الاتحاد

دنيا

السّاخر جيرمي هاردي يتحدّى الجيش الإسرائيلي


عمّان - يوسف عبد العزيز:
بدعوة من (منتدى بيت المقدس) في عمّان، عُرِضَ قبل أيّام الفيلم التّسجيلي الرّوائي (جيرمي هاردي يواجه الجيش الإسرائيلي)، بحضور مخرجته ومنتجته الفلسطينيّة (ليلى صنصور)· وهو من بطولة الممثّل البريطاني العالمي (جيرمي هاردي)، وبمشاركة عدد من رموز الحركة العالميّة للتضامن مع الشّعب الفلسطيني· وهذا هو الفيلم الطّويل الأوّل للمخرجة ليلى صنصور التي غادرَتْ مدينتها بيت لحم في أواخر التّسعينيّات لتدرس الفلسفة في موسكو، ثم في لندن حيث تقيم الآن· في البداية عملَتْ في محطّة CBM الفضائيّة لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ انتقلَتْ إلى العمل في محطّة الجزيرة الفضائيّة لتُخرِج حلقات البرنامج الشّهير (موعد في المهجر)· وخلال تلك الفترة حقَّقَتْ فيلمين وثائقيّين قصيرين هما (درع بشري) و(تغطية عالميّة)، ويتحدّثان عن الانتفاضة الفلسطينيّة·
قصّة الفيلم
يسرد الفيلم قصّة الممثّل البريطاني السّاخر (جيرمي هاردي) الذي يقبل بفكرة المخرجة للذّهاب إلى فلسطين في أواخر عام 2002 ضمن مجموعة من مناصري الشّعب الفلسطيني، وذلك من أجل مساعدة أهالي إحدى القرى الفلسطينيّة في عمليّة قطف الزّيتون، وتوفير الحماية اللازمة لهم من اعتداءات المستوطنين· يصل جيرمي مع أفراد تلك المجموعة إلى مدينة بيت لحم، حيث يخضعون لعدد من التّدريبات الخاصّة بأساليب المواجهة اللاعنفيّة مع جنود الاحتلال والمستوطنين· لكنّهم يُصابون بخيبة أمل، إذ تتعرّض مدينة بيت لحم لعملية اجتياح كبرى، يجري خلالها قصف تلك المدينة الوادعة بقذائف الدبابات والصواريخ· وهكذا يتحوّل جيرمي وهؤلاء المناصرون بالإضافة إلى ثلاثين ألف نسمة هم سكان بيت لحم إلى مجموعة من الرهائن في قبضة الآلة العسكرية الإسرائيلية· في هذه الأثناء يحاول جيرمي ورفاقه مساعدة الأهالي وإنقاذ المصابين إلا أنهم يجدون في كل مرة الدبابات الإسرائيلية لهم بالمرصاد· ورغم ذلك يستمرّون في أداء مهمتهم، ويتظاهرون مندّدين بالغطرسة الصهيونية·
الأوضاع تزداد قسوةً· القتل في كل مكان، وتتوارد إليهم أنباء المحاصرين في كنيسة المهد فيبذلون ما في وسعهم لإيصال الأدوية والمواد الغذائية لهم· وبعد محاولات عديدة ينجح عشرة منهم في اختراق الحصار ودخول الكنيسة·
بعد أيام يداهم الجنود الصهاينة الفندق الذي يقيم فيه جيرمي، ويقومون بترحيله مع عدد من رفاقه· يصل جيرمي لندن، ويسارع إلى عقد عدد من المؤتمرات الصحفية والندوات ليتحدّث عن عدالة القضيّة الفلسطينيّة وبشاعة الاحتلال·
يقرر جيرمي العودة ثانيةً إلى فلسطين، فيصل إلى القدس، ويتوجّه هذه المرة مع مجموعة أخرى من المتضامنين إلى قرية سلفيت بالقرب من مدينة نابلس· حيث ينجحون في كسر الحصار المضروب حولها وتقديم الأدوية والأغذية لسكّانها·
الصورة الأخرى
يسعى الفيلم إلى تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني وإلى فضح ممارسات الاحتلال الوحشية، وتعرية (إسرائيل) من كل ذلك الزيف الحضاري والديموقراطي الذي تتشدّق به أمام العالم· فالفيلم يحاول أن يقدّم الصورة الأخرى المناقضة للصورة التي يبثها الإعلام الصهيوني· من جهةٍ ثانية يحاول الفيلم أن يقدّم إلى العالم إنسانية الشعب الفلسطيني الذي لا يحب الحرب والدمار، وإنّما يتوق إلى الحرية مثله مثل باقي الشعوب·
أحداث الفيلم تتركز في بيت لحم حيث يقع الاجتياح: عشرات الدبابات تتقدم من المدينة ثم تستبيحها· شهداء في البيوت والطّرقات، جرحى ومصابون، والحرائق تشتعل في كل مكان· المدينة التي كانت قبل وقت قصير تعجّ بالحياة والتي قال عنها رئيس بلديتها د·حنا ناصر بأنها تشبه موسكو والفاتيكان كونها مقامة على سبع تلال أصبحت مدينة أشباح· تقترب الكاميرا من إحدى الدبابات لتصور بشاعة الحديد وهو يفترس البيوت· الدبابة بجسدها الضّخم تقتحم زقاقاً ضيقاً والبيوت العتيقة على الجانبين واقفة في المهب· الجنازير تدور والحجارة تئنّ· دخلت الكاميرا مستشفى التوليد التي تعرضت للقصف، ونقلت الرعب على وجوه الأطباء والممرضات· صورت الكاميرا عيادة د·طبش التي لم تتعرض للدمار فقط وإنما للنهب أيضاً مثلها مثل محلات ومعاهد علمية كثيرة· أشدّ المشاهد المفجعة في الفيلم كان مشهد الأطفال المتجمّعين حول جثة أمهم القتيلة في أحد البيوت، والذين لم يكن لِيُسمح لهم بالخروج مثلما لم يكن لِيُسمح لأحد بالوصول إليهم·
جيرمي ورفاقه من المتضامنين الدوليين كانوا بدورهم يتظاهرون في الشوارع ويشتبكون مع الجنود· لقد تعرضوا إلى البطش والإذلال مثلهم مثل أبناء الشعب الفلسطيني· فقد حطم الجنود كاميراتهم وقصفوا سيارات الإسعاف التي يتنقلون بها··لكنهم لم ييئسوا· لقد كانوا ينبطحون في طريق الدبابات ويصرخون في وجوه الجنود: ' لا يحق لكم اعتقال أحد، أنتم محتلون وتخرقون القانون الدولي'·
بين قطبي الصّمود الفلسطيني والتّضامن الدّولي كان الفيلم يتحرّك، ويرسم بجمالية كبيرة مشهد ذلك العناق الحميم بين الشعب الفلسطيني وشعوب الأرض التي جاءت تناصره· إن ربط قضية فلسطين بالعالم ونقلها من إطارها الجغرافي إلى إطارها الإنساني الشامل هو ما يحاول الفيلم أن يؤكّده· لهذا السّبب بالذّات فقد أهدت المخرجة فيلمها لرمز من رموز الحركة الدّوليّة للتضامن مع الشّعب الفلسطيني وهي الطّالبة الأمريكية (راشيل كوري) ابنة الثّلاثة والعشرين ربيعاً من دليمبيا - واشنغتون والتي قُتِلتْ من قِبَل الجيش الإسرائيلي في رفح في 16 آذار لعام 2003
سخرية مُرّة
يعتمد الفيلم أسلوب السخرية في مجابهة الآلة العسكرية الصهيونية· فجيرمي هاردي الذي جاء من لندن ليواجه الجيش الإسرائيلي بيدين فارغتين سوى من الإرادة يضحك حين يرى الجنود المدججين بالسلاح، ويمضي إلى أحد المطاعم الشعبية ليهتف: ' أما أنا فأستمدّ قوّتي من الفلافل '·
لم يعدم جيرمي تلك الروح الساخرة حتى في أشد حالات الخطر· في الطريق إلى قرية سلفيت، وحين توقّفَتْ به الحافلة عند الحاجز العسكري قال للجندي الذي سأله عن الصندوق الذي يحمله: 'لدي صندوق أدوية أنوي بيعها في السوق السوداء'·
'الله وحده يعلم لماذا ابتسم'، كان يقول لأصدقائه مرّةً وهم يسيرون في إحدى التظاهرات ويمسكون بأيدي بعضهم البعض ليمنعوا مرور الدبابة، فقد أحسّ بعبث المحاولة· حين أطلقت الدبابة النار باتجاههم وجرحت أحد رفاقه صرخ قائلاً: 'قبل دقائق كنت مرتعباً والآن أنا أشتعل بالغضب'·
حالات السّخرية تلك تتكرّر في الفيلم، وغالباً ما تكون على لسان جيرمي، الذي هو في الأصل فنّان كوميدي معروف في بريطانيا· وجيرمي هنا لا يُنكّت من أجل أن ينفّس الاحتقان السّائد في الشّارع الفلسطيني· إنه ينكت من أجل أن يكشف لنا عن هشاشة القوة الصهيونية· إنها السخرية المرّة، أو الكوميديا السوداء تلك التي تصفع وجه المحتل وتعيد الاعتبار للإنسان البسيط صانع الحياة·
لم يتوقّف جيرمي عن السخرية من الاحتلال الإسرائيلي حتى بعد أن أنهى الفيلم وعاد إلى بريطانيا· فعلى مسارح لندن وقف لِيُحَيّي الجماهير التي جاءت لاستقباله قائلاً: ' لست كثير الوطنية، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أشعر بالسرور فيها لأني بريطاني '· ويكمل ضاحكاً: ' هذه التظاهرات عندنا في لندن هي تظاهرات أطفال قياساً لما يحدث في فلسطين· تواجهون الشرطة·· لا بأس، بالنسبة لي فلم أعد أنهض إلاّ لمواجهة ما لا يقل عن ناقلة جنود '·
*حفاوة بالغة:
تم عرض الفيلم في لندن على مدار الشهور القليلة الماضية ولاقى إقبالاً كبيراً من قبل الجمهور البريطاني· كما امتدحه النقاد السينمائيون وأشادت به الصحف عبر عدد كبير من المقالات· فقد وصفته صحيفة الديلي تلغراف بفيلم العام· أمّا صحيفة الجارديان فقد شبهته بأفلام مايكل مور· عن تلك الحفاوة التي قوبل بها الفيلم في بريطانيا تقول المخرجة: ' كانت الأمور مفاجِئة بالنسبة لي، فقد وجدتُ تعاطفاً كبيراً في الأوساط البريطانية· لقد ساهم الفيلم في توضيح الصورة القاتمة في فلسطين وإزالة الجهل بالقضية الفلسطينية· كان التجاوب إيجابياً في كل صالات العرض والحوار على أشده بيني وبين الجمهور، ما عدا صالة واحدة تسلل إليها جمهور إسرائيلي وحاول التشويش· ورغم ذلك عُرِضَ الفيلم·
تمّ عرض الفيلم أيضاً في أميركا وذلك من خلال مهرجان أمنستي إنترناشيونال· وتفكّر المخرجة بعرضه في المدن الأميركيّة على نطاق واسع· غير أنّ تلك الخطوة تحتاج إلى دراسة كما تقول المخرجة: ' في أميركا ستخاف صالات السّينما أن تعرضه بسبب اللوبي الصّهيوني· ستخاف الصّحافة أن تكتب عنه· غير أنّني سأحاول· على المخرج أن يكون عنيداً وألاّ يستسلم'·

اقرأ أيضا