أحمد مراد (القاهرة) هو الإمام الحافظ والعالم الموسوعي شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني، المشهور بـ«الحافظ ابن حجر العسقلاني»، ولد سنة 773 هجرية، ونشأ في أسرة مهتمة بالعلم، حيث عرف والده بالعلم والفقه، وتنسب أمه إلى بيت عرف بالتجارة والثراء والعلم . بعد وفاة أبيه، نشأ ابن حجر في كنف زكي الدين الخروبي، وهو من كبار التجار في مصر، فأدخله الكُتّاب وهو في الخامسة من عمره، وكان لدى ابن حجر ذكاء وسرعة حافظة بحيث إنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وحفظ القرآن على يد صدر الدين السفطي المقرئ، وهو ابن تسع سنين. في سنة 785 هجرية سافر ابن حجر برفقة الخروبي إلى الحج، وكان يبلغ من العمر وقتها 12 سنة، فصلى بالناس التراويح في تلك السنة إماماً في الحرم المكي، وبعد رجوعه من الحج درس العديد من أمهات الكتب. وفي سنة 790 هجرية بلغ ابن حجر السابعة عشرة من عمره، فقرأ القرآن تجويداً على الشهاب الخيوطي، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ، كما اهتم بالأدب والتاريخ، وفي هذه الفترة انتقل إلى وصاية شمس الدين بن القطان المصري فحضر دروسه في الفقه والحساب. لازم ابن حجر شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي عشر سنين، وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه، وحكي أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ، فبلغها وزاد عليها، ولم يبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة حتى جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد في عصره، في علوم القرآن والتفسير والفقه واللغة والأدب والتاريخ والحديث والنحو، وجمع بين علوم النقل والعقل، وأخذ عن عدد كبير من المتخصصين في علوم المعارف كلها، وقد بلغ عدد شيوخه بالسماع وبالإجازة وبالإفادة نحو 450 شيخاً وعالماً، وذكر البعض أن عدد شيوخ ابن حجر يصل إلى 600 شيخ. أجمع العلماء والمؤرخون على أن ابن حجر هو حافظ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث، الذي انتهت إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة علل الحديث، وغير ذلك، وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار، فأقبل عليه طلبة العلم ينهلون من علمه، وقد سرد السخاوي في الجواهر والدرر أسماء جماعة كبيرة ممن أخذوا العلم على يد ابن حجر دراية ورواية، وقد بلغوا 626 تلميذاً. بدأ ابن حجر في التصنيف والتأليف في سنة 796 هجرية وهو العام الذي عزم فيه على طلب علم الحديث النبوي وفنونه، وظل يصنف ويؤلف حتى قبيل وفاته، وقال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر، ومن أبرز تصانيفه ومؤلفاته: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، ولسان الميزان، والإصابة في تمييز الصحابة، وإتحاف المهرة بأطراف العشرة، والنكت على مقدمة بن الصلاح، وأمالي الأذكار المسمى: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، وتعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. وفي ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة 852 هجرية، وبعد العشاء جلس حول ابن حجر بعض أصحابه يقرؤون سورة «يس» مرة، ثم أعيدت إلى قوله تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ)، «الآية 58»، وحينها فارقت روحه إلى بارئها.