الاتحاد

عربي ودولي

بغداد جروح وآلام ··وأمجاد وذكريات في طي النسيان

بغداد - فارس خطاب :
مضى عامان على دخول القوات الاميركية بغداد وسط ذهول الملايين من ابناء الامة العربية والاسلامية والمتابعـــــين في جــــــميع انحـــــاء العالم ، منهم من اعتــــبر الأمر تحصيل حاصل نتيجة اصرار القيادة العراقــــية على المضي في غيها وتحديها لأكبر القوى العالمية ممثلـــــة في الولايات المتحدة الاميركيــــــة ، ومنهم من قنط وتيقن لحين من الزمن انه اعــــــلان رسمي تاريخي للانهيار، وبين هذا وذاك آمـــاد تبــــــيّنت آفاق بعضها خلال الفترة الماضية ومنها مازال طي الترقب والمفاجأة في خضم احداث مملة ودموية متلاحقة خلال السنتين المنصرمتين رسمت ملامح الشأن العراقي الذي سنحاول التطرق لابرز سماته من خلال التعرض لاهم الملفات التي تحمل اهم المتغيرات على جميع الصعد·
انشغلت معظم دول الجوار العراقي في موضوع ثورية النظام في العراق وما سببته هذه (الثورية) من مشاكل للمنطقة تمثلت في مواجهات متعددة الأوجه مع قوى عالمية وبالتحديد مع الولايات المتحدة ومع دول إقليمية كبيرة مثل ايران وبالطبع مع اسرائيل·
وعندما قررت الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003 كانت معظم دول الجوار رافضة لفكرة استخدام القوة ضد العراق ولكنها في الحقيقة كانت تتمنى زوال نظام صدام حسين بأقل الفرضيات تأثيراً على استقرار والمنطقة ماذا يمكننا القول عن دور كل دولة من دول الجوار العراقي ؟ وهل صحيح ان هذه الدول تتدخل بشكل مدروس ومنظم لصالح دفع وتيرة الاحداث هناك الى طريق الفوضى السياسية والامنية حتى تفوت الفرصة على الولايات المتحدة من أجل اقامة نظام ديمقراطي نموذجي يقتدى به على مستوى الشرق الاوسط بكامله ؟ أم ان كل تلك الادعاءات والحملات الاعلامية مقصودة ومعد لها قبل دخول القوات الاميريكية العراق لتكون جزءاً من صفحات الهجوم والتغيير المنشود لبعض الأنظمة في المنطقة ؟
الهجوم خير وسيلة للدفاع
قد يصلح هذا المبدأ جدا في لعبة مثل كرة القدم ولكن هل هو كذلك في السياسات الدولية؟ يبدو من خلال موضوع العراق انه صحيح حتى هذه اللحظة ، فماذا يمكن ان يكون موقف دول مثل سوريا وايران والسعودية عندما ذكرت بالاسم يوم احتلال بغداد وكأنها في قائمة واحدة من المطلوب احداث تغيير في انظمتها وكياناتها ، نعم فمنذ ان دخل جنود المارينز العاصمة العراقية بغداد في التاسع من ابريل عام 2003 وحديث المسؤولين الاميركيين ينصب على ما يجب ان يحدث في سوريا من متغيرات وكذلك في المملكة العربية السعودية وبالطبع إيران ، إن الحقائق التي تنطلق من ارض العراق تؤكد وجود اعمال كبيرة تجري لصالح دول بعينها وهي بالتأكيد ليست لصالح العراق في المرحلة الحالية على اقل تقدير ، وهذه الاعمال تأتي في سياقات واشكال مختلفة قد تكون الهجمات المسلحة والتفجيرات الانتحارية والسيارت المفخخة واحدة منها ولكنها ليست كلها ، ومنذ ان اعلنت الولايات المتحدة عن مطالباتها بالتغيير في سوريا وايران والسعودية بدءاً لشرق اوسط كبير على النموذج الاميركي قامت هذه الدول بتكثيف نشاطها المخابراتي داخل الاراضي العراقية مستغلة بالطبع ضعف معلومات الجانب الاميركي عن العراق وشعبه وطرق التعامل معه ، وهذا النشاط لم يكن قاصرا على رجال المخابرات الرسميين وانما تمت الاستفادة من كثير من العشائر والاحزاب العراقية بالاضافة الى المتضررين من تغير النظام في العراق كبقايا اجهزة الامن والمخابرات العراقية والحرس الجمهوري والجيش ورجالات الاعلام وكلها بالطبع أجهزة ومؤسسات تم حلّها بعد احتلال بغداد ، لقد استطاعت كل دولة من دول الجوار العراقي إقامة جسور مع بعض من هذه التشكيلات العراقية مما زاد من الطين بلة والحالة الصعبة ممارسات قوات التحالف السيئة في المدن العراقية كافة والمتنافية تماما مع الخطاب الإعلامي والسياسي الذي وعدت به إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش قبل الحرب وبعدها ·
إن اهم اللاعبين في الشأن العراقي من دول الجوار هما إيران وسوريا ولكلا البلدين مشاكل كبيرة مع الولايات المتحدة تهدد أمنها القومي لا بل تهدد كراسي حكمها مباشرة لذلك فإن من مصلحة البلدين منطقيا تأخير التوجه الاميركي نحوهما وذلك بجعل أمر وجود القوات الاميركية في العراق مستنقعا تجري فيه دماء العشرات من الجنود الاميركيين قالو لهم إن الشعب العراقي سيستقبلكم بالورد ، ومع كل ما يمكن ان يقال عن غيرة الشعب العراقي على ارضه ومقدساته وعروبته الا ان الدعم الذي جاءه من آخرين مكّنه من ان يمضي قدما في عمليات ضد القوات المحتلة مستفيدا من عمق جغرافي كبير يمتد من حدود أفغانستان وحتى البحر الابيض المتوسط اضافة الى ما يمكن ان تقدمه الدول المعنية من اسناد لاسلحة وذخائر واموال لإدامة زخم الصمود ومواجهة العنجهية والظلم الاميركي في معاقبة العراقيين على افعال لم يكن لهم دورفيها ·
يمكننا القول اذن وباختصار ان 'دول الجوار العراقي هددت من قبل الولايات المتحدة وبات من حقها ان تعرّقل العمليات الاميركية في العراق ' وان هذه العرقلة اتخذت اشكالا مختلفة كان من بينها خلط الاوراق لتجعل العراقيين غير متفقين تماما على من يمثلهم او البديل المقنع لقيادة العراق وبالتالي اصبح العراق بكل اطيافه في شد وجذب على لاشيء واصبحت الولايات المتحدة في وضع دولي بالغ الصعوبة ، هذا من جهة وتبقى مسألة احداث ثغرات كبرى في الشعور الوطني العراقي المطلق هو التحرك الاخر لبعض دول الجوار الذي تستطيع من خلاله ان تحرك قطاعات كبرى داخل الشارع العراقي من دون ان يكون لهذا التأثير أي فائدة تذكر للعراق بل لمصلحة تلك الدولة المعنية من جهة اخرى ·
إيران الدولة الأوفر حظاً
إن الوجود الايراني على سبيل المثال واضح جدا للعيان في كل مكان من وسط وجنوب العراق بالاضافة الى السليمانية في كردستان العراق وهذا الوجود على عدة اوجه منها على سبيل المثال لا الحصر وجود 254 مركزا للمخابرات الايرانية ،مثبت رسميا لدى مخابرات وزارة الداخلية العراقية حاليا في مدن الجنوب العراقي (البصرة والناصرة والعمارة) فقط وان هذه المراكز تعني وجود مقرات واشخاص ومعدات ومجندين عراقيين الخ·هذا بالاضافة الى اعداد كبيرة من الايرانيين تدخل العراق بشكل مستمر بواجهات عديدة منها الزيارات الدينية للعتبات المقدسة في مدن العراق (بغداد والنجف وكربلاء وسامراء) اضافة الى دخول مئات الالاف من الايرانيين الذين تدعي ايران والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وحزب الدعوة انهم كانوا لاجئين عراقيين في اراضيها هربوا او طردوا من قبل نظام صدام حسين ·
السؤال الذي يجب ان يطرح دائما هو : هل تريد الولايات المتحدة الاميركية ان يكون لايران هذا النفوذ داخل العراق ولماذا ؟ وهل يعقل ان يكون كل الناس منتبهين للدور الايراني في العراق وأميركا بكل اجهزتها وسطوتها العسكرية والمخابراتية نائمة في العسل ولا تعلم أي شيء عن هذا الامر ؟
ان المتوقع في الحقيقة غير المعلنة من سياسات اميركية تجاه المنطقة ، ان دورا ايرانيا يمكن ان يكون اكثر فاعلية على عموم الخليج العربي فيما لو تم مد جسور من التعاون فيما بينها وبين الولايات المتحدة وخاصة في العراق الذي يمثل مركزا قويا من مراكز حكم السنّة العرب في العالم العربي ، وقد يكون الخيار الشيعي هو الخيار القادم للولايات المتحدة بالنسبة لطبيعة الانظمة المسنودة من قبلها بعد ان اقتنعت ان السنة العرب لم يقدموا لها في هذه الحقبة التاريخية ما يساعد على استمرار الاوضاع لصالحها في موضوع الهيمنة العالمية، وكان لظهور حركات سنية متشددة في النظرة والتعامل والتكفير بحق كل ما يمت للولايات المتحدة واسرئيل مثل تنظيم القاعدة فعل القشة التي قصمت ظهر البعير في تصورات التخطيط الاستراتيجي للولايات المتحدة ، وعلى العكس فإن الشيعة لم يؤلفوا أي جماعات (ارهابية) بالمنظور الاميركي يمكن ان يعادي الغرب او يعاديها او يعادي اسرائيل ·
ان الدعم الكبير لشيعة العراق والحرص الاميركي على منحهم فرصة حكم العراق على حساب السنة العراقيين والغزل الاميركي مع شخصيات ايرانية نافذة اضافة الى سماح الولايات المتحدة بشكل كامل للايرانيين بالوجود الفعال والمؤسس لانشطة كبرى في العراق كلها دلائل تشير بوضوح الى رجحان كفة ما ذهبنا اليه من تصورات عن الدور الايراني المحتمل ليس في العراق فقط بل في عموم المنطقة ·
سوريا واللعب بأوتار جارحة
قد يكون الامر مختلفا جدا عما هو عليه الان بالنسبة الى سوريا فيما لو بقيت سوريا بعيدة عن التدخل في الشأن العراقي بعد الاحتلال الاميركي للعراق ، واقولها بيقين تام ان قيامة سوريا كان معد لها بعد غزو العراق واحتلاله مباشرة وعلى هذا مضى المسؤولون الاميركيون العسكريون والمدنيون في تصريحاتهم عندما كانوا يقولون حررنا العراق اليوم وغدا سيكون على دول مثل سوريا والمملكة العربية السعودية ان تلحق بركب الديمقراطية وان التغيير قادم لا محالة ، وفي هذا كانت الاشارة الاميركية واضحة لبدء العد التنازلي لبقاء الانظمة الحاكمة في هذه الاقطار لذا كان لزاما على سوريا ان تلجأ الى اسلوب الكر والفر في ملعب غير ملعبها وهو بالطبع غير ملعب الاميركيين ايضا لكنها تخبره جيدا نعم كان العراق بجزئه الغربي بدءا من الموصل وحتى حدود السماوة والنجف مسرحا لفعاليات عراقية كبيرة عكرت على القوات الاميركية الغازية صفو دخولها السلس الى بغداد وبدأت التوابيت الموشحة بالاعلام الاميركية تتواصل على المدن الاميركية حاملة جثامين جنودهم الذين يفترض ان الحرب التي ذهبوا من اجلها قد انتهت حسب خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش في مايو 2003 ! وانتقل السوريون الى دائرة الضوء الاميركي ولكن لصالح سوريا هذه المرة حيث تبدلت المطالب الاميركية من المطالبة بتغيير النظام واحداث اصلاحات ديمقراطية كبيرة فيه الى مطالبة سوريا بالكف عن دعم المقاومة العراقية او دعم تنظيمات حزب البعث العراقي التي بدأت ونتيجة لدعم مشهود في العودة الى المعترك الفعلي للبيت السياسي العراقي وان كان بحذر ولكنه بتأثير واضح ·
لقد تبنت سوريا شعارا مهما جدا هو ' ماذا ننتظر ممن يشكل بحقهم هيئات لاجتثاثهم ' وهو امر مقلق جدا للجانب الاميركي وكذلك للعراقيين الذين تولوا الحكم الان في ظل الوجود والاحتلال الاميركي للعراق والذين يمارسون دورا بالنسبة لاستعداء سوريا اكثر مما تمارسه الولايات المتحدة حتى ولهذا يقول الباحث العراقي الدكتور سعد ناجي جواد الساعاتي ' ان على سوريا ان تحاسب نفسها لدعمها فئات من المعارضة العراقية انقلبت عليها الان بعد دخولها مع القوات الاميركية وتسلمها لمناصب حكومية عراقية '·
ان حجم الاذى الذي اصاب القوات الاميركية والولايات المتحدة عموما جراء التدخل السوري في العراق بالغ وكبير بحيث افقد الجانب الاميركي القدرة على الضغط باتجاه سوريا الا من الباب اللبناني وهو ما تعاملت معه سوريا حتى الان بمهارة سياسية جيدة على حسابات الوقت والمتغيرات الدولية والداخلية بالنسبة للولايات المتحدة لذلك اجد من المستبعد ان تنجح الادارة الاميركية الحالية في السيطرة المطلقة على موضوع التدخل السوري في العراق لتزايد حاجة العراقيين واعدادهم ايضا الى الدعم السوري لبرامج مقاومتهم للاحتلال ·
السعودية والخيارات الصعبة
المملكة العربية السعودية الرمز القوي للحكم العربي الذي كان حتى العقدين الاخيرين من تاريخنا المعاصر واحدا من اللاعبين الاساسيين في المنطقة ، كانت علاقاته مع العراق مأخوذة بين الصعود والهبوط في مستوى التوافق السياسي والاستراتيجي بسبب عاملين مهمين اولهما طبيعة الانظمة التي حكمت العراق وبسبب وجود مناطق الشيعة العراقيين بمحاذاة حدودها مع العراق·
وخلال الحرب العراقية الايرانية تحسنت العلاقة بشكل كبير جدا بين العراق والسعودية حتى باتت السعودية واحدة من اوجه قوة الادارة السياسية والاقتصادية العراقية في المنطقة والعالم ، وكان هذا بالطبع ليس عـــن رضا سعودي بنظام الحكم في العراق والمرتكز على عقيدة علمانية متمثلة بحزب البعـــث العربي الاشتراكي ولكن بسبب درء العراق الخطر الكبير الذي عصف بالمنطقة جراء الثورة الاسلامية الايرانية ودعوات الخميني المتكررة لحشد الشيعة في المنطقة صوب ثورة اسلامية تزيح الانظمة القائمة كما حدث في ايران ·ومع عنفوان العلاقات العراقية السعودية على وجه التحديد قام العراق بغزو الكويت واحتلالها في 2/8/ 1990 ليقلب بذلك الطاولة على كل مفاتيح الظن الحسن بقيادته وليخلق حالة من الذعر الخليجي من تطلعات عراقية غير واضحة المرامي والاهداف ·
بقيت العلاقات العراقية السعودية سيئة جدا حتى قمة بيروت عام 2002 التي تم فيها معانقة عزة الدوري وولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز حيث كسر جليد التوتر الرهيب بين البلدين الى حركة جزئية تتركز في نشاط اقتصادي سعودي محدود في السوق العراقية ضمن مذكرة التفاهم بين العراق والامم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء
رفضت السعودية استخدام اراضيها وقواعدها في الغزو الاميركي على العراق عام 2003 ، وكأنما هذا الرفض علني وحسب عليها ضمنا ثم اعلن بعد احتلال بغداد من خلال اشارات واضحة للحكومة الاميركية ضرورة اجراء اصلاحات في بعض انظمة الحكم العربية ومنها بوضوح المملكة العربية السعودية ·
حاولت السعودية المناورة ولكن ورود بعض المقاتلين المتحمسين من التيارات الاسلامية المتشددة في السعودية للمشاركة في قتال القوات الاميركية في العراق اضاف عاملا آخر من عوامل الحنق الاميركي وبالتالي لم تجد المملكة العربية السعودية بدا من اطلاق مبادرة سعودية تتضمن احلال قوات عربية واسلامية محل القوات الاميركية في العراق قبلت عربيا واسلاميا واميركيا كبادرة حسن نية تجاه الادارة الاميركية ولكن من دون جدوى تذكر!
ان وجود حكومة شيعية في العراق مع مد ووجود مخابراتي ايراني الى جوار المملكة العربية السعودية على حدود طويلة جدا تمتد حتى المملكة الاردنية لن يجعل المملكة العربية السعودية متفرجة على الاحداث بانتظار قدرها وما يجب ان تفعله درءا لاخطار محدقة ومؤكدة على سلامة العقد الخليجي الذي تشكل السعودية فيه رأس العمود ومركز قوته هو التحرك شمالا صوب العراق لحفظ التوازنات ومنع تطاير شررها عليها ·

اقرأ أيضا

الدنمارك ستسحب الجنسية ممن قاتل مع داعش