يستقبل المسلمون في هذه الأيام شهر ربيع الأول، شهر المولد الشريف، مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سيد البشرية، فإذا ما أهلّ هلال شهر ربيع الأول طافت على القلوب ذكرى ميلاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك النبي العظيم الذي بعثه الله بالهُدى والنور والرحمة والخير والبركة على الإنسانية جمعاء، ومن المعلوم أن مولده -صلى الله عليه وسلم- نعمة عظيمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الناس أجمعين كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ» (سورة آل عمران الآية: 164)، فالله سبحانه وتعالى امتنَّ على عباده ببعث نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، فالواجب على العباد أن يشكروا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة الكبرى، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم - يهديهم إلى الصراط المستقيم، كما في قوله سبحانه وتعالى: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة الشورى الآية: 52)، وبسبب هذه النعمة فإن الله سبحانه وتعالى لن يُعَذِّب الإنسانية بما كان يُعَذِّبهم به قبل مولده - صلى الله عليه وسلم- كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: «وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (سورة الأنفال الآية: 33)، فوجود رسول الله -صلى الله عليه وسلم - رحمة وأمان من عذاب الله، فإذا ما ذهب الأمان الأول بقي الأمان الثاني إلى يوم القيامة، «وهم يستغفرون»، فهذه دعوة إلى الأمة بوجوب التوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي والعودة إلى الله سبحانه وتعالى. حاجة البشرية إلى رسول الإنسانية لقد صوّر أمير الشعراء أحمد شوقي -يرحمه الله - حال العالم قبل بعثته -صلى الله عليه وسلم - تصويراً صادقاً حكيماً، حيث كانت عبادة الأصنام منتشرة، كما كان الظلم واقعاً ملموساً بين النّاس، وتنشب الحروب على أتفه الأسباب، وفارس والروم كانتا تعيثان في الأرض فساداً، والناس كالحيتان في البحر يفتك أقواهم بأضعفهم، ذكر ذلك -يرحمه الله - في قصيدته المشهورة «نهج البردة» فقال: أَتَيْتَ والناسُ فَوْضَى لا تمرُّ بهم إلا على صَنَمٍ قد هَامَ في صَنَمِ فعاهلُ الرومِ يطْغَى في رعيته وعاهلُ الفرسِ مِنْ كِبْرٍ أصمّ عمِ وخلال تلك الظلمات التي سادت الإنسانية، جاءت بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم - لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات القهر إلى نور العدل، فالرسول- عليه الصلاة والسلام- جاء رحمة للعالمين، وكما قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر: - رضي الله عنه - (إنّ الله قَدْ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إلى عِبَادَةِ ربِّ العِبَادِ، وَمِنْ جَوْرِ الأدْيَانِ إلى عَدْلِ وَسَمَاحَةِ الإسْلاَمِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إلى سَعَةِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ). عالمية الرسالة الإسلامية إن الرسالة التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم- رسالة عالمية عامة، وعموم الرسالة الإسلامية جاءت به آيات وسنن، ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن كل ما نزل يفيد عموم الرسالة كان في العهد المكي. ولأهمية ذلك نقول: إن العهد المكي كان عهد اختناق الدعوة، وكان الإسلام يعاني من جبروت الوثنيين، فكان القرآن يتنزل بهذه الرسالة ليست لِقُطْرٍ مُعَيّن بل للبشرية كلِّها، ولو أن الآيات التي تتحدث عن عموم الرسالة تنزلت في العهد المدني أو أواخر أيام الرسالة، لقال بعض الناس: نبي نجح في أن يفرض نفسه على قومه في شبه الجزيرة العربية، فأغراه ذلك على أن يُوَسّع نفوذه، لكن والحمد لله، فإن عموم الرسالة وعالمية الدعوة تأكدت منذ اللحظات الأولى للدعوة في مكة المكرمة من خلال السور المكيِّة، حيث نجد ذلك واضحاً في آيات عديدة في القرآن الكريم، منها: في سورة القلم المكية: «وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ» (سورة القلم، الآية: 52). وفي سورة الأنبياء المكية: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (سورة الأنبياء، الآية: 107). وفي سورة الفرقان المكية: «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا» (سورة الفرقان، الآية: 1). وفي سورة سبأ المكية: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا» (سورة سبأ، الآية: 28). فالرسالة الإسلامية العالمية التي حمل لواءها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ستبقى ما بقيت الحياة، وستنتشر أنوارها شرقاً وغرباً، كما قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (سورة الصف، الآية: 9). اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا يا رب من حوضه الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، آمين... يا رب العالمين. بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك www.yousefsalama.com