الأربعاء 29 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
تجارب عربية مُغايرة وسيطرة أميركية في معرض بيروت للفنون.. تسويغ العادي
تجارب عربية مُغايرة وسيطرة أميركية في معرض بيروت للفنون.. تسويغ العادي
25 أكتوبر 2018 00:13

ثناء عطوي

ارتقت دورة «بيروت آرت فير» التاسعة في العاصمة اللبنانية هذه السنة، إلى مستويات المعارض العالمية المتخصّصة بالفن الحديث، والتصوير الفوتوغرافي، والتجهيز والنحت، والتشكيل. تجارب عالمية وعربية ومحلّية تتجلّى في 1600 عمل فنّي تقني مُعاصر، أعمال هي حصيلة اجتهاد الحواس والعقل والتخييل، شارك فيها 250 فناناً من 20 دولة و51 صالة عرضٍ عالمية.

توزّعت المعروضات على مساحةٍ، أكثر انتقائيّة وتنظيماً من السنوات السابقة، (5500 متر مربع)، مجُهّزة كمكانٍ مُنفلت ومتحرّر للاكتشاف، ومؤثّثة على سينوغرافيا مُبتكرة من قِبل المهندس والخبير في التخطيط المدني باتريك بستاني. أمّا أبرز الدول المشاركة فهي: فرنسا وبريطانيا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة وأرمينيا وروسيا البيضاء وساحل العاج، فضلاً عن مصر والأردن وسوريا والمغرب وفلسطين ولبنان.

الشرط التراثي
التغيّرات المهمّة التي طرأت على صناعة العمل الفني في الوطن العربي تبدو واضحة، كما يبدو الاشتغال على البنية الثقافية للأعمال، وبزوغ تجارب مُغايرة (حسن كامل ومحمد رضوان من مصر، زيد شوا من الأردن)، فيما بقيت أعمال المغرب محدودة باردة وتنحصر بما هو بيئيّ وعامّ. البارز في هذا المعرض هو، ابتعاد الأعمال عن أيّ مضامين سياسية، وعن العنف الذي يشوّه ويؤثّر بطريقة دراماتيكية، وترحالها نحو تيارات راهنية في الفنّ ومُراهنٌ عليها. وهي، أي الأعمال، وعلى الرغم من مُعاصرتها، فقد حافظت في بعضها على الشرط التراثي، لكن مقاصدها جاءت أكثر واقعية، وارتبطت بقضايا هي أقلّ ارتداداً إلى الماضي وأكثر انسجاماً مع الأساليب الفنية الأوروبية والغربية، التي أرست نمطاً جديداً من الثقافة الفنية والمُعاصرة.
الانحياز لفن التصوير الذي تتعدّد مدارسه ومُمارساته كان أساسياً، إذ ركّزت هذه الدورة على هذا الفن من أبوابه المتعدّدة، أو الإرث الفوتوغرافي اللبناني، وتداعيات الذاكرة الشخصية والسياسية من خلاله، صور تدفعنا إلى إعادة النظر في معنى الذاكرة والحقيقة والتاريخ، لا بل علاقة فنّ التصوير بالأثر: أثر الحرب، أثر الوجع، وأثر الأيام الجميلة؛ إذ تُحاكي المجموعة الأولى المؤلّفة من صورٍ لـ145 سيارة استُعملت كعبواتٍ ناسفة، اعتباراً من العام 1975 وحتى 1990، الحرب اللبنانية التي تسبّبت بمقتل آلاف الضحايا والمفقودين، في حين تمثّل مجموعة أخرى تقاليد الحياة اللبنانية في السبعينيات، أيام لبنان الذهبي، فضلاً عن أشكال الفرح وتقاليده السائدة في تلك الفترة.
تطرح التجارب الفوتوغرافية لنحو 18 فناناً شاباً مناقشات ومبادلات حول موضوعات مختلفة، أسهمت فيها مؤسّسات مهمّة مثل «الجامعة الأميركية في بيروت»، و«المؤسسة العربية للصورة» و«الجامعة اليسوعية»، إضافة إلى سلسلة مناقشات، ولقاءات، على مدى 3 أيّام، تمحورت حول الصورة وأبعادها السيكولوجية والإعلامية، وممارسات الفنّ الحديث والمعاصر في الوطن العربي.
كما تحتفي هذه الدورة بالفنان اللبناني بول غيراغوسيان في ذكرى رحيله الـ 25، وذلك من خلال عرض أرشيفي ووثائق متنوّعة غير معروضة من قبل، كما أوضحت مانويلا غيراغوسيان، إلى جانب استعادة أعمال ولوحات ضمن إطار زمني يمتدّ من الخمسينيات وحتى التسعينيات.
ترتبط الحركة الفنية في هذه الدورة بحركة الاقتصاد اللبناني، عبر دخول المصارف (أقوى القطاعات في لبنان) إلى مجال قطاع الفنون، من خلال رعاية معارض وفنّانين، وتنظيم مسابقات خاصّة بالصورة الفوتوغرافية.
الحداثة التشكيلية اللبنانية حضرت بقوّة أيضاً من خلال أسماء كبرى أفردت لها غاليريات بيروت مساحاتٍ واسعة في المعرض، مثل حسين ماضي، حسن جوني، شوقي شمعون، فاطمة الحاج، وآخرين شكّلوا العصب الأساس للفن التشكيلي في البلاد.

تحديثات بصرية
التحديثات البصرية الأوروبية والأميركية بشكلٍ خاص، سيطرت على ساحة الفنون البيروتية، وهي أعمال توازي في متانتها وبساطة موضوعاتها الأشكال الفنّية الأخرى، إذ كان لافتاً تفوّق الفنانين الأميركيين في الأعمال التجهيزية installation مثل أنتون بيتر الملقّب بـ«كاندي وارهول»، نسبة لشغفه بتقديم الحلوى، وخصوصاً الشوكولا بأسلوبٍ مُغرٍق في الغواية، يمنح المتفرّج إحساساً بالبهجة والشهية، فضلاً عن مُجسّمات الفنّان والمصمّم الأميركي بريان دونيلي المُلقّب بـ «قوس»Kaws، الذي يشتهر برسوماته الكارتونية المرحة، وتقف أعماله في مكان ما بين الفنون الجميلة والنماذج التجارية، وهو الذي اشتهر بتجسيد الشخصيات والرموز التصويرية، خصوصاً ميكي ماوس الرمادي اللون الذي يحجب وجهه بكلتي يديه.
هذه التحديثات الأسلوبية لم تقتصر على الأميركيين وحسب، بل على الأفارقة من أصل أميركي، وعلى الفنانين المقيمين في الولايات المتحدة. فالفنان النيجيري الأميركي فيكتور إكبوك المقيم في واشنطن، يُنشىء رابطاً مفهومياً ما بين الفن الأفريقي النابض الذي عرفناه على أشكال منحوتاتٍ خشبية وأقنعة بملامحٍ حادّة، وبين الفنّ المعاصر، مبتكراً نمطه الشخصي في موضوعات يقترحها تتعلّق بالأسرة والجنس والثقافة والهوية.
ميتيس أتاش ATASH الألماني المقيم في أميركا، ابتكر نماذج عن بوذا عصريّة مُرصّعة بالماركات العالمية، مُحمّلاً أعماله تصوّرات الفنانين الجدد عن تعدّد أنماط الممارسة الفنّية، وسيطرة النزعة الاستهلاكية على الفن المعاصر، مُذكّراً بما قاله أندي وارهول: «الاستهلاك أكثر أميركانية من التفكير».
وعلى قاعدة التفكيكية ومنهج رائدها دريدا، تجمع ساندرا شاشو Shashou البرازيلية المُقيمة في بريطانيا، الزجاج الثمين الذي كسد وتوقّف بيعه، تُفكّكه (تُكسره) وتُنشئ منه أشكالاً فنّية جديدة، أيّ أنها تلجاً إلى تفكيك الأشياء القائمة المتماسكة في وحدة مركزيّة لتُبرز بنيانها الداخلي، ثم النظر في أبعادها الجديدة المتولّدة عن الكسر والتفكيك، وهي ممارسة تربطنا جدلياً بالسؤال الذي طرحه وارهول نفسه: «كيف يمكنك أن تقول إن مذهباً فنياً ما أفضل من الآخر؟»
كانت هناك شبه سيطرة أوروبية على معرض بيروت للفنون هذه السنة، معظمها فرنسية، ومشاركة لافتة لـ 18 غاليري جديد، تفاوتت مستوياتها بين الخفّة والقوّة والمقدرة والإتقان، واستُخدمت فيها تقنيات وأدوات مختلفة، واللافت هو، مشاركة الفنان الفرنسي غاي فيري الذي يطغى التذهيب على أعماله، وتخرج الشمس بأشكالٍ متعدّدة من لوحاته، في رمزية مرتبطة بالضوء وإكسير الخلود، وهو الفنّان ذاته الذي أنشأ نصب «التسامح» أمام ديوان صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، ليكون ماثلاً أمام سكان أبوظبي. وقد كتب مُذيّلاً إحدى لوحاته: «أردت في معرضي هذا ببيروت، أن أُعبّر بالذهب للبنانيّين عن حبي لهم، بهذا المعدن الذي يُعدّ مصدر الوحي للفنّانين عبر التاريخ، معدنٌ لا يقاوم، صلبٌ، مُشعّ، وثمين».
يرتكز «بيروت آرت فير» على لجنة اختيار ذات خبرة تضمّ شخصيّات من عالم الفن العالمي: جوانا أبو سليمان شوفالييه، القيّمة على المعارض ومستشارة في الفنّ المعاصر، المستشارة الخاصة لدورة 2018، تمارا إنجا، المستشارة الفنية للمجموعات الكبيرة في بلدان الخليج، باسل دلول وابراهام كاراباجاكيان وطارق نحاس، الذين لقيت مجموعاتهم الفنية والفوتوغرافية أهمّية كبرى على صعيدي الشرق الأوسط والوطن العربي.
تجدر الإشارة، إلى أنّ وزارتي الثقافة والسياحة اللبنانيتين شاركتا في المعرض، إلى جانب المعهد الفرنسي اللبناني، وحضر حفل الافتتاح الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة اللبنانية سعد الحريري، ووزير الثقافة غطاس خوري، وشخصيات دبلوماسية وثقافية وفنية رفيعة.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©