عبد السلام بنعبد العالي الـ Spectacle هو ما يجلب النظر، والـ Spectator اللاتيني هو ما يَرى ومن يَرى. فالفرجة «مشهد» يجلب النظر و«يجذبه». *** ننقل الـ Spectacle إلى فرجة لاعتبار آخر وهو أنها تشير، أوّلا وقبل كلّ شيء، إلى «الانفراج» والابتعاد والانفلات الذي يطبع المجتمعات المعاصرة، فيجعل ما يعاش على نحو مباشر، يجعله مبتعدا منفلتا متحوّلا إلى صور وتمثّلات. Représentations *** فويرباخ: «مجتمع الاستلاب حوّل الشيء إلى صورة، والأصل إلى نسخة، والواقع إلى تمثيل، والوجود إلى مظهر». *** مجتمع الفرجة هو مجتمع يعاش فيه الشيء مبتعداً عن ذاته مُفوّضا بديله وصورة عنه. إنه المجتمع الذي يستبدل العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد «فوقه» Sur-réel، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع. *** في هذا المجتمع يغدو العالم صورا، يغدو العالم صورةَ العالم، كما يصبح الإنسان مشاهداً متفرجاً Spectateur، رائياً مرئياً. *** لا يعني هذا إطلاقا أن الفرجة مجرد وهم ومظهر. إنها، على العكس من ذلك، هي «الواقع الذي تتحول فيه كل حياة إنسانية إلى مظهر». *** يؤكّد صاحب كتاب «مجتمع الفرجة» Guy Debord أنْ ليس بإمكاننا أن نقيم تعارضا تجريديّا بين الفرجة وبين الفعالية الاجتماعية، فهذا التقسيم الثنائي سرعان ما يغدو هو ذاته منقسما متجاوزا. فالفرجة ليست مجرّد «مشهد» يُتأمّل، حتى وإن كانت ترتبط بالرؤية. ذلك أنّ الواقع الفعليّ ينبثق ويتجلّى في الفرجة، مثلما أنّ هاته تتمتع بواقعية فعلية. لذا سرعان ما يستدرك دوبور الأمر ليؤكّد أنّ الفرجة ليست مجموعة من الصور، وإنما هي «علاقة اجتماعية تتوسّطها الصور». وهي ليست شيئا مكمّلا ينضاف إلى العالم الفعلي، إنها ليست «ديكور» يزيّن الحياة الاجتماعية، إنها العالم الذي تتحوّل فيه كلّ حياة إنسانية إلى مظهر وصور. *** ليست الفرجة مجموعة من الصور، و«إنما علاقة اجتماعية تتوسطها الصور». إنها لبّ «لا واقعية المجتمع الواقعي». فوراءها عملية تحويل وإنتاج وصناعة. ولعلها أهم صناعات العالم المعاصر، وهي الصناعات التي من وراء آليات الإشهار والإعلام والموضة واستطلاع الرأي. *** ليس الإعلام ولا استطلاع الرأي ولا الموضة إخبارا واستدلالا أو إقناعا أو برهنة. صحيح أن كل هاته الفعاليات هي أقرب إلى المرآة التي تعكس الأذواق والمطامح والرغبات والميول، لكنها مرايا فعالة، إذ تعكس عن المجتمع صورة تدفعه إلى أن يستنسخها فيحاول أن يتشبه بالصور التي تُعكس عنه. *** بودريار: «إذا كان المواطن اليوم لا يؤمن بالإعلان، فهو يتعلق به أشد التعلق: إنه لا يؤمن بالمنتوج، لكنه يؤمن بالإعلان الذي يريد أن يجعله يؤمن بالمنتوج». *** علينا أن نميز في الإعلان بين مستويين: بين الإعلان كخطاب حول المنتوج، خطاب يستعمل الصوت والصورة والكتابة، وبين الإعلان كموضوع استهلاك، موضوع يستهلك كمنتوج ثقافي. إذا كان المستهلك اليوم يبدي نوعاً من المقاومة إزاء الرسالة الإعلانية في جانبها التحريضي الإشراطي، فإنه أصبح يتشبث أكثر فأكثر بالإعلان كإعلان. ذلك أن مطلباً أساسياً تبلور عند المواطن في المجتمع الاستهلاكي هو أنه أصبح يرى من الضروريات أن «يُعتنى برغباته». إنه يرغب في أن يرى رغباته مصنوعة مصورة معروضة. *** الإعلان لا يخاطب المواطن على أنه مستهلك، وإنما على أنه فرد له القدرة على الاختيار، وأنه يعرف ما يريد وقادر على تدبير أمواله والعناية بصحته ورعاية شؤونه. *** يعتمد بودريار مفهوماً يعتقد هو أنه يشكل أحد المفاتيح الأساسية لتحليل واقع الحياة المعاصرة هو مفهوم التشبُّه Simulation، وهو يحدده بأنه «التظاهر بامتلاك ما لا نملك». فهو إذاً ليس مجرد إخفاء، لأن الإخفاء، على العكس من ذلك، «تظاهر بعدم امتلاك ما نملك». فبينما يكتفي الإخفاء بحجب الواقع وستر الحقيقة، فإن التشبّه يجعل اللاواقع واقعا، واللاحقيقة حقيقة. إنه يعمل في الواقع، ولا يكتفي بحجبه وإخفائه. *** استراتيجية «التشبّه» تجعل الواقع والوهم يتشابهان فـ «يشتبهان علينا». إنها استراتيجية لخلق الشبهات. وهيما يجعل الأمور تعمل وتبدو «كما لو.. »، إنها مسرحة للحياة و«فرجة» مؤسَّسَة. *** ليست استراتيجية «التشبه» افتراء على الواقع من شأنه أن يفتضح وقت ظهور«الحقيقة»، وإنما هي تشبّه بالواقع يجعله يكفّ عن أن يكون واقعاً ليفوق نفسه ويغدو واقعاً فائقاً، واقعاً سرياليا Sur-réalité «من إنتاج نماذج مموهة داخل فضاء فائق لا مرجعية ولا محيطَ خارجيا له».