في خضم تركيز وسائل الإعلام العالمية على الدول الفاشلة في العالم الإسلامي، مثل أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، لا تحظى تايلاند في كثير من الأحيان باهتمام كبير. ورغم ذلك، تعاني تايلاند، ذات الأغلبية البوذية، من واحدة من أطول عمليات التمرد في آسيا. فالانفصاليون والتحرريون من إثنية «الملايو»، والذي يصفون أنفسهم بـ«الإسلاميين» عاثوا في جنوب تايلاند بالسيارات المفخخة والأساليب الكابوسية التي قلما شوهدت خارج الشرق الأوسط. لكن على المحللين والصحافيين أن يعتبروا ما يحدث في جنوب تايلاند غريباً على تاريخ التطرف. ويكشف تقرير أصدرته «مجموعة الأزمات الدولية» الشهر الجاري بعنوان: «التطرف في جنوب تايلاند.. تهديد وهمي»، عدداً من الأمور حول حركة التمرد الغامضة على الحدود الماليزية التايلاندية. ويشير التقرير إلى أنه «حتى الوقت الراهن، ليس ثمة دليل على أن المتطرفين يشنون غارات بين جبهات الانفصاليين، الذين يحاربون من أجل ما يعتبرونه تحريراً لوطنهم (باتاني)». وأضاف: «لكن الصراع والمخاوف من تنظيم «داعش» في تايلاند تثير الخوف من تهديد إرهابي جديد، بيد أن تلك المخاوف ليست منطقية، وتوضع في غير محلها بشكل كبير، ولا ينبغي أن تخفي مصيبة التمرد، والحاجة إلى إنهائه». وحتى الباحث «روهان جاناراتنا»، الذي يقود المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب، ويميل في كثير من الأحيان إلى وصم أي صراع في العالم الإسلامي بأنه «ناجم عن الإرهاب»، أقرّ بأنه: «رغم التصريحات بشأن التطرف العالمي، فإن الصراع في جنوب تايلاند لا يزال يهيمن عليه الطابع المحلي، ومن الأفضل تأطيره باعتباره نزاعاً قومياً إثنياً على الطريقة القديمة، وإن كانت تغطيه طبقة من الدين، باعتباره يخصّ مسلمين في جنوب تايلاند يقاتلون من أجل هويتهم». والمتمردون هناك معروفون بأنهم «مالاي» أكثر من كونهم مسلمين. وعلى نقيض ما يحدث في كل من العراق وسوريا، حيث يوجد للمتمردين والإسلاميين والمعارضين والإرهابيين طموحات عالمية أو إقليمية، ويحبون إشاعة آرائهم، فإن المتمردين في جنوب تايلاند يفضلون العمل بعيداً عن وسائل الإعلام. وفي حين يستخدمون تصريحات متطرفة وإرهابية، إلا أنهم يتفادون الفخاخ السياسية التي تدعم «تنظيم داعش». ونظراً لأن المتمردين في جنوب تايلاند لديهم أهداف محلية فقط، فلا يحتاجون إلى مجتمع دولي، وبدلاً من ذلك ينشدون الدعم من المجتمع المحلي. وبالحفاظ على الطبيعة الفريدة للتمرد هناك، فإن فرضية تقرير «مجموعة الأزمات» تدعم حلاً فشل في الدول الأخرى التي تتعامل مع متمردين مسلمين، لكن من الممكن أن ينجح في جنوب تايلاند، ألا وهو: «حل الصراع». ويؤكد التقرير أن المحادثات المباشرة بين قادة المتمردين والحكومة تشكل أولوية، مضيفاً: «إن النظام السياسي غير المركزي يمكن أن يساعد على معالجة المظالم الجوهرية في الجنوب، مع الحفاظ على وحدة الدولة التايلاندية». وتابع: «إن تايلاند تحتاج إلى محادثات سلام، وليس مكافحة التمرد، إذا وافقت الحكومة العسكرية هناك». وبعض «الملايو» في جنوب تايلاند المتعاطفين مع حركة التمرد تابعوا عن كثب حركة الانفصال في إقليم كاتالونيا الإسباني. وقد بدت المنظمات الحقوقية وغير الحكومية في كاتالونيا بمثابة نماذج للمنصات السياسية لنشطاء الملايو الراغبين في تحقيق الحكم الذاتي أو الاستقلال. بيد أن النموذج الكاتالونية واجه تحدياته. فقد سافر عدد من المسؤولين في كاتالونيا الذين حاولوا الانفصال عن إسبانيا إلى بلجيكا، ولم يحققوا شيئاً سوى الاستسلام إلى السلطات هناك. وفي ضوء خضوع كل من التايلانديين والملايو لحكم عسكري، فليست لديهم سوى خيارات أقل. ويساور مجموعة الأزمات الدولية القلق من أن القمع السياسي من الممكن أن يفضي إلى تطرف حقيقي في جنوب تايلاند. ويقول التقرير: «يبدو أن منطقة جنوب تايلاند توفر ظروفاً مواتية للتطرف: إذ يشكل المسلمون أغلبية في منطقة صراع، وحركة التمرد هناك لديها رواية من الحرمان على أيدي المستعمرين غير المسلمين، والصراع الطويل مع القمع والعنف المتكرر على أيدي السلطات التايلاندية». وقد أعرب مسؤولون ومحللون تايلانديون والبعض في الحركة المسلحة عن مخاوفهم بشأن احتمالات التأثير المتطرف». وبالنسبة للأمثلة المعاصرة على إمكانية تدهور المشكلة بدرجة كبيرة، ليس على الباحثين سوى النظر إلى دولتين مجاورتين هما ميانمار والفلبين. فقد اعتمد الجيش في ميانمار على حركة تمرد محدودة النطاق مماثلة لتلك الموجودة في تايلاند، لتبرير حملة تطهير عرقي حافلة بجرائم حرب ضد الروهينجا، وهي الأقلية المسلمة الأكبر في الدولة. ويساور المراقبون القلق من أن تلك الوحشية يمكن أن تؤدي إلى تطرف مئات الآلاف من اللاجئين الذين يفرون من وطأة العنف في ميانمار، الأمر الذي يدعو إلى ابتهاج كثير من الحركات الإسلامية والمنظمات الإرهابية المعارضة. وفي أنحاء بحر الصين الجنوبي، استعادت القوات المسلحة الفلبينية لتوّها مدينة «ماراوي»، التي كانت تسيطر عليها إحدى الجماعات التابعة لتنظيم «داعش» في جنوب شرق آسيا. وتتشكك السلطات الإقليمية في الوقت الراهن في أن «داعش» قد تحاول تدبير هجمات انتحارية انتقاماً لذلك، بينما تحذر أستراليا مواطنيها من السفر إلى الفلبين. وعلى النقيض من ميانمار وتايلاند، وجدت «داعش» موطأ قدم في الفلبين، وهو ما ينذر بصعوبات يمكن أن تواجهها تايلاند، إذا واصلت أسلوبها الحالي في مكافحة التمرد. ويعرض تقرير مجموعة الأزمات بعض الأسباب التي تدعو للتفاؤل الحذر، ويشير إلى أن «تايلاند تفتقر إلى ميراث الحركات الإرهابية والشبكات التي تعهدت بالولاء لداعش والقاعدة»، موضحاً أن زعماء الجبهات المسلحة الموجودة معادون لهاتين المنظمتين، وللجماعات التابعة لهما، في جنوب شرق آسيا، لأنهم يعتبرون أن الارتباط بإرهابيين دوليين تهديد لهدف تقرير مصير شعب «باتاني». *كاتب متخصص في الشؤون الآسيوية يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»