صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

رسول حمزاتوف: الصحراء العربيّة بيت الأبد

أحمد فرحات

كان للأمين العام الأسبق لاتحاد الكتاب اللبنانيين الأديب الراحل أحمد أبو سعد الفضل الأول والتاريخي بتقديمي إلى صديقه الشاعر والأديب الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف (1923 - 2003). كان ذلك في أواخر الثمانينيات من القرن الفائت عندما علم أبو سعد بسفري إلى دولة الكويت، في الوقت عينه الذي كان صديقه الكبير رسول حمزاتوف يزور هذا البلد العربي الخليجي الكريم بدعوة من «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب»، فحمّلني رسالة ثقافية لبنانية منه إليه. وكانت مناسبة تاريخية استثنائية لي أن ألتقي بهذا الكبير، ليس بين شعراء داغستان وروسيا «والاتحاد السوفييتي سابقاً» فحسب، وإنما بين شعراء العالم وأدبائه الكبار كافة.
فجأة أنا أمام رجل جبلي الملامح والتقاطعات، معتدل القامة، مكتنز الجسم، تميل سحنته إلى لون الزهر كدليل على الصحة والعافية، يطلق ابتسامة شبه مستدامة، لا تعرف المجاملة والديبلوماسية البتة، بل يحسّ المتعامل معها، وكأنها آتية، هكذا من احتياط محبّة خالصة وشعور إنساني بالغ العمق فيه.
كان المترجم بيني وبينه في دولة الكويت مستعرب روسي غير معروف، لكنه كان يجيد، بالإضافة إلى اللغتين العربية والروسية، اللغة الآفارية التي يتكلمها حمزاتوف، الذي عاش «أي هذا الأخير» أكثر من خمسين عاماً في عاصمة بلده داغستان «محج قلعة»، شاغلاً منصب رئيس اتحاد كتاب داغستان. غير أن موسكو كانت مسرح وفاته في مثل هذا الشهر «نوفمبر» من عام 2003، هو الذي كان أصيب، بعد تجاوزه سن الثمانين، بمرض عصبي سبّب له رعاشاً ملحوظاً، ظلّ يصاحبه حتى آخر يوم من حياته، التي تمنّاها حمزاتوف أن تطول بعض الشيء، «كي لا أدع الكلمة يتيمة من بعدي/‏‏‏‏‏ ولا أدع من أحبهم بلا حب».

وقائع الحوار
بعفوية وتلقائيّة جرت وقائع هذا الحوار في الكويت بيني وبين الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف، وهو حوار كنت أنتظر حدوثه بصبر نافد، لا لشيء إلا لأن الرجل يمثل رمزاً شعرياً وأدبياً بالغ الأهمية، ليس لبلاده داغستان وعموم الـ«روسيا» (كما يحبّ الروس إطلاق التسمية على بلدهم) فحسب، وإنما لبلدان وثقافات العالم أجمع، فضلاً عن أن مجرد اللقاء به، يمثل بالنسبة إليّ فرصة استثنائية يصعب تكرارها ثانية.
في ما يلي تفاصيل هذا الحوار شبه البانورامي مع الشاعر رسول حمزاتوف، والذي ننشر وقائعه للمرة الأولى هنا في «الاتحاد الثقافي». أما سبب عدم نشره من قبل، فيعود، أولا، إلى تركي العمل في الدورية الأسبوعية اللبنانية التي كنت أعمل فيها مدة 14عاماً. وثانياً بسبب فقداني الأوراق التي كنت قد سجلت عليها وقائع الحوار المذكور منذ 37 عاماً، ولم أعثر عليها إلا منذ شهر واحد تقريباً، هكذا بالمصادفة بين فوضى أوراقي وكتبي الكثيرة والمبعثرة داخل العلّية (التتخيتة بالعامية اللبنانية) الداخلية المظلمة في بيتي. وكانت مصادفة العثور على هذه الأوراق النادرة، أشبه بعيد من الفرح الخصوصي لي، لا أظن أن فرحة أخرى ستعادله، راهناً أو لاحقاً، مهما كانت أهميتها الشخصية أو الموضوعية لديّ.

عن ابن ماجد
* سألت الشاعر حمزاتوف: أعرف أن هذه الزيارة لك لبلد عربي ليست الأولى، إذ سبق لك وزرت لبنان في عام 1967 بمعيّة جنكيز آيتماتوف، ولكن سؤالي الآن هل هذه الزيارة هي الأولى لك لبلد خليجي؟..
** أجاب حمزاتوف: نعم هي المرة الأولى التي أزور فيها بلداً عربياً خليجياً، ويسعدني أن يكون هذا البلد هو الكويت، وبدعوة مشكورة من «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب»، هذه المؤسسة الثقافية المحترمة والمنتجة في الكويت نفسها وعلى المستوى العربي العام. وأنه ليشرفني ويفرحني طبعاً أن يكون لي قرّاء في الكويت ودول الخليج العربي عموماً؛ فما أعرفه عن الخليجيين، عدا كونهم يهتمون بالثقافة والمثقفين، إنهم قوم بحر وقوم برّ صحراوي، وكلاهما «أي البحر والبر» يجعل الإنسان الخليجي منفتحاً على الآخر في العالم أجمع، وعلى نحو يجهله الكثيرون. هل تدري، مثلاً، أن الخليج أنتج واحداً من أهم علماء البحار في العالم: أحمد بن ماجد، ابن إمارة رأس الخيمة في الإمارات العربية المتحدة، وهو شاعر أيضاً؟. ووالدي الشاعر حمزة تساداسا، الذي كان يعرف اللغة العربية، ويقرأ الشعر العربي، ويكتب حتى قصائد بـ«العربية»، كان اطّلع على بعض أشعار أحمد بن ماجد وكان معجباً بها. وهكذا من خلال الوالد تعرفت إلى الرمزية التي يمثلها أحمد بن ماجد كبحّار أسطوري وشاعر كبير. وأنا على كل حال سأزور الإمارات بعد زيارتي هذه للكويت، وسأطلب بالتأكيد من هناك تزويدي ببعض كتب أشعاره، حتى وإن كانت باللغة العربية التي أجهلها. (وبالفعل زار الشاعر والروائي رسول حمزاتوف دولة الإمارات العربية المتحدة لاحقاً، وأحيا أمسية شعرية وندوة أدبية في مبنى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة).

* والدك يعرف «العربية».. كيف حدث ذلك؟ وكيف تمكّن من الاطّلاع على بعض أشعار أحمد ابن ماجد؛ إذ القليل من المثقفين العرب من يعرف أن ابن ماجد كان شاعراً، وشاعراً مصقعاً أيضاً، فالشائع عنه أنه كان بحاراً عظيماً وصاحب نظريات رياديّة في علم البحار وطرائقه وأدواته فقط؟
ـ **عرف والدي شخصية أحمد بن ماجد، شاعراً وبحّاراً، من خلال كتب المستعربين الروس وما سجّلوه فيها من مآثر علمية وأدبية عن هذا العملاق الخليجي. ووالدي، بالإجمال، كان يميل إلى سِير الرجال/‏‏‏‏‏ الرموز، ممن حاكوا ويحاكون بأعمالهم الإبداعية الاستثنائية سمت الأسطورة، وأحمد بن ماجد كان واحداً من أولئك الرجال/‏‏‏‏‏ الرموز أو الرجال/‏‏‏‏‏ الأسطورة. هذا على الأقل ما أحاطني به والدي الشاعر والمثقف والمفتون بتراث العرب وتاريخهم الحضاري العريق.

حضور العربية
* والدك الشاعر، أكرر هل كان حقاً يكتب الشعر بـ «العربية»؟
**ـ نعم.. نعم.. كان والدي يكتب الشعر بـ«العربية»، وربما أكثر مما كتبه بالآفارية، لغتنا القومية في داغستان. وقد قرأ بـ«العربية» دواوين شعراء عرب فحول، منهم، مثالاً لا حصراً، المتنبي وأبو تمام والبحتري والفرزدق وحسان بن ثابت وأبو العتاهية وعنترة بن شداد والأخطل وعمر بن أبي ربيعة... إلخ. هذا من جهة.
من جهة ثانية، وعلى المستوى الشخصي، كان أبي يدفع بي لتعلّم اللغة العربية، بدافع ديني؛ وسمّاني «رسول»، في الأصل، على اسم الرسول الكريم. كما كان يتمنّى عليَّ ختم القرآن الكريم، وكنت لا أمانع في تنفيذ رغبته، لكن الظروف عاكستني في ما بعد، ولم تتح لي تعلّم «العربية». وفي السياق الديني واللغوي عينه أقول، كان والدي يقرأ القرآن الكريم بصفتين: واحدة إيمانية صرفة والثانية عقلانية ثقافية، بغية المزيد من فهم العقيدة الإسلامية... وحتى أدبنا الروسي العريق، قرأه والدي بتراجم عربية. لقد قرأ معظم سرديات تولستوي وتشيخوف ودستويفسكي وغوغول وشولوخوف باللغة العربية.
* ولماذا لم يقرأها باللغة الروسية؟
ـ لأنه لم يكن يعرف اللغة الروسية، وفضّل تعلّم «العربية» عليها، لأنها لغة الإسلام والقرآن الكريم.. وهكذا فعل كثيرون غيره من أبناء جيله من الداغستانيين المتشبّثين بالإسلام والتراث الإسلامي.. اكتفوا بتعلم لغتهم القومية: الآفارية وأقبلوا على تعلم «العربية» إلى جانبها.
* إذن، «العربية» كانت لغة منتشرة في داغستان قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية.. أليس كذلك؟
** أجل، ما تقوله صحيح، فـ«العربية» كانت تقريباً لغة شعبية في عموم داغستان، وحتى بعض الوثائق الحكومية المحلية كانت تُكتب بـ«العربية»، خصوصاً في العاصمة «قلعة محج»، فضلاً عن عقود الزواج والولادات والبيع والشراء والوفيّات كذلك. وحتى شواهد القبور كانت لا تكتب إلا باللغة العربية الفصحى. وكانت لدينا مكتبات كبرى معظم خزينها من الكتب كان باللغة العربية. وبعد ثورة أكتوبر 1917، تغيّر كل شيء في داغستان، وتراجعت اللغة العربية، على المستويين الرسمي والشعبي، وحتى على مستوى النخب من جيلي الأدبي والثقافي الداغستاني.

عالم الصحراء العجيب
* ماذا تعني لك الصحراء يا سيد حمزاتوف؟
** تعني لي عالم السحر المكشوف حتى الغموض. وكان من حسن حظي أنّ بعض أدباء الكويت من الشبان أخذوني في رحلتين إلى الصحراء: واحدة في النهار وأخرى في الليل. وكان لكل رحلة منهما طعمها الخاص. رحلة النهار، مثلاً، جعلتني أتعرف مباشرة إلى ماهيّة الضوء ونسيجه.. جعلتني ألمسه وأحاوره وحتى آكله ويأكلني ومع ذلك نبقى أصدقاء إلى الأبد.. ما أجمل أن يأكلك الضوء يا صاحبي!!.
أما رحلة الليل الصحراوية، فكانت مفاجئة لي أكثر، خصوصاً لجهة طغيان السحر والسطوة على كل شيء. شعرت في ليل الصحراء أن الكواكب والنجوم، وحتى المجرّات، كانت كائنات قريبة جداً منّي، تتحرّك أمامي وتثير الرعب الجميل فيَّ.. وحواليّ. للمرة الأولى، وعلى مدى حياتي كلها، رأيت الرعب الكوني وأحببته وأحسسته أليفاً، شفيفاً، يقدّم لك نفسه بإعجاز لا يمكن تفسيره، حتى وأنت تفسّره.
وسماء الصحراء في الليل، يا صديقي، قطوفها دانيّة. نعم بإمكانك قطف نجمة ووضعها في جيبك، مهما كان حجمها، فهي تظلّ طيّعة، ليّنة، تكبر وتصغر بحسب رغبتك ونواياك فيها، أو طريقة اشتغالك عليها بطوع بنان خيالك. ليل الصحراء عالم آخر، يمنحك أسراره وبعض تجليّات طواطمه الثابتة والمتحركة، خصوصاً إذا أنت أردت ذلك وتقصّدته، بهذه الطريقة التأملية أو تلك.
في ليل الصحراء المنقشع الرؤية والرؤيا معاً، أنت فاتح جديد، ولكن بجيش ذاتي بلا أسلحة، ولا تستطيع فهم جلال هذا الليل بكل لآلئه، إلا إذا صرت جزءاً من طبيعته ومشاع معرفته. كما أنك من خلاله قد تشعر (مثلما شعرت أنا) أن الحياة على الأرض، هي موجودة لمنع الكون من تدمير ذاته. باختصار، سماء الليل في الصحراء هي بيت الأبد.
* يذكرني كلامك عن ليل الصحراء وأسراره بكتابيك الشعريين: «النجوم العالية» - 1962 و«نجم يحدث نجماً» - 1964.. ما سر هذا الولع بالنجوم لديك؟
** كتبت هذين الكتابين الشعريين قبل معرفتي المباشرة والحسيّة بليل الصحراء في الكويت. ثمة تباعد في المناخات هاهنا إذاً، بين ما كنت كتبته من قبل وما شاهدته وأشاهده اليوم. غير أن تفاعلاتي الجديدة مع ليل الصحراء ستكون لها، ولا شك، احتفائياتها الشعرية فائقة الخصوصية والإدهاش.
* هل أنت شاعر وجودي يا سيد حمزاتوف؟
** أنا شاعر وكفى. غير أن الإنسان ونشدان عدالته في كل مكان، هو دأبي ومركز اهتمامي كي لا يُستغل ويُباع ويُهان في سوق الأمم المسيطرة، ومظهر إهانة الإنسان عندي لا يقتصر على السياسة والاقتصاد وديكتاتوريات المال والاحتكار، وإنما يطال مسألة أخرى أراها في غاية الأهمية والخطورة، ألا وهي مسألة تغريب الإنسان عن الإنسان.
* لكأنك تتكلّم بلسان حال الفرنسي سيرج لاتوش هنا، فهو منذ أواخر حقبة الستينيات يكتب في الاغتراب البشري وإن من منطلق فلسفي يدفع به الاقتصاد السياسي؟
** لا أعرف هذا الرجل ولم أقرأ له، وأتمنى أن تتاح لي فرص قراءة أفكاره أو فلسفته المناوئة لتغريب الإنسان وتشييئه، ليس في الغرب فقط، وإنما في العالم أجمع. غير أنني، وعلى العموم، أقول لك إن تاريخ الفكر الحقيقي، هو تاريخ الوعي بالإنسان ومشكلاته التي لا تني تتفاقم باستمرار.
* وما هو تعريفك للفكر كشاعر؟
**لا أفهم أيّ فكر لا يشعر بوجودي الراهن أو المستقبلي. الفكر يا صاحبي هو سياق ما نشعر به، أنت وأنا والآخر مكتوباً بمعانٍ عارية وغير معطّلة عن إهابها التعبيري. هو أيضاً ما نشعر من خلاله بوجودنا، ونهتدي به إلى وجود ما حولنا، قريبه وبعيده، ظاهره ومستتره. هكذا فالأشياء لا تحدث من تلقاء ذاتها، بل من الإحداث بها، أي من محرّكها، والمحرك هنا هو، إما فكر مغرض واستئثاري شرير، أو فكر على النقيض من ذلك تماماً.
* ولكن غالباً ما يقال إن العقليات العظيمة تناقش الأفكار، والعادية تناقش الأحداث، أما الصغيرة فتناقش الأشخاص.. ما تعليقك؟
** كشاعر أكتفي بالإجابة عن سؤالك هذا بالآتي: الشاعر الذي لا يجيد إلا الشعر هو من دون شك، محدود الثقافة ومحدود في فهم فلسفة الشعر وكثافة أهدافه. وأنا أرى أن من مهمّات الشاعر أن يكون مفكّراً، ومفكراً مسؤولاً وجدّياً، ولكن دائماً على طريقته، وبأسلوبه في إعادة بناء تصوّر جديد للإنسان والعالم. وكون الشاعر معتاد الإقامة بين المتناقضات والمفارقات، فإن بإمكانه أن يناقش كل الأفكار التي تطرح أمامه، كبيرها وصغيرها، معقّدها وبسيطها.
على أنني، ومن جهة أخرى، كنت وسأظل وسأبقى على الضد من مبدأ حياد الشاعر أو المفكر إزاء قضايا الإنسان وحقوقه، وعلى الضد أيضاً من كل أولئك القدريين القائلين مثلاً «طوبى لمن لا يتوقّع شيئاً، فلن يخيب أمله». أنا - يا صاحبي - أتوقّع كل شيء، وأغوص في كل شيء، سواء أخاب أملي منه أم لم يخب.

الشعر والسياسة
* كيف تفهم علاقة الشعر أو الشاعر بالسياسة؟
** هي العلاقة التي ينبغي للشاعر أن يظلّ حرّاً إزاءها، ولكن ليس من موقع النأي بالنفس عن مشكلاتها، لأن السياسة تتدخّل في عمق أعماق وجودنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأمني... إلخ. نعم، إنها تتدخل في كل مسارات وجودنا، لا لشيء إلا لتستقطب هذا الكلّ وتهندّسه وتمنهجه وفق خططها ومشروعاتها الآنية والمستقبلية. وهنا أجد أن من مسؤولية الشاعر، بل من أوجب واجباته، أن يكون مقوّماً للسياسة وناقداً لها، خصوصاً إذا كانت لا تتناغم وقناعاته.. كأن يرى نفسه، مثلاً، في صفّ الظالم ضد المظلوم والقاتل ضد المقتول، والمستغِل ضد المستغَل، أو يعمد مثلاً إلى تفريغ المجتمع من أي ديناميكية تتصل بقضاياه الجوهرية المحقة.
لكن في المقابل على الشاعر أن يعي باستمرار أنه شاعر، وأن الشعر هو دوماً غذاء كينونته، ونار نفسه، وهدف عينه، وطابع صوته، ومجرى دمه وروحه.
* أفهم إذاً أنك لست في صفّ «جدانوف» وفلسفته الصارمة القائلة بتسخير الأدب والفن كسلاح مباشر «ضد البرجوازية الغربية» على حدّ زعمه.. وقد ذهبت عبارته الشهيرة «إن الأدب كان مسؤولاً» مضرب المثل إبّان الحقبة الستالينية الحديدية؟
** تلك كانت «مرحلة نقدية» تعود إلى الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات في بلادنا السوفييتية، وقد ضخّمها أعداء بلادنا، وإن كنت شخصياً لم أتصالح معها البتة؛ أي أنني كنت، وما زلت، على الضدّ من الجدانوفية وفلسفتها الراديكالية المُوجّهة للأدب كسلاح سياسي أو إيديولوجي، بدليل أنني أكتب - وحتى الآن - بلا وصاية حزبيّة أو سياسية قد تأتي من هنا أو هناك. باختصار يا صاحبي، إن قصيدتي ليست عضواً في الحزب الشيوعي السوفييتي، وأرفض أن تكون كذلك.. وهذا شعار لطالما ردّدته وأكدّت عليه في الكثير من منتدياتي الثقافية والإعلامية، داخل الاتحاد السوفييتي وخارجه.
لكن هذا لا يعني في المقابل التغاضي عما يفعله الغرب من بروباغندات سياسية مكشوفة باسم حرية الإبداع والثقافة. فلقد ضخّم الغرب أو الإعلام الغربي الكثير من أمور من سمّاهم بـ«الأدباء المنشقين» عن موسكو، ولأسباب سياسية بائسة ومكشوفة. وأوعز (أي الغرب) حتى بإعطاء البعض منهم جوائز أدبيّة كبرى، مثل جائزة نوبل، التي حصل عليها الروائي ألكسندر سولجنتسين في العام 1970، مع أن سولجنتسين بدأ حياته السياسية شيوعياً ثورياً متطرّفاً وحارب ضد النازية الألمانية التي اجتاحت روسيا. وقد تلقى في بداية الستينيات عروضاً وإغراءات غربيّة للعيش في أوروبا، ثم في الولايات المتحدة، فترك بلاده، وتحوّل هناك إلى آلة دعائية للغرب ضد بلده. لكنّ سولجنتسين نفسه، عاد فانتقد الغرب بعد طول إقامة فيه، قائلاً إنه خُدِع كثيراً بصورة الغرب الخلبيّة عن بعد، ولما خبرها عن قرب، تبيّن له أن الأمر كان مجرد سراب في سراب.
* وما هو موقفك النقدي من روايته «أرخبيل الغولاغ»؟
** إنها رواية تنضح بالسياسة والمواقف السياسية والإيديولوجية الفاقعة. هي، وعلى المقلب الآخر، رواية يصح أن تُطبّق عليها تعاليم جدانوف وإن بالمقلوب.. أليس كذلك؟! (يضحك).

قضية باسترناك
* ربما، يمكنك تأويل ذلك، لكنني أريد أن أسألك عن قضية أدبيّة مزمنة في الاتحاد السوفييتي، لطالما حيّرت الكثيرين، داخل بلادكم وخارجها، ألا وهي قضية الشاعر والروائي الروسي الكبير بوريس باسترناك، فلقد حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل للآداب في عام 1958 (عن روايته دكتور جيفاكو)، لكنه سرعان ما أعلن رفضه لها، وانقسم المعنيون بالأمر في أسباب ذلك. قال البعض، إنه رفضها بداعي، انه إذا خرج من الاتحاد السوفييتي ليتسلمها، فلن يكون بمقدوره العودة إليه، وهو رجل لا يستطيع العيش خارج وطنه البتة. في ما قال آخرون إنه اعتبر نفسه أكبر من جائزة نوبل والأكاديمية السويدية المعنيّة بها، وحتى سلسلة اللجان التحكيميّة المتعاقبة التي أشرفت وتشرف عليها، جيلاً بعد جيل.. ما تعليقك؟
** وهل تصدق أنت أن بوريس باسترناك في ما كان لو قرر الخروج من وطنه إلى السويد، ليتسلّم جائزة نوبل، أن موسكو ستمنعه من العودة إلى بلاده؟!!. أنا شخصياً لا أعتقد ذلك. صحيح أن باسترناك في أدبه وشعره اللاحق كان إجمالاً ضد الثورة الروسية، وبأسلوب ساخط وعنيف أحياناً (خصوصاً في روايته «دكتور جيفاكو»)، لكن ردود فعل الكرملين وقتها، لم تتعدّ فصل باسترناك من عضوية «اتحاد الكتاب السوفييت»، فيما حقوقه الماديّة أو راتبه الشهري ظلّ قائماً. وكذلك لم توقف سلطات الكرملين مصادره الماليّة، التي كان يتحصّل عليها جرّاء ترجمته إلى اللغة الروسية أعمالاً أدبيّة خالدة لشكسبير وغوته وشيلر وريلكه.. وغيرهم. وهي مداخيل غطّته مادياً، وعلى نحو يتجاوز في السنة الواحدة مثلاً، القيمة المادية التي كانت ستمنحها له جائزة نوبل.
أما أن الرأي القائل، إن باسترناك اعتبر نفسه فوق الأكاديميّة السويديّة وجائزتها وسائر اللجان التحكيميّة المتعاقبة عليها (كما ورد في سؤالك)، فهذا كلام مبالغ فيه جداً، وأكاد أجزم بأنه لا أساس له من الصحة البتة.
* وماذا تقول في شعرية بوريس باسترناك؟
**باسترناك شاعر روسي كبير، وإن كنت أختلف معه في بعض آرائه السياسية. وقد أحدث تحوّلاً مثيراً ومفارقاً في مسار الشعر المعاصر والحديث في روسيا، خصوصاً بعد التجارب الرائدة للشاعرين الكبيرين ميخائيل ليرمنتوف وألكسندر بلوك، مع أنه تأثر بهما كثيراً. مجموعته الشعرية «حياتي الشقيقة»، هي التي أحدثت هذا التحوّل الشعري الكبير قي فضائنا الإبداعي والثقافي العام.. ومعها أيضاً مجموعته الشعرية الأخرى «أختي أيتها الحياة».
شعرياً، باسترناك يكاد يكون نسيج نفسه فقط. ومع الأسف، فالغرب روّج له في السياسة والمواقف السياسية (من خلال روايته «دكتور جيفاكو») أكثر مما تكلّم عليه في الإبداع والفتوحات الإبداعية، مع العلم أن ستالين الصارم لم يأمر يوماً باعتقاله، وكان يقرأ شعره بإعجاب.

مع أيتماتوف في بيروت
* هل تحدّثنا ولو بإيجاز عن زيارتك الأولى للبنان؟ ما دواعيها.. وما هي انطباعاتك الإجمالية حولها؟
** زرت لبنان في عام هو شؤمٌ على العرب جميعاً: 1967، والمناسبة كانت حضور المؤتمر الثالث للكتّاب الآسيويين والإفريقيين، الذي كان يضمّ أكثر من 200 شخصية أدبية وفكرية من مختلف دول القارتين. وكان وفدنا مؤلفاً من خمسة عشرة شاعراً وكاتباً، يمثلون الجمهوريات السوفييتية، بينهم الروائي الصديق جنكيز آيتماتوف، ممثلاً جمهورية قرغيزيا، حيث كنت أخرج للتجوال معه بعد انفضاض الجلسات في شوارع بيروت، التي كانت تلفتني بحداثة مبانيها ونظافة شوارعها وأناقة أهلها وتقاليدهم المتحضّرة في كل مكان، خصوصاً في المقاهي والحانات والتجمّعات العامة. وكان جنكيز آيتماتوف من فرط محبته لبيروت قد سمّاها «باريس الشرق»، وتمنّى لو يقضي سنوات تقاعده وشيخوخته فيها.
أما أنا فأحببت بيروت كما أحبّها صديقي أيتماتوف، وربما أكثر، وطلبت من صديق لبناني كنت قد تعرّفت إليه في موسكو بأن أزور بمعيّته القرى في جبل لبنان، وكان لي ما أردت، حيث سحرتني الجبال اللبنانية بخضرة صنوبرها وسنديانها، علاوة على البيوت الحجرية والقرميدية المعلّقة فيها. ومما زاد من متعتي في قرى الجبال اللبنانية، كرم أهلها الفائض، حيث دعينا أكثر من مرة لتناول طعام الغذاء في منزل يخصّ أحد أقرباء صديقي اللبناني، فلم تصدق عيني ما رأت من تعداد أطباق الطعام وتنوّعها على المائدة الواحدة. رأيت مثلاً أكثر من 55 طبقاً مخصّصاً لأربعة أشخاص فقط، وما أثار اندهاشي أكثر، بل وذهولي أكثر وأكثر، عندما جاء في ما بعد طعام إضافي، قيل لي إنه الوجبة الرئيسة، فأكلت منه على نحو هستيري، ضارباً عرض الحائط بنصائح طبيبي الداغستاني. بلدكم لبنان بلد مميز وعجيب فعلاً يا صديقي.
* أنت إنسان جبلي حميمي خالص، وكل من قرأ كتابك «داغستان بلدي» يلحظ ذلك من فوره.. وأنا من المسحورين بكتابك الملحمي المذكور هذا، الذي ينضح بشعرية خصوصيّة عالية، قرّبته من قلبي وجوارحي ومشاعري قبل عقلي النقدي التقويمي.. ماذا يمثل هذا الكتاب بالنسبة إليك، مقارنة بما أنجزته من كتب شعرية وأدبيّة أخرى؟
** لم أستطع، بالطبع، قراءة كل ما كُتب عن كتابي «داغستان بلدي» في مختلف اللغات التي نُقل إليها؛ غير أن الانطباع أو الخلاصة التي خرج بها أغلب من كتب عنه، تشبه تماماً الانطباع الذي كوّنته أنت وورد في سؤالك. لكن أودّ أن أفيدك بأن كتبي كلها هي أولادي، وأنا لا أفرّق أبداً بين ولد وولد، حتى وإن اختلفت مراحل التجربة الشعرية ونضجها لديّ بين كتاب وكتاب.
* ولكن أما من «ثعلب أزرق» مميّز وسط ثعالب كتبك كلها؟
** دعني أهنّئك أولاً على هذا التوصيف: «الثعلب الأزرق». لقد أعجبني تماماً وأثار فضولي الشعري. وثانياً أتمنى عليك، وعلى عجل يا صديقي، مساعدتي على عدم المسّ بأصول الإحساسات الدقيقة الكامنة فيَّ، والتي سأظل أتطلّع من خلالها إلى فضاء تجارب كتبي أو «ثعالبي» كلها، بالسوية الإبداعية المتوازية نفسها.

أنا سيّد كلمتى
«أنا سيد كلمتي، أقف عندها إن شئت وأنكص عنها إن أردت،
أحمل شوقي وحنيني حيثما ارتحلت
أتطلع إلى وطني من شباك قفصي!
لا يمكن أن يكون كاتب من دون وطن!
لسنا نحن الذين نختار أوطاننا.. بل الوطن هو الذي اختارنا منذ البداية
كم من كاتب يمسك القلم ويجلس إلى الورقة لا تقوده عاطفة الحب أو البغض.. بل حاسة الشم وحدها!.
وجع قلبي وفرحه.. هما اللذان يجبراني على الإمساك بالقلم!
الشاعر: نار ومصدر نور
النور لا يلقي ظلاً.. والنور لا يصدر عنه إلا النور
هذه هي قصتي.. أما جرحي فهو معي!»
***
«عندما تستيقظ من نومك فلا تقفز من سريرك كأن أحداً عضك، فكر قبل كل شيء بما حلمت به في نومك»
***
«صادق الكتاب فصفحاته الخيرة تنتظر نظرة منك، أحنِ جبينك فوق صفحاته في جد، في كل سطر يختفي شهد الحكمة»
***
«تقول الفتاة لحظة ولادتها: أعرف أنكم لا تنتظرون قدومي، وأعلم أن لا أحد منكم يكن لي الحب. ولكنى جئت، لذلك أرجوكم دعوني أعيش وأكبر ثم أطيّر شعري وأسرحه وأغني. يومها أراهنكم إذا ما وجدتُ رجلا في العالم يقول لي: أنا لا أحبك».
مختارات من كتاب «داغستان بلدي»

بلاد الجبال
داغستان التي تغنى بها رسول حمزاتوف في كتابه «داغستان بلدي» هي إحدى الكيانات الفيدرالية في روسيا، تقع في جنوب الجزء الأوروبي من روسيا في منطقة القوقاز على طول ساحل بحر قزوين.
تعني كلمة داغستان باللغة التركية بلد الجبال، ومنها تنبع أنهار داغستان العديدة التي يبلغ عددها 6 آلاف نهر. ولذلك فهي تشتهر بمعالمها الطبيعية المميزة. وبينها ساري كوم، أكبر الكثبان الرملية في العالم، وغابة النباتات المتسلقة الاستوائية الوحيدة في روسيا التي تقع في دلتا نهر سامور.
نشأت أول دولة في داغستان في القرن الخامس قبل الميلاد، وهي دولة ألبانيا القوقاز التي كانت عبارة عن دولة متألفة من 26 دويلة واقعة في جنوب داغستان وشمال أذربيجان. وكان أسلاف القوميات الناطقة باللغة الليزغينية يقطنونها. وظل كيانها قائماً حتى القرن السابع عشر الميلادي حيث دمرها الروس.
وقعت ألبانيا القوقاز في ملتقى الحضارات ودروب القوافل والهجرة. لذلك كانت دوماً تخوض الحروب المستمرة من أجل الاستقلال مع الفرس والروم والهنود والخزر والروس الذين هدموها في آخر المطاف.
دخلت داغستان في الإسلام مع بداية انتشار الإسلام وكانت أولى الأمم المعتنقة للإسلام الذي عم شمال القوقاز كله.