ترجمة: المهدي أخريف يقدم لنا عَمَلْ أنخيل غونزاليث، حسب رأي أجمع عليه النقد وأكده الشاعر نفسه، مرحلتين أو طورين مختلفين كأوضح ما يكون الاختلاف، وإن كانت أشعارهما منظوراً إليها في مجموعها، تكوِّن في الواقع، كتاباً واحداً يتنامى بكيفية مستمرة: الطور الأول يبدأ بـ«عالم فظّ» (1956) ويمتد حتى رسالة في العمران (1967)، مروراً بـ«بلا أمل بلا اقتناع»(1961) و«مقام أوَّلي» (1962) ثم «كلمة فوق كلمة» (1965)، يتعلَّقُ الأمر بشعر يعكس خيبة مريرة وتشاؤمية ذات صبغة وجودية ضمن ملمح يقترن بنقد قاسٍ للعالم المعيش. هذه الكتابة تولد، في الواقع، من اختلال قائم بين الرغبة الباطنية والواقع الخارجي، بين ما هو كائن وما يرغب فيه الأنا، وهو اختلال يجد حَلّه، استتيَقيّاً، فيما يمكن أن نسميه «شعرية الانتهاك». المرحلة الثانية تبدأ بـ«حواشٍ قصيرة على سيرة ما» (1971)، وفيها تندرج أيضاً معالجات سردية (1972)، نموذج، منقّح ومزيد، لبعض المعالجات السردية والمواقف العاطفية المحتملة في العادة (1977) قصائد نثر أو أقلُّ (1985). ثم «ديكسيس شبحاً»(1992) العنصر الأجَدُّ حسب أنخيل غونزاليث نفسه هو على وجه التحديد «الميل إلى اللعب ودفع السخرية نحو فكاهة لا تتحاشى الطرفة، وَخَلعُ العبث على بعض الموضوعات والرغبة فيما هو بَارودي»، غير أنَّ البعد النقدي يبقى حاضراً، بل يغدو على نحو ما، أكثر فاعلية من ذي قبل. إذن، هذه المرحلة الثانية تتميَّزُ بِحرية تعبيرية أعلى من سَابقتها، تتمثّـل في توظيف وسائل معينة مثل أنماط من القلب والتشويهات الدلالية، الانتهاكات المعجمية أو تقطيع أوصال الجمل التامّة، توليد كلمات جديدة أو دخيلة، والتلاعب بالألفاظ والتشويهات والانتهاكات النحوية، وبالطبع، السخرية والدعابة، إذ، كما يقول أنخيل غونزاليث عام 1970: «لا يمكن الاستمرار في الكتابة بنفس الأسلوب وعن نفس الواقع، لأن الواقع، تغير، جوهرياً، أقلَّ مما يبدو عليه والمخرج الوحيد ربما هُو هذا. إثارة الفضائح، الإتيان بأشياء تُحرج، لا بما تقوله، وإنما بما هي إياه». غير أن ما لم يتغير جوهرياً لديه هو الهوس بالزمن ليس بالزمن التاريخي الذي عاش فظائعه بعد الحرب الأهلية الإسبانية وقدم شهادات شعرية عنه وإنما هو زمن ثالث يحمل طابع التأمل الرثائي للأحداث والحياة والذات. المعطيات الواردة في التقديم في معظمها للناقد الإسباني المختص بشعر الخمسينيات الإسباني لويس خامبرينا. مُتَعَصْرِناً بِبَعْضِ الأماسي أتخذ من بعض الأماسي عَصْرونيةً لي: لا تملك جميعها لُباباً صالحاً للأكل. إن كنت بِحذاء البحر أقْضم الجرُوف أولاً، ثم الغيوم البنفسجية والسماءَ أبصقُ النوارس – وكفاكهةٍ أخيرة أدَع المستحّمات يلعبن الكرةَ مشعثات. إن كنتُ في المدينة تَعَصْرنْتُ بالمساء وحده؛ ألوكُ الدقائق بالهوينى بعد أن أنْزع أشواكها – وحينما أفرغ منها أمضي مجتّراً ظلالاً من هنا أو هناك، متذكّراً الزّمن المُلْتَهَم بطعم عَدَمٍ حِرِّيف في الحَنجرة. اليوم اليوم كُلُّ شيء يقودني إلى عكسه: عبيرُ الوردة يدفنني في جذورها، الإفاقة تقذف بي إلى حلم مختلف، أُوجد، ثم أموت. كُلُّ شيء يحدث الآن بنظام صارم: العقارب تقضم يديّ، الحَمائم تَنْهش أحْشائي، الرياحُ الأكثر جليديةً تُشعل خديّ. هكذا هي اليوم حياتي. مِن الجوع أتغذى. أكرهُ مَنْ أُحبُّ عندما أنام، تبقِّع شمسٌ مو لودةٌ للتوِّ بالأصفر جفنيَّ من داخلٍ. تحت ضوئها، مَأخُوذين مِن الأيدي، أَنت وأنا نَعُود القهقرى بالأيام حتى نَضِيع في النهاية في اللَّاشيءِ. (تعليقات قصيرة على بيوغرافيا، 1964) استعمال النوسطالجيا أحبّ الحقل * الجامعيَّ، بِلا ماعز، بصبايا Pax pacem** في اللاتينية، يتناولن العصرونية Pas pasa pan*** بالشكولاطة في اللاتينية، يُجِدْن اللغات الحيّة وَيَجُدْن بالقُبَل في الغروب (وكذلك في الرّكَب) ويستعملن الكوكا كولا كمانع للحمل. آه الزهور اليابسة لكتب النص تُنْهي الموسم منزوعة الأوراق حين يُقيم الربيع في الحديقة المشذّبة للأكاديمية بأيدٍ لا تزال مراهقة وَيَحْتَكّ بورودها ملطخةً بقلم كُرَيّة وبالطباشير الوَجْهُ الأعْمى للشّاعر مكتسبة رائحة برتقال حامضة هوميروس أو مَنِّي... هذا كله سيصير ذات يوم موضوعاً للذكرى والنوسطالجيا. عنيدة، سَتَعُود، الذاكرة مَرَّةً وَأخْرى إلى هَذِه الأماكن، مثل نحلة تحوم حول عطر زهرة مقتلعة: بلا جدوى لكن ذلك النّور لا ينطفئ أبداً: إنَّها شَعَلٌ لا تزال متّقدة، مَا مِنْ هَاجِس يستطيع خنق الضحكات التي تُضِيءُ الورود والأجساد وحين يَحُلّ البكاء مثل هالة فإنَّ الأنقاض والتفسخات التي تحفظها خالصة وسط الظلال لن تُقْهر. خراباً أكثر فأكثر ستصير مستغرقة في ذراتها وستبقى منتصبة سليمة أشدَّ تألقاً جَاهِلة بذاتها إشارات الحب تلك... من دون أن ترى سوى العدم. (طرائق سردية، 1972) مقدمة لبعض المرثيات أهَيِّئُ هنا مجموعات من كلمات. لا أرغب فقط بحركات لا مجدية، في تزيين ضريح الأيام الماضية، المهجورة إلى الأبد مثل صالات قصر غامض كان لنا، لن نَعُود أبداً إليه لِتَكُن تلك الكلمات في لا جدواها تماماً كالورود المدفونة مَع جَسَدٍ محبوب لَنْ يستطيع البتَّة رؤيتهن ولا الاستمتاع بشذاهن – لِتَكُن على الأقل، حين يُذْبلها مُضِيّ الزمن ومغزاها الغامض يتلاشى أو يُتجاهل، شاهداً خالداً – لو كان ذلك ممكناً – لا على المنفعة المفقودة التي تذكِّرها بها؛ ولا اليد – الممحوة في الظلال – التي تتركها الآن في الظل، ولكن على الشفقة التي حَرَّكَتْها. ما يمضي أحياناً في أكتوبر حينما لا شيءَ يحدث، بعد مُضيّ الصيف والأوراق تبدأ في التساقط من الأشجار، والبَرْدُ يُؤكْسدُ حَافّة الأنهار ويجعل مَجْرى المياه أكثر بطئاً؛ حينما تبدو السماء بحراً صاخباً والطيور تُبدِّل المشهدَ، والكلماتُ تُسمع كُلّ مرة، أبعد فأبعد مثل وشوشاتٍ تبدِّدها الريح؛ حينئذٍ يغدو معلوماً، ما يحدث: تلك الأوراق، الأطيارُ، الغيوم، الكلماتُ المبدَّدة والأنهار، تملؤنا قلقاً مباغتاً ويأساً. لا تفتِّشوا عن السبب في أفئدتكم إنَّه فحسب هذا الذي قلت: ما يمضي شذرات I مَرَّ بك زمنٌ صعْب. مضى ذلك الزمن. لكن أثر يديه القذرتين بَقي مرسوماً على وجهك: دُهناً كثيفاً مِنْ حُبٍّ، مَحصَّنٍ ضد الكراهية. II كنت تلعب وسط الموت ظانّاً أن الموتى أشياءُ محطّمةٌ رَمَى بها أحدهم إلى الأرصفة. كنتَ الحياة الخالصة التي تجهلُ كل شيء. هواء صقيعي، أحياناً مثل تنهيدةٍ متصلّبة، مثل شاشٍ منسوج من خيوط بَرْدِ – كان يداعب وجهك. لم تكن تعلم أنها يدها، لا مرئيةً وقريبةً جداً، هي التي حَرَّكَتْه. III لقد عرفتَ ذلك سريعاً جداً. ومنذ ذلك الحين لمْ تتخلَّ، قطُّ عن رؤيتها، مترصِّداً دائماً بين ظِلِّين، وهي مكشوفةٌ في نور الصباحات غير المتوقّعة، وهي منحجبةٌ في ثنيات عشايا الشتاء. حينما النهار ينتهي قبل حُلول الليل ويكون ثمة وقت لا يخُصّ أحداً، فراغٌ ينمو نقش مِنْ غبار في حجم ريح – يسعى إلى مُحَاصرتك في عُقده الوسخة IV ربما، لذلك، لا تزال مِثْل سِنّور جائع يُنازع التماسيح من أجل فريسته، تُلاحق الفرحَ بضراوة بين الاشمئزاز والخوف... يا نَاهب اللحظاتِ، فلتستمتع بها، هي ملكُك الآن إلى الأبد: استمتع كلياً وإلى النهاية، بالبقايا المجرَّدة لِكَآبتك. ضد النظام (شعريةٌ أعلنت انحيازي لها أياماً معدودة) مُعْطى بيوغرافي عندما أكون في مدريد ترفع صراصير منزلي عقيرتَها بالاحتجاج لأنني أمضي الليل في القراءة. والضوء لا يشجّعها على الخروج من مخابئها، وبذلك تضيع فرصة التجوال في غرفة نومي، المكان الذي تشعر لأسباب غامضة – بالانجذاب إليه على نحو لا يُقاوَم. الآن تتحدث صراصيري عن التقدُّم برسالة شكوى إلى رئيس الجمهورية، وأنا أتساءل: في أيِّ بَلدِ يحْسَبنَ أنفسهُن يَعِشْنَ؟ هذه الصراصير لا تقرأ الصحف. ما يعجبها – لا شك – هو أن أسْكرَ وأرقص الطانغوات حتى الفجر، حتى تمارس بذلك، بلا أي حرج نَهْبها المتواصل والأعمى، عَبَر البلاطات الواسعة لمخدعي أحياناً أُسَرُّ بما تفعل ليس لأنني آخذ رَغباتها في الحسبان، وإنما لأنني أشْعُر بأنني منجذِبٌ على نحو لا يُقاوم، ولأسباب غامضة، إلى مواضع مُعيَّنة أسِيئتْ إضاءتها جدّاً، حيث أطِيلُ المُكْث من دُون سَابِقَ تخطيط حتى يُعلن طلوعُ الشمس ميلادَ نهار جديد. وعند عودتي إلى المنزل، حين أتقاطع عبر الممرِّ مع أجسادها الصغيرة التي تَفِرّ برعونة وخَوْف صوب الشقوق المعتمة حيث تُقيمُ، أدْعُو لَهَا بتمضية ليلة سعيدة بعد فوات الأوان. لكن، بطيبة خاطِر، عَنْ صدقٍ ، متعرِّفاً في نفسي على ارتيابها، عدمِ تلاؤمها، رُهَابِها من الضوء، وميول ومواقف كثيرة - آسف لقول ذلك – لا تنصف إلاّ قليلاً تلك الكويئنات المستقيمات الأجنحة. (عينة، مزيدة ومُنقحة من بعض المناهج السردية وبعض المواقف العاطفية المتقاسمة عادة، 1976،1977) لم يطلع النهار أمس أمس حَلَّ المساء منذ وقت مبكر. طلع الغَسَق، عند الفجر سَكَبت السماءُ فوق الأرض هالةً هائلة من ظلال. مع اقتراب منتصف النهار كانت قُبَّةٌ زرقاء واهنة وناقصة شِفْرة حَظنا؟ لا تزال تلمع في الفضاء (القمر لم يكن يضيء العالم؛ جسمه الشفّاف أتاح لنا وحسب التكَّهن بوجود سَماء أخرى أكثر علواً. قاسية أيضاً، غير قابلة للاستئناف) مع ذلك، نواصل انتظارنا علامات مبهمة نُباح أطيار، أحياناً؛ صدى برق؛ هَبَّات مباغتةٌ لريح عنيفة – تجعلنا في حالة تأهب. في ساعة الغروب ظهرت الشمس للحظةٍ كيما تغيب مُثـبِّـتة الظلالَ بالرماد. وردة الفضيحة (ألبوكيركي، نوفمبر) ثلج كثيف، مفاجئ غير متوقع يطفئُ الذهبَ الأخير للغابات. ثمة وَضْعٌ جديد بَاردٌ يَحْدُث في عِزِّ الخريف. جُذُوع لا مبالية. سكون مُمتدّ في أصداء ميّتة. وحدها الغربان تحتجّ بصوتٍ عالٍ، تنزل إلى الوديان وَتحتلّ – حَانِقةً وَقِحةً – الحدائقَ بعُدَّتها مِن الريش الأسود والنعيق. مقلقةً، مُزْعجة، صارمة، من منابرها العالية الذاوية توبِّخُ مساء نوفمبر الذي لا يزال يحتفظ في ألبسته الجافة بالجمال الهادئ لِوَرْدةٍ. ديكسيس شبحاً ذلك، لا ذاك. ولا – هيهات – هذا. ذلك الذي يوجد في عَتَبةِ حَظِّي. الذي لم يُدْعَ قطّ، ولا كان متوقّعاً قط؛ كان فحسبُ حضوراً لا يشغَلُ حَيِّزاً، ظِلاً أو ضوءاً وَفيّاً بجانبي أنا ذاتي ولا الريح تقتلعه، ولا المطر يُذيبه، لا الشمس تذبله، ولا الليل يُطفئه. بقية واهيةٌ من نسيم تشّدني إلى الحياة بعذوبة. ذلك الذي ربما كان ممكناً، الذي لا يزال ممكنا اليوم أو غداً لو لم يكن مُجرَّد حُلم. لا شيء الآن طويل هو الفن؛ قصيرةٌ هي الحياة مثل سكّين لكن لاشيء الآن ولا حتى الموت، على شُسوعه – في وسعه تفاديه: كاملاً، حُرّاً، مثل ضباب تُبَخِّره الوديان العميقة للشتاء عِنْد طلوع النهار، نَامِياً في فضاء بلا حدود، هذا الحبُّ الذي من دوني سَيُحبك إلى الأبد (ديكسيس شبحاً، 1992) ................................هوامش * وردت باللاتينية في الأصل (campous) ** هكذا في الأصل *** تلاعب غير قابل للترجمة أوردناه كما هو في الأصل (المترجم). إثارة الفضائح يقول أنخيل غونزاليث عام 1970: «لا يمكن الاستمرار في الكتابة بنفس الأسلوب وعن نفس الواقع، لأن الواقع، تغير، جوهرياً، أقلَّ مما يبدو عليه والمخرج الوحيد ربما هُو هذا. إثارة الفضائح، الإتيان بأشياء تُحرج، لا بما تقوله، وإنما بما هي إياه».