صحيفة الاتحاد

ثقافة

«مملكة الجواري».. تسبر غور الماضي لتفهم صراعات الحاضر

غلاف الرواية (من المصدر)

غلاف الرواية (من المصدر)

محمود عبد الله (أبوظبي)

تستدعي رواية «مملكة الجواري» للكاتب اليمني «محمد الغربي عمران» والصادرة حديثا، عن دار هاشيت أنطوان «نوفل» في بيروت، فترة الصليحيين في جنوب جزيرة اليمن وفي الجبال العالية، في إطار مناقشة قوّة المرأة كمحركة للتاريخ، ومقدرتها على إدارة السلطة، ومعضلة الدين وتشظي المذاهب والصراع بينها على كرسي السلطة، تحت مظلة الدّين والتّدين.
ما يلفت الانتباه في مملكة الجواري، أن كاتبها صاغها وفق منهج المسرح داخل مسرح الذي ابتدعه الإيطالي بيراندلو، حيث وضع بين دفتيها روايتين: رواية المتن، ورواية الهامش فنرى في المتن حديثا عن زمن الملكة أروى الصليحية، وفي الهامش نقرأ سردا رائعا حول ما يتعرض له اليمن الآن، في ظلال تجربة روائية معاصرة تحاول دمج الماضي بالحاضر لرؤية الغد، ومن تحت عباءة لحظة زمانية ومكانية تتعرض أحداثها لما جرى في أواخر القرن الخامس الهجري، في ظلّ الصراعات المذهبيّة المحتدمة بين إمارات جنوب شبه جزيرة العرب، وفي بيئة ذكوريّة قاسية، حيث حكمت منطقة جبلة امرأةٌ امتدّ سلطانها لأكثر من 50 عاماً من دون جيش يحميها سوى الجواري، اللواتي ربّتهن الملكة أروى الصليحيّة على فنون الإغواء والولاء المطلق لها، وبهنّ أخضعت أمراء القلاع والحصون. من بين أولئك الجواري، برزت شوذب التي حازت ثقة الملكة. تلك الجارية المحنّكة، التي تعدّدت أسماؤها وأحاط اللبس بأطيافها، ستحكم باسم سيّدتها في السرّ لمدّة طويلة بعد رحيلها بناءً على طلب زميلاتها اللواتي أدركن أنّ كتمان خبر موت الملكة هو السبيل الوحيد لاستمرار سلطانهنّ. وبموت شوذب ستنتهي مملكة النساء، لتشتعل الحروب بين الطوائف والمذاهب، وكأن الكاتب يريد إعادتنا إلى أسباب الطائفية في الزمن الراهن، وأن ما يحدث اليوم له علاقة تاريخية وثيقة وتحديدا في ذلك القرن الذي اتكأت عليه الرواية.
يثير الغربي عمران في معظم أعماله السردية إشكالات كثيرة على صعيدي الدّين والسياسة، ولا تخرج مملكة الجواري عن هذا السياق، وهو كما يبدو يعشق (لعبة التاريخ) في شخصياتها وأبطالها وساستها، في مقارنة ممتعة بينها وبين ساسة اليوم، ليخرج لنا في النهاية بسردية معاصرة تحذر من خطر تزييف التاريخ.