناثرة، تعكسها المرايا في سبيل البحث عن الجسد الحقيقي الذي لم يتهشم من دواخل ذاته، لكنها الحياة وندوبها التي تجعل الحطام يحاصر المرايا، ويظل الإنسان باحثاً عن ذاته، متداخلاً مع مرايا الكوزمولوجيا، ومرآة آدم، والعالم كمرآة، ليجد المرء نفسه في غابة مرآوية، فيزيائية، كيميائية، فلسفية، نفسية، هرمسية، صوفية، باراسيكولوجية، وذلك عبْر العديد من الأسماء الفارقة التي يذكرها المؤلف ومنها: هيراقليطس، أينشتاين، بول ريكور، نيتشه، فرويد، هيدغر، راما مهارشي، فرانسوا ماركيه، تومادو كونانك، شيللر، وغيرهم.
ويتأمل المؤلف دلالات المرايا مشابكاً في لحظة تقاطعية بين الشعور واللاشعور وما قبل الشعور، ومرايا الحلم، والعقل المرآوي، (كوائن العقل) ومضامين الصورة، وهيولاها، وجمالياتها، وحقيقتها، ومكونات (الصورة البرزخية) ثلاثية التمرئي: (الحالمة، التفكير، المرآة)، ورغم ذلك، تظل الصورة متغيرة وزائلة، ولاستنباط الدائم منها، لا بد من التركيز على العين الصافية المحاربة للآفات السرطانية ثقافياً، وأخلاقياً، وفكرياً.

الظلام الروحي
وتتقابل المرايا، وتتعاكس، وتتمرأى فيها الأرواح، وتتحطم مع المألوفات، لتشير إلى مفاهيم معاصرة تغيرت، وانحرفت عن مألوفها الطبيعي إلى مألوف تكنولوجي، فلم يعد القمر ذاك المعنى الذي يتغزل به الشعراء، أو ذاك الكوني الباعث للأمل والأحلام والتأملات في الليل، لأنه في الآنيّة المعاصرة، أصبح «مقبرة كونية عائمة، مجرد قمر لا أكثر، إلا أن كل هذا الموت هو مصدر قوته العظيمة الباعثة على الحياة» (ص 134)، بينما غدت الأقمار الصناعية هي أقمار اليوم: «في عصر الميديولوجيا والشاشات، نوع جديد من المرايا التقنية ـ الرقمية التي أصبحت مزروعة في كل شبر من الكون».
ويلفت المؤلف إلى «الاستعمار الداخلي»، كما يسميه يورغن هابرماس، لأنه يساهم في «نفينا بعيداً عن ذواتنا وهوياتنا وأمكنتنا في الخارج العمومي، وذلك نتيجة خضوعنا «للعقلانية الأداتية» للتقنية، التي أوجدت نسقاً من الاستحكامات التسلطية المرعبة» (ص140)، وضمنها منظومة التسلط الثقافي والفني المتماشية مع الأجندات السياسية والاقتصادية العابرة للقارات.
وتستمر الأفكار المتأملة والإشراقية في التساؤلات، عن الماهوية، ومنها العلم الذي يقول عنه بريجز: «إنه لعبة الفهم الدائم لهذا العالم، إنه محاورة مع الكون» (ص 137).
ولا نجاة سوى بالتحاور بصفته مرايا ونوراً آخر للتواصل والوصول واللاوصول أيضاً، وبصفته نوعاً من التحاور مع الذات من أجل التحاور مع الكون بعيداً عن أي مكون خارجي، قريباً من كل مكنون ومكون ذاتي، ليظل التحاور الصاعد من الذات إلى الكون، الهاطل من الكون إلى الذات، فعلاً مؤثراً وفاعلاً، يستقرئ معابر الأرواح، ويلتقي بجاذبيتها الأشد لمعاناً بعيداً عن مقولة سارتر: «الجحيم هو الآخرون».

النداء السري
هل المكان يروي سيرتنا، أم نحن من يروي سيرته؟ يجيبنا عنوان «مدن مسترجلة» (ص 194)، عن أسرار المدن، وكيف تبني هذه المكانية علاقاتها المتشابكة مع طبيعتها وجغرافيتها وسكانها والعابرين منها والمقيمين فيها، وكيف من الممكن أن تصبح بلا قلب حين تكبر مبتعدة عن طفولتها! لكنها تظل على علاقتها الدائمة بالأرض الأمّ كونها نبتت منها، وابتكرتْ لنفسها سيمفونية من الأصوات والرموز والسرديات، ولذلك «لا ينبغي للمدينة أن تنفصل عن روحها». لكن، ما الفرق بين المكان الواقعي والمكان الراسخ في مفاهيمنا؟ يؤكد «جحيم نيوتن» على عدم وجود «المدينة المثال، الرمز، المخلّص، الفردوس المفقود، أو الجنة الضائعة. هذه المدن عادة ما تكون مصوغة وفق نظرة يوتوبية: كجمهورية أفلاطون مثلاً، أو المدينة الفاضلة للفارابي».
ويقارن عبدالعزيز جاسم بين المدن المسترجلة والمؤنثة، رغم أن مفردة المدينة مؤنثة، إلاّ أنها قد تصبح مسترجلة عندما ينبت لها أنياب ذئب، وأسنان افتراسية، وتتقنّع بما لا يناسبها، و«يظهر خرابها في الجينات القادمة. إنها تمثال من الأكاذيب ومملوءة بالأقنعة. لأن لسانها وملامحها وعلاماتها وصورها كلها مستعارة، من جسد آخر ومن أفعال أخرى، ولأن ذاكرها مطموسة في الطين، ولا وجه لها يُعرف»، بينما «على الضفة الأخرى المترامية من العالم، هناك مدن على العكس من ذلك، تجدها تحضنك وتشدك نحوها قبل أن تصل إليها».

اللاوعي والاستكشاف
كيف تتطور أدوات اللاوعي؟ وماذا يعني الدوران الاستكشافي؟
لا بد من تطوير الفهم والمفهوم والمفاهيمية من خلال تطوير أدوات المعرفة والوعي واللاوعي، لنستبطن المزيد من الوجود والموجودات واللاوجود واللاموجودات، ونحاور غوامضها الظاهرة والكامنة، من أجل الاكتشاف، وتوظيف هذه الطاقة بإيجابية، لأن الأرواح لم تعد تحتمل المزيد من الطاقة السلبية السالبة، وكذلك الأرض والكواكب ومجرة التبانة.
ولأن الثقافة محور أسّيٌّ وأساسي لاستكمال الدوران الاستكشافي، فهي «بهذا المعنى المرآوي، هي أيضاً مرآة مجتمعية وكونية هائلة، تتحقق من خلال معبرها البرزخي هوية الذات الفردية وهوية الذات الجماعية معاً. وبما أن الثقافة في الجوهر، هي زمان ومكان وذات وهوية وفعل ورد فعل ولغة ودلالة ووعي وفضاء مفتوح، فهي أيضاً ليست سوى التيقظ والإبقاء على المعنى مستيقظاً» (ص 152).

شيفرة التخلف
كيف نفكّك شيفرة التخلف؟ ونفخّخ الموت بالحياة؟
لكي تحقق الثقافة وظيفتها الذاتية والمجتمعية فلا بد من مسارات هامة، منها النقد البنّاء في زمن التشيؤ الإنساني والمجتمعي (ص227)، والانتباه من الاستعباد الاستهلاكي، وضرورة الانصهار مع كلمة الوطن وحروفها الضامة، الحاضنة (ص 239)، إضافة إلى التساؤل الهام: لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب؟ ما سر تأخرنا؟ هل التاريخ؟ أم الماضي؟ أم الحاضر؟
الشر مسوغ جهنمي احتلت به أمريكا العراق، (ص271)، وما زالت الحرب على الأحياء، و(الأموات)، ومازال تحطيم الإنسان والحضارات والآثار قائماً (ص307)، ومازال الاحتفاء بالذبح على أنغام الموسيقى حاضراً على الأرض، وهؤلاء الجزارين، بكل تأكيد، مفرغين من الأخلاق والأديان، وهذا ما يأتي بين الصفحات من (310) و(341)، ولذلك، فإن «الموت في خطر» (ص 348)، لأن الموت أصبح صناعة بشرية، بينما ثقافة أنثروبولوجيا الأديان، فتؤمن بالقلوب مقامات، وبالمحبة والسلام، أمّا الثقافة كبنية كلية عامة، فهي مصابة بالتفتت وهذا يعني أننا أمام «قنبلة موقوتة» (ص 424)، كما التركيبة السكانية والعمالة، وكما الإعلام الذي من المفترض أن تكون أهدافه نبيلة، كما رواج النعرات المدسوسة والتكفيرية في الوسط الثقافي والحرم الجامعي والثقافات الشعبية المستندة إلى منطلق مذهبي مسيَّس وضيق الرؤية والآفاق (ص 406)، كما شيوع «المزاجية والأبواب الخلفية» (ص 417)؟
ولا طريق مؤدية إلى البزوغ الذي يفكك شيفرات التخلّف إلاّ محبة الأوطان، وانتشار ثقافة السلام، وبناء دواخل الإنسان، والاستناد على الضوء الإيجابي من الموروث المحلي، العربي، والعالمي، بغية الاستمرار في الارتفاع عبْر مقامات القلوب المثقفة بالمحبة، البانية، بدورها، ليس لجحيم نيوتن، بل لروح الحياة.

المواجهة الإيجابية
لكن، ماذا يفعل اللامنتمي لهذا الزمان المتخم بـ «ثقافة القمامة» (ص 370)، و«الحبسة الثقافية» (ص 374)؟ هل يلجأ إلى التصوف الثقافي الانعزالي؟ أم يلجأ إلى الموقف الثقافي كواجب في المواجهة، فيرفع وتيرة الإيقاع بما يناسب «التحولات الثقافية العالمية وما تتطلبه هذه التحولات من مواجهات فكرية ونقدية عالية المستوى والمردودية» (ص 416)؟
ضمن هذه المفاهيم الثقافية، تبرز ثقافة المواجهة الإيجابية، ومثالها، الثقافة الوطنية العفوية التي تظهر دور «المرأة الإماراتية في الحروب الاستعمارية.. محاربات جلفار» (ص 456) «تلك المحاربات اللاتي، وعلى مدى أربعة قرون من شتى أنواع الاستعمار، وقفن مع الرجال على خطوط النار الأمامية لحماية الوطن واستشهدن من أجل الوطن، وهذا مما لا بد من توثيقه مرجعياً، وفي ذلك، يذكر عبدالعزيز جاسم كيف في عام (1819)، شنت السلطات البريطانية أكبر حملة عسكرية على رأس الخيمة، ليدمروها عن بكرة أبيها كما فعلوا عام (1809)، لكنهم فوجئوا بهجوم عليهم، أجبرهم على الهروب»، وتبيّن لاحقاً، أن «الكثير من الجرحى من النساء اللواتي شاركن في الهجوم. لقد كانت نسوة «القواسم»، يتميزن بالشجاعة والإقدام مثل الرجال»(ص460).
إذن، لا بد من إعادة النظر بالثقافة ومفاهيمها ودورها وأهدافها بدءاً من إعادة النظر بالتراث، واكتشافه، مع ضرورة الانفتاح معه على الآن والقادم، ولذلك، فإن التناغم الجمالي الإنساني هو محور الرؤى الماهوية كي لا تغيب الثقافة كروح مجتمعية وكشرط جوهري لتقدم المجتمع (ص 417).
أيضاً، لا بد من حوار فلسفي فكري ثقافي، ولا بد من تفكيك مفهوم الحوار وبنيته ليكون حواراً مؤثراً وفاعلاً، انطلاقاً من أسئلة الماضي والحاضر، وصولاً إلى ضرورته كسلوك حضاري صميمي (ص 439)، ينجز دوره في «الطريق إلى الحياة» (ص 331)»، من خلال «ثقافة السلام»، لأن دور الثقافة، أيضاً، هو إنجاز السلام من أجل الحياة، ودورها الحالي تاريخي، وحضاري وأممي وإنساني.

فلسفة اللامرئي
ماذا بين العالم السبراني والاتصال الكوكبي والمرئي؟
يكشف «جحيم نيوتن»، عن مزيد من التشابك والاشتباك في العالم المرئي، الذي أصاب الثقافة أيضاً ببرمجة معينة تتماشى مع الأجندات السياسية والاقتصادية العابرة للقارات: «إنها ثقافة عولمية مخدرة، استلابية، آنية، زائلة، ترفيهية، سياحية، متحفية، سطحية، مدائحية، مزيفة» (ص142).
وليختزل الشاعر فلسفة اللامرئي، فإنه يدعو الإنسان إلى حكمة أزلية بدأتها، ذات يوم، عرافة «دلهي»: «إعرفْ نفسك»، وأكملها جحيم نيوتن: «إعرف مرآتك تبصر ذاتك» (ص148)، حيث اختزل المعرفة والإبصار والاستبصار، بفعلين شرطيين (أعرف/‏‏ تبصر)، بينما شابك (الذات) و(المرآة) في حالة كنهيّة واحدة، تتمرأى إحداهما بالأخرى تكاشفياً، مما يجعل الإنسان أمام طريقين، أن يكتشف الغموض، أو يجعل من الاكتشاف غموضاً آخر.

طريق ثالث
هل المستقبل أصبح ماضياً منذ أزمنة لا تحصى؟
ولكن الشاعر عبدالعزيز جاسم، يقترح طريقاً ثالثة، واحتمالاً جمالياً آخر هو «الصورة البرزخية» بمعناها العرفاني أو الصوفي، أو الهيدغري، حيث الصورة هي الجوهر، والجوهر هو الصورة، فلا مفترق، ولا تفريق، بعد ذاك الوصول، إلاّ من أجل الصعود إلى الوصول والتحليق أبعد من الوصول، لأنها متغير في المتغير، ويسري على طبيعتها القانون الهيراقليطي، أو فلسفة ابن عربي الباحثة عن التحام الصورة بالهيولى.
ومن زاوية رؤيوية أخرى، يتساءل المؤلف والكتاب والقارئ: «هل الهوية طارئة وآنية ولا تخضع لأية صيرورة محتملة، أم أنها هي عنوان صيرورة لا متناهية في الأصل؟» (ص 154).
وتأتي الإجابة من خلال تقاطعات بين الهندسة البنائية للهوية والأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي من أجل الالتقاء في نقطة مشرقة من التنوع الثقافي الحضاري، والتواصل مع الذات ثم الآخر، وهذا يعني ألاّ يرى الإنسان ذاته والآخر ضمن المرايا الأحادية المعتمة القاتلة الإرهابية، ومنها (الإبادة)، و(سفك الدم البشري)، أي أن يبتعد الإنسان والجميع، وإلى الأبد، عن «إمّا أنا وإمّا أنت»؟! وهذا ما يثبته التاريخ البشري الدموي، الذي لن ينزح عن ظلامياته، إلاّ عندما تصبح المعرفة ضوءاً يُخضع الأخطاء الجهنمية المظلمة لمشرط البحث والمساءلة النقدية فكرياً وثقافياً، انطلاقاً من قاعدة: «المجتمع يسهم في بنائه الجميع من أجل الجميع وبوصفه موطن الجميع» (ص178)، ولن يكون ذلك قيد الإنجاز إلاّ عندما يقترب الإنسان والجميع، وإلى الأبد، من جوهرية الحوار الحقيقي: «الحوار يعني: أنا وأنت، أنت وأنا».
الوعي الآخر
كيف تتداخل محاور الوعي الكوني الآخر؟
عبْر فصلين: «العالم ضد نفسه»، المتضمن (18) عنواناً، و«على حافة السكين»، المتضمن (14) عنواناً، نرحل عبْر بوابات «جحيم نيوتن» بين عناصر اشتباكية متناوشة هامة، تعيد استقراء الهوية والإبادة والتنوع الثقافي، وحروف التكوين وأنوثة التراب، ومدن مسترجلة، والعولمة والنزعة الإسكاتولوجية، والخروج من التاريخ المعتقل، والمعرفة والحرب، والمستقبل المجهول، وبهائم وخلائق وعذابات فائضة، والطريق إلى الحياة، وما قبل المكتبة وما بعدها، والمرأة الإماراتية في الحروب الاستعمارية، والإنسان أو مدينة الجسد، وصحوة الحوار، والفكرة حين تضيق وتتسع، والتي تكشف عن الإنسان كمدينة رآها بمعرفته المتصوف «قضيب البان» كأهم إلماعاته الصوفية المدهشة، التي يضيئها عبدالعزيز جاسم بتحولات كلماته، وتأملاته الثقافية في تحولات العالم، قائلاً: «يعمل الإنسان الحقيقي، على أن يكون هو هو لا غيره، وألا يهتم بنرجسية شعائر «الأنا» الفارغة والعقيمة، بل يركز اهتمامه على بناء الذات الحيوية التي تجعله فرداً مميزاً، وأن يؤكد وعيه الشخصي لذاته بوصفه إنساناً مستقلاً وحراً وواعياً بوجوده، أي أن يؤكد مخزون طبيعة الإنسان التي توجد في داخل مدينته اللحمية، والتي تعبر عن جوهر نفسه وأمام نفسه أولاً، وبأنه ثانياً، ومن خلال وعيه الشخصي لذاته، فإنه يسعى إلى أن يحقق إنسانيته في العالم، هذا العالم الذي خلق أساساً من أجله، والذي يتمثل أمامه كوعي كوني آخر» (ص474).

الوعي الكاشف
يلقي المجتمع مسؤولية ومهاماً ثقيلة على الكاتب، وهذا ما يدركه الجاسم في تساؤلاته الهامة: «إذا كان المجتمع يطالب كتّابه بهذه الواجبات الثقيلة جميعها، فما واجب المجتمع ذاته تجاه كتّابه؟ ثم كيف نخلق مجتمعاً قارئاً، لا يُحترم فيه الكاتب؟ ولا يعترف بحقوقه، ولا يدافع عنه أحد، وربما، بجرة قلم واحدة، يرسل إلى ما وراء الشمس، وإلى الأبد؟ من يحمي الكاتب، إذاً، إذا استمات في كشف الحقيقة؟» (ص451). ولاكتشاف الحلقة المفقودة، يتابع: «ففي الوقت الذي يظهر فيه الكتّاب في المجتمعات المتحضرة، بوصفهم من أهم ركائز بناء المجتمعات والعالم، فإنه على المجتمعات العربية في المقابل، أن تلتزم توفير البيئة المناسبة والظروف الكريمة التي لا تجعل كتّابها يتسولون، أو ينتحرون ببطء، أو يخونون ضمائرهم، أو يهجرون الكتابة، من أجل تنوير المجتمع وتثقيفه والدفاع عنه وتشييد فراديس المعرفة للأجيال القادمة».
وضمن هذا السياق المعرفي للوعي الكاشف، يؤكد مؤلف «جحيم نيوتن»: «لا غنى عن المكتبة كمكان للسفر والترحال والتعرف إلى شعوب العالم وعباقرته وعلمائه وحضاراته وعلومه وآدابه وفنونه وثقافاته، إضافة إلى التعرف إلى ذواتنا».
أمّا بالنسبة للثقافة المحلية الإماراتية وإمكانية تفعيلها بجدوى موجبة أكثر، فيرى جاسم أن النقد والمراجعة ضرورة، لأن «ظاهرة التخمة الثقافية في الإمارات تجاوزت مستوى الجلد لتصل إلى مستوى العظم، فإنه ولكي يتم تدارك هذا الاختناق والتشيؤ الكارثي ثقافياً، فإنه لا بد من إعادة الاعتبار من جديد للعمل الثقافي، بحيث يفسح المجال له بأن يشكل خطابه المعرفي ضمن الأطر الوطنية الحرة والمفتوحة على العالم، من دون مصادرة لأطروحاته ومن دون إلحاقه كذلك بخطابات أيديولوجية أخرى لا تمت له بصلة» (ص370).

ليس ختاماً
«جحيم نيوتن» كتاب جاذب حتى للنابذة البعيدة من اللاوعي، يفتح بوابات العقول على مصاريعها، لتناقش وتحاور بجمالية (أنا وأنت)، رغم الاختلاف، مع ضرورة الاعتبار من التاريخ البشري الماضي، والمعاصر، من أجل إبداع شفافية تليق بالمستقبل، وإلاّ فإن المستقبل أصبح ماضياً، ومرت عليه قرون لا تحصى، لأن ما يحكمه هو التشابه حتى التماثل والتطابق في الفعل البشري، والأحداث الحياتية، الدموية، العنفية، العنيفة، الإرهابية، المادية والمعنوية الناتجة عن ظلام النفوس، واضمحلال الأخلاق، وظلمات الأفعال السالبة المستلبة، التي أقرب ما تكون إلى خلايا سرطانية فردية ومجتمعية وعالمية.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©