الجمعة 1 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
أميركا تغلي بالأصولية
أميركا تغلي بالأصولية
25 أكتوبر 2018 00:13

د. عزالدين عناية

على نقيض الفتور الذي يطبع الأنشطة الدينية في القارة الأوروبية، تشهد الولايات المتحدة الأميركية تطورات دينية حثيثة. وهي فروقات عائدة بالأساس إلى عوامل تحرير السوق الدينية في أميركا، وإلى إقرار مبدأ المنافسة، وتحويل الكنائس الدينية إلى ما يشبه الشركات، ما قلّص من احتكار المجال الديني وأدخل حيوية كبيرة. وما تشهده الأوساط الكَنَسية في أميركا من فوران، يتجلى في الحضور القوي للدين في الحملات الانتخابية، بهدف إملاء تصورات وإقرار خيارات في مسار الدولة. في هذا الزخم، لم تعد الكنائس الإنجيلية العملاقة (megachurch) تقنع بدور ديني صرف، بل تسعى جاهدة إلى إقرار استراتيجيات اجتماعية وتربوية وقانونية تحوّر من خلالها وجه المجتمع. وربما الشيء المريع في هذا الغليان الأصولي المستفحل، لمّا تخرُج التيارات المتشددة من طور الأقلية (تعدّ الولايات المتحدة 75 مليوناً من الإنجيليين ممن ينتمون إلى الخيار المتشدّد) إلى طور الأكثرية، فتغدو أصولية منفلتة ونافذة، ولاسيما أن الفضاءَ مشحون بتأويليات مغالية، مثل التأهب لمعركة هرمجدون الفاصلة، والقول بضرورة توطين اليهود في فلسطين كمقدّمة لظهور المسيح ثانية، ورفع شعارات، مثل «المسيح هو الحلّ» «Jesus is the answer»، و«بالكتاب المقدس وحده هادياً ودليلًا». يسلّط اللاهوتي الإيطالي أنطونيو سبادارو، مدير مجلة «الحضارة الكاثوليكية»، الضوء على الظاهرة الأصولية الأميركية، مبرزاً ما يعتمل في الواقع من تطورات، وننقل هنا فحوى تلك الدراسة القيمة.

«In God We Trust» (في الرب نثق) هو الشعار الذي يظهر على الأوراق النقدية الأميركية، وهو كذلك رمز الفوران الشعبوي المحتدم في الوقت الراهن. فقد ظهر ذلك الشعار للمرة الأولى على عملة سابقة تعود إلى العام 1864، ولم يتحوّل إلى شعار رسمي سوى في أعقاب موافقة الكونغرس عبر البروتوكول التكميلي الصادر سنة 1956. «في الرب نثق» هو شعار معبّر وعميق، في أوساط أمة تعود جذور تأسيسها إلى عوامل دينية. وإن يكن الشعار مع البعض لا يزيد عن مجرد إعراب عن شكل من أشكال الإيمان، فهو مع آخرين خلاصة عميقة تفصح عن انصهار الدين في الدولة، وتوحّد الإيمان بالسياسة، والقيم الدينية بالقيم الاقتصادية.

المانوية السياسية
وعقيدة الأبوكاليبس
عبر مختلف الحكومات الأميركية، على مدى العقود الأخيرة، يُلحَظ الحضور البارز للدين في العمليات الانتخابية وفي القرارات الحكومية: وهو دورٌ مشوب بصبغة خُلقية في تحديد ما هو خير وما هو شر. وقد انجرّ عن هذا التداخل، داخل مثلّث السياسة والأخلاق والدين، بروز لغة مانوية تقسّم الواقع إلى فسطاطين: إما خير مطلق وإما شرّ مطلق. وبالفعل بعد أن تحدّث الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن عن «محور الشر» وحشدَ الكثير ضده بغرض «تخليص العالم من آثامه» في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تخوض الآلة السياسية مجدداً صراعاً بحشدٍ أضخم وأوسع، ضدّ «الأشرار» كما يطلق عليهم.
تستند هذه المواقف إلى خلفية أصولية مسيحية إنجيلية تعود إلى القرن الفائت. فقد جرى العبور من رفض لكل ما هو دنيوي، على غرار السياسة، إلى انتهاج تأثير قوي لتلك الأخلاق الدينية على المسارات الديمقراطية. هذا ويرمي مصطلح «الأصولية الإنجيلية»، الذي يساوي اليوم «اليمين الإنجيلي»، بجذوره في السنوات المتراوحة بين 1910 و1915. في تلك الفترة موّل المليونير الأميركي لايمان ستيوارت من كاليفورنيا إنجاز 12 مجلداً بعنوان «أصوليات». حاولت فصول ذلك المؤلَّف الضخم الرد على «تهديد» الأفكار الحداثية، وعرض رؤى تدعم خيارات التشدد.
فقد طبع أفكار تلك الجماعة الدينية التي التفّت حول ستيوارت طابع التشدد، فضلاً عن اعتبار الولايات المتحدة دولة مباركة من قِبل الرب، ولم تتوان الجماعة عن ترويج سردية مفادها أن ترسيخ النمو الاقتصادي يتأتى بالخضوع التام للكتاب المقدس. وعلى مدى سنوات تغذّت تلك المقولة باختلاق أعداء تمّت شيطنتهم.
في الأثناء تم تحديد سلسلة من الخصوم، عُدّت مهددة لنمط العيش الأميركي (American way of life)، على غرار الأفكار الحداثية، وحقوق العبيد السود، وحركات الهيبّي، والشيوعية، والحركات النسوية، وهكذا دواليك، حتى بلوغ أوضاع عالمنا الراهن، أي إلى المهاجرين والمسلمين. ولترسيخ ذلك الخط الصراعي، استندت الرؤية إلى تأويلات وتفسيرات كتابية تحرّض على الغزو والذود عن «الأرض الموعودة»، بدل النزوع صوب قراءة منفتحة تنافح عن المحبة، كما عبّر عنها المسيح في الأناجيل.

سردية.. الرؤية المانوية
ضمن هذه السردية، يبقى العنصر الحاسم في تأجيج الصراع خفياً ومضمَراً، حيث تغيب الصلة الرابطة بين رأس المال والربح وبين بيع السلاح. إذ غالباً ما يُنظر إلى الحرب كعمل بطولي لجيشالرب، جيش جدعون وداوود. ودائماً ضمن هذه الرؤية المانوية، يمكن للسلاح أن يتّخذ تبريراً لاهوتياً، ولا تفتقر الساحة اليوم إلى رجال دين يزكّون هذا التمشّي، سندهم في ذلك تأويل الكتاب المقدس خارج سياقه التاريخي.
وفق هذا المنظور تنبني الصلة الرابطة للجماعات الدينية الأصولية، المتشكّلة من البِيض أساساً، مع الكون، حيث لا يبالي جلّ أفراد تلك الجماعات الأصولية بالكوارث البيئية، ولا بالمشاكل الناجمة عن التحولات المناخية. ويروّج أنصار ذلك التوجه لمفهوم «الاستغلال» و«بسط النفوذ» على الطبيعة، بما يناقض ما يذهب إليه أنصار البيئة الذين يُعدّون من خصوم الإيمان المسيحي. وتنبني هذه الرؤية على فهم حرْفي لرواية الخلق الواردة في «سفر التكوين»، التي توكّل الإنسان بأمر الكون وتسلّطه عليه، «فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله قائلًا: أثمروا وتكاثروا واملأوا الأرض وأخضعوها. وتسلّطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يتحرك على الأرض» (سفر التكوين1: 27-28).

نُذر المشاهد الأبوكاليبسية
ضمن هذا الرؤية اللاهوتية، لا تشكّل الكوارث الطبيعية، والتغيرات المناخية الدرامية، والأزمة البيئية، مخاطر، بل وعلى خلاف ذلك، هي علامة تؤكد صواب نظرتهم وتدعم نُذر المشاهد الأبوكاليبسية وتحفّز التطلّع إلى سماء جديدة وأرض جديدة.
يتعلّق الأمر بصيغة نبَويَّة، يجري التصدّي من خلالها إلى كافة أشكال المساوئ التي تهدّد القيم المسيحية الأميركية، فضلاً عن ترقب العدالة الآتية مع معركة الخلاص، معركة هرمجدون، وهي عبارة عن موقعة فاصلة بين الخير والشر، بين الرب والشيطان. بهذا المعنى تهون كافة التضحيات أمام الهدف المنشود المتمثّل في بلوغ يوم الفصل ضد العدو، لتغدو جماعة المؤمنين جماعة المقاتلين. ومقطع القول، تفضي القراءة العقدية الحرفية لنصوص التوراة إلى القبول بأوضاع لاتاريخية ودرامية، سعياً لبلوغ «أرض الميعاد».
خلّف رجل الدين ومنظّر ما يعرف بـ«لاهوت الهيمنة»، روساس جون روشدوني (1916-2001)، تأثيراً كبيراً على الرؤية اللاهوتية السياسية للأصولية المسيحية، التي تلهم منظمات وتجمعات على الشبكة العنكبوتية، سياسية ودينية، مثل «مجلس السياسة القومي» (Council for Nazional Policy)، الذي يلوح من أبرز الفاعلين فيه، استراتيجي البيت الأبيض الأسبق ستيفن بانون، مناصِر الرؤية الجيوسياسية الأبوكاليبسية.
ودائماً وفق «لاهوت الهيمنة» يلوح «الشيء الأول الذي ينبغي إنجازه في فسح مجال الحرية التامة للكنائس». والمراد بهذا القول هو تكثيف العمل في المجالات السياسية والبرلمانية والقضائية والتربوية، وذلك بقصد إخضاع المعايير العمومية للأخلاق الدينية. وتقول نظرية روشدوني بالضرورة الثيوقراطية لإخضاع الدولة إلى الكتاب المقدّس، وهو منطق أصولي متطرف.

لاهوت النّعيم
ثمة ظاهرة أخرى لافتة جنب المانوية السياسية، تتمثل في العبور من التقوية الطهرية، المتأسسة على مفهوم «الأخلاق البروتستانتية»، كما حددها ماكس فيبر في كتاب «الأخلاق البروتستانتية وروح المذهب الرأسمالي»، إلى «لاهوت النّعيم»، الذي تروّج له طائفة من رجال الدين البروتستانت الأثرياء والمتحكّمين بالإعلام، رفقة منظمات تبشيرية ذات منحى ديني سياسي، حيث يروّج ذلك الادعاء إلى «إنجيل النِّعم» الذي يريد فيه الرب عباده أقوياء جسدياً وأثرياء مادياً وسعداء دنيوياً.
ومن اليسير أن نعاين كيف تضمّنت العديد من الحملات الانتخابية دلالات أصولية إنجيلية، حيث غالباً ما راجت صورٌ أثناء تلك الحملات لقادة سياسيين يمسكون بأيديهم نُسخاً من الكتاب المقدس، إيهاماً بالتقوى والتدين لجماهير الناخبين.
شخصية دينية أخرى كان لها تأثير واضح على السياسيين، وألهمت رؤساء أميركيين عدة مثل ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان ودونالد ترامب، وهو الراعي نورمان فنسنت بيال (1898-1993). كان الرجل خطيباً مفوهاً ومبشراً ناجحاً، باع ملايين النسخ من كتابه «سلطة الفكر الإيجابي» (1952)، الذي حفل بالعديد من الأقوال على غرار (إن اعتقدت في شيء، نِلتَه)، و(إذا ما ردّدت عبارة «الرب معي»، فمن يطالك؟ لا أحد يقف في سبيلك)، و(رسِّخْ في ذهنك صورتك الناجحة، وسيغمرك النجاح). فالعديد من المبشّرين بلاهوت النعيم يمزجون بين الماركتينغ (التسويق)، والنهج الاستراتيجي، والدعوة، فضلاً عن تركيزهم على مقولة النجاح الذاتي.

المسكونية الأصولية
يرُوج شكلٌ لافتٌ من المسكونية بين الأصوليين الإنجيليين والمتشددين الكاثوليك، يهدف إلى إحداث تأثير ديني مباشر على المجال السياسي. فبعض الكاثوليك الأميركان تلوح خطاباتهم شديدة القرب من الإنجيليين برغم مابين الطرفين من خلاف عقدي. وهو تقارب ناشئ بدافع خطْب ودّ جموع الناخبين من «أنصار القيم» كما يطلَق عليهم. فالتمايز بين قطاعات متنافسة بموجب الانتماء العقائدي هو شيء مبدئي، غير أن هذا التقاربعلى أرضية مشتركة غالباً ما يتشكل بقصد مناهضة مواضيع، مثل الإجهاض والزواج المثلي والمنافحة عن تربية دينية محافظة في المدارس، فضلاً عن جملة من القضايا الأخرى التي تُصنّف قضايا أخلاقية على صلة بالقيم. وسواء الإنجيليون الأصوليون أو الكاثوليك المتشددون يدين كلاهما المسكونية التقليدية وينادي الطرفان بمسكونية صراعيّة، على أمل إرساء دولة ذات ملامح ثيوقراطيّة. وتتجلى السمة الأبرز لهذه المسكونية في الموقف من الأجانب وفيتأجيج الإسلاموفوبيا من خلال المناداة بإقامة الجدران واعتماد الترحيل القسري، هكذا تترجَم «كلمة مسكونية» في دلالة ملتبسة تفيد «مسكونية الكُره».

إغواء «الحرب الروحية»
تثير المسألةُ صورةً رمزية غالباً ما يتردّد صداها في أوساط «مناضلي الكنيسة» (Church Militant)، وهي منصة رقمية أميركية منحازة بشكل صريح للمحافظين المتشددين تجد رواجاً كبيراً. توظف رموزاً مسيحية ضمن دعايتها وتزعم مسايرتها «النهج القويم». وقد عبّرت هذه المنصّة عن خياراتها الدينية المتطرفة في العديد من المناسبات. ضمن هذه الرؤية غالباً ما يسود النظر للمنافَسة بين المترشحين في الانتخابات بمثابة «الحرب الروحية». إذ السياق اللاهوتي السياسي يتطلع إلى إرساء مملكة للربّ هنا وفي الحال. حيث يطغى الطابع الإسكاتولوجي الأُخرَوي على المشهد السياسي، ويُنظَر إلى المستقبل بوصفه توجيهاً للتاريخ صوب مملكة الرب، مملكة العدل والسلام والخلاص التي يقودها «رجل العناية الإلهية».
...................................
* المقالة منشورة في مجلة «لاشيفيلتا كاتوليكا» الإيطالية- مايو 2018.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©