الاتحاد

دنيا

أحمد زكي عناد يورث المجد


سعد جمعة:
بقي العناد هو السمة الأساسية في شخصية الممثل الكبير الراحل أحمد زكي، حيث أجمعت على ذلك المعلومات من مختلف مصادرها الصحفية المطبوعة والإلكترونية، بل ان العناد من الصفات المتجذرة في شخصيته وأنها كانت تتجسد في أعماله وكانت متواجدة حتى في مرضه حيث نزع الأجهزة وذهب ليصور 'حليم'·
فهل نستطيع أن نقول إن العناد هو السلاح الذي قاد احمد زكي إلى كل المجد السينمائي بل إلى قلوب الآلاف من المحيط إلى الخليج؟
حين نتوقف لنفتش عن ما الذي دفع أو ما الذي وهب لهذا الإنسان ما لم يوهب لغيره·· عندما نفتش عن ذلك يبرز دائما (العناد) وهنا لا يفهم العناد بالطبع من ناحية سلبية بل يفهم من دلالات مختلفة تماما عن السلبية اللغوية لهذه الكلمة، دلالات تنطلق من أحمد زكي كشخصية وكممثل مبدع له منجز سينمائي استثنائي، حيث يعني العناد في حالة احمد زكي الإصرار والعزيمة والبذل والصدق والنظافة الروحية·· العناد حين يكون جبلا أمام كل ما يمكن ان يحط من قيمة الإنسان·
عندما نفتش عن أحمد زكي فإننا نجد تلك الدرة التي يمتلك، أي العناد بدلالاته المتعددة التي ذكرنا·
فمنذ أواخر الستينات من القرن الماضي سكن الشاب أحمد زكي حلما بأن يكون كبيرا فحمله معه وحمل جراحات الطفولة والصبا من قريته·· سوى الحزن واليتم من أب لم تر عيناه ملامح وجهه وتبدلات الزمن عليه·· سوى الشعور بفقدان الحنان والعطف وحضن الأم وغادر موجوعا في الروح وفي القلب، غادر تلك القرية التي رحل منها قبله أحد أعظم سلاطين الغناء العربي، أحد أعظم مطببي القلوب ومطهري الروح، وهو عبد الحليم حافظ·· منذ ذلك الزمن سكن التحدي روح وعقل أحمد زكي وترك قريته لأنه أدرك تماما بأنه أصبح مهيئا بما يكفي كي يذهب للصراع في المدينة، اصبح مهيئا، كي يقول رسالته الفنية·· فليس من الهين ان تفقد أبا ولم تعد تراه أبدا، ثم تفقد أما ولم تعد تراها أيضا، بل هي لم تعد تقدر ان تراك لأنها كانت في عصمت رجلا لا يريد ان تكون في بيته، ليس من السهل ان تبقى بين أهلا لا يهمهم وجودك تشعر بذلك وأنت لم تزل طفلا وتكبر ويكبر هذا الشعور فيك، ولا تنفك منه ولا تتصالح معه، انه بالتأكيد يعمق جرح الحياة فيك·· حدث هذا لأحمد زكي، لكن احمد زكي على ما يبدو قد أدرك منذ تلك السنين انه ولد لشيء آخر، ولد للفن والإبداع والجمال، وما حدث له في تلك السنين من الطفولة والصبا، سنون التأسيس والصقل وابراز ملامح الشخصية لم يكن سوى أمر طبيعي يحدث لأغلب المختلفين الذين اختارتهم الحياة كي يقولوا شئا مختلفا·
زمن الرومانسية العظيم
عندما غادر أحمد زكي في العشرين من عمره قريته متوجها إلى القاهرة حسب ما أعلنه هو عن حياته وحسب ما نشر في وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية كان يدرك بان ذلك الزمن لا مجال فيه ولا مكان ولا حتى في الخيال ان يكون لرجل بموصفات احمد زكي دور بطولة في السينما المصرية بل من المستحيلات ان يكون له حتى بطولة ثانية (مساعد البطل)·
ففي ذلك الزمن حيث كانت السينما، كما علق عليها احمد زكي نفسه في أحد البرامج التلفزيونية، عبارة عن حلم والمشاهد كان يدخل السينما لمشاهدة هذا الحلم الجميل·
نعم كان ذلك زمن الرومانسية العظيم في السينما المصرية، زمن ساحر فيه قصص الحب وصراع الخير والشر يتركز على تهشيم الطبقية الاجتماعية وتمجيد الحب، زمن كان فيه البطل وسيما بل كامل الوسامة حسب معيارها في ذلك الوقت والتي تتمثل في البياض والطول والجسد الأنيق، وكانت البطلة سندريلا بكل المقاييس، إلا ان احمد زكي تلقى رسالته على ما يبدو من هناك من تلك القرية ومن روح عبد الحليم حافظ، كي يرحل ويغير مجرى التاريخ، يغير المفاهيم والتقاليد·· وغادر محملا بالعناد·
بالعناد ذي الدلالات المتعددة يدخل احمد زكي معهد التمثيل يبرز وينجح في هذا المعهد من خلال الأعمال الكلاسيكية، حسب شهادات من أساتذته ومنهم سعد اردش بأن زكي كان ملفتا في أدائه المسرحي·· وينجح زكي يفتح عالما آخر ويكون ذلك الفتى الفقير المعدم في مسرحية مدرسة المشاغبين التي قادها عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي الذين يعتبرون من أهم ممثلي الكوميديا العربية، ففي هذه المسرحية التي كان فيها دور احمد زكي بسيطا جدا إلا انه استطاع ان يجذب الجماهير إلى الشخصية البسيطة وان يجعلهم يتعاطفون معها وسط طوفان الكوميديا في تلك المسرحية التي لا زالت تعيش حتى اليوم·
وعن شخصيته في هذه المسرحية يعلق احمد زكي: 'لقد كانت شخصية بسيطة وبروزها كان لأنها كانت تقف بجانب أبطال المسرحية طوال العرض مما رسخها في ذاكرة المشاهد'·
طبعا هذا تعليق متواضع من احمد زكي بعد مشواره الطويل وكذلك هو تعبير عن ان أحلامه كانت تتجاوز تلك الشخصية بكثير وتتجاوز المسرحية بكل تفاصيلها·
وينتقل إلى مسرحية (العيال كبرت) إلا انه أيضا لم يشعر بأنه يحقق شئا ما على صعيد ما يختلج في روحه من طاقة تمثيلية·· وفي ذلك الزمن، حيث كل الظروف كانت ضده لم يتقاعس أبدا وظل على ما يبدو ذلك الهاجس وتلك التعاليم التي تلقاها في القرية تصر وتشحنه بمزيد من العناد والإصرار على ان هذا ليس كل شيء، ولابد من ان يكون له شان في عالم التمثيل، وحدث شيء ما، حين طلب لبطولة فيلم الكرنك واتفق في الآن نفسه على فلمين آخرين، وكانت ثلاثة أفلام أو بالأصح ثلاثة عقود دفعة واحدة أهمها الكرنك الذي كان سيقف فيه أمام سعاد حسني، لكن جميع هذه المشاريع لم تتحقق، حيث رفض في الفيلم الأول والثاني بسبب شكله واخذ فيهما دورين ثانويين وفسخ العقد الثالث·· بعد هذا الفشل الذريع في ان يكون نجما سينمائيا كان أحد الأمرين الماثلين أمامه الأول هو العودة إلى قريته أو القبول بان يكون ممثلا ثانويا مدى حياته، لكن احمد زكي يعلق على فشل مشاريع الأفلام الثلاثة 'كانت بمثابة ضربة يمكن ان تقتل أي أحد'·· ولكن نضيف على ذلك يمكن ان تقتل أي أحد إلا شخصاً يحمل عناد وطموح احمد زكي الكبيرين·
حيث تشتهي السفن
العناد يدفع أحمد زكي إلى خارج اليأس وبقي حتى أن دفعت الريح هذا الفنان إلى حيث تشتهي السفن، ويلتقي مع أحد أهم مخرجي السينما المصرية وهو خيري بشارة ليغيرا مع جيل تلك المرحلة من المبدعين سير التاريخ ويغامرا حيث كانت أحلامهما كبيرة وكانا ينظران إلى مصر وهي تتغير تماما، فأولئك الحالمون كان عليهم ان يقولوا شيئا آخر، وكان اسم احمد زكي الأول على لائحة أسماء الممثلين في مقدمة فيلم (العوامة)، حيث يقول خيري بشارة عن ذلك: كانت هذه مغامرة بالفعل وكان احمد زكي بالنسبة لي ولجيلي كله الوجه واللسان والهيئة التي نريدها في الممثل، كنا نريد أن نصنع منه بطلا يحل محل النجم الذي كان سائدا في السينما التي كانت قبلنا، و (العوامة) كان المخبر الذي أطلق عفويته الكامنة، خاصة أن الفيلم كان عبارة عن سيرة ذاتية في جزء منه، وكان تعبيرا عن الرغبات غير المتحققة لجيلنا كله والذي كان هو أحد أفراده، فخرج تعبيره عن الإحباط والهزيمة بتفهم عال كما أتصور·
ثم تسترسل الحياة لاحمد زكي وتدعه يقول ويقول ويقول· وتدعه يبدع فنا جميلا ومختلفا عشقه الآلاف·· وعلى ذلك يعلق احمد زكي بقوله: 'إن المشاهد الذي كان يذهب لمشاهدة حلم على شاشة السينما قد تغير واصبح يريد ان يشاهد نفسه، وعند هذا التغير كان قد بدأ زماننا'·
ان العناد الذي دفع بأحمد زكي إلى ان يضع خطواته الأولى في عالم السينما، هو أيضا ما دفعه إلى ان يكون ممثلا كبيرا لا يمكن ان يسقط من ذاكرة الزمن، حيث كانت مواقفه عديدة مع المخرجين في إصراره على بعض المواقف في الأفلام وهو الإصرار الذي أدى إلى نجاح معظم أعماله السينمائية، فالإصرار على العناد أدى إلى ان يفتح المخرجون حوار معه عند أداء بعض المشاهد بدلا من ان يطلبوا منه ان يؤديها دون ان يسأل كما يحدث مع الكثير من الممثلين·
هذا العناد والإصرار على موقفه جزء من الصفاء والصدق الذي يضرب عميقا في شخصية احمد زكي، وأن ما يعرف عنه من تقمصه الكبير وشبه الكامل للشخصيات هو أحد انعكاس هذا الصدق الذي يكمن في روح أحمد زكي· وهذا الصدق المترجم في العناد يجعل احمد زكي يعود كثيرا للمؤلف كي يسأل عن مختلف الحالات التي تعيشها وعاشتها الشخصية، فمثلا في فيلم (زوجة رجل مهم) يرفض احمد زكي في أحد المشاهد لمس يد الممثلة القديرة ميرفت أمين، لان الشخصية التي يؤديها غير مستعدة للقيام بذلك في ذلك المشهد، أي إنها كانت في وضع عصبي إضافة إلى أنها شخصية حادة في طبعها ومتعالية·
الأداء
'أي شخصية قدمتها أخذت الكثير بل والكثير جدا من صحتي وحياتي'، هذا تعبير دقيق لأحمد زكي عن علاقته بالشخصيات وأدائه لها والذي تميز بكثير من الجدية، حيث لم يأخذ الأدوار كما قال هو وشهد له بذلك، على شكلها بل كان يفتش دائما في تاريخ الشخصية وتفاصيلها من كل النواحي النفسية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، انه يدرسها دراسة وافية إلى ان يتمكن من تقمصها، حسب ما قال في الكثير من اللقاءات أنه لا يمثل بل هو يتقمص الشخصية ليجسدها في السينما بكل تفاصيلها إلى الدرجة التي تستمر معه بعد التصوير·
وعن ذلك يقول المخرج شريف عرفه أن احمد زكي مدرسة في الانغماس التام في الشخصية الدرامية، وهذا في كثير من الأحيان يسبب مشكلات له وللفيلم، لأن نسبة الاحتراف في أداء أحمد زكي بسيطة جدا فهو لا يدخل ولا يخرج من الشخصية الدرامية بسهولة،، مشكلته إنه في كل مرة يتحول تماما إلى هذه الشخصية، وهذا خطير، لأن عدم وعيه بموقعه الحقيقي كممثل قد يجعله يفقد السيطرة على الأداء، لكن من الجانب الآخر يمكن قراءة معنى آخر لهذه الحالة، معني بعيد كل البعد عن نقص الخبرة وهو العناد ذاته في تمثيل الشخصيات بشكل صادق بعيد عن كل الادعاء الذي يشوه أحيانا بعض الأدوار للممثلين حين يفقدون مفاتيح الشخصية التي يؤدونها أو يمثلونها·
لقد استطاع احمد زكي توظيف كامل جسده في التمثيل حتى العين التي كانت كما قال العديد من نقاد السينما أنها أي ـ عين أحمد زكي ـ أحد أهم أدواته التمثيلية·
وعن تقمصه للأدوار يقول عدد من المخرجين في شهادات حول احمد زكي نشرت في إحدى المطبوعات العربية منهم داود عبد السيد الذي قال: هو من نوعية الفنانين الذين يحبون أن يعيشوا التوتر والقلق خاصة وأنه دائما ما يعمل على الدخول في أدق تفاصيل الشخصية وأقصد حتى يستطيع تجسيدها بأقصى درجة صدق ممكن·
أما المخرج سعيد مرزوق يقول ان الملعب الحقيقي لأحمد زكي هو نجاحه في التقمص حيث يدخل الشخصية إلى حد التماهي معها لا يكتفي فقط بان يرتدي روح هذه الشخصية إنه يصبح هي نفسها·
وهذا الطبع في احمد زكي انعكس عليه حتى في مرضه حيث يقول في تصريحات لإحدى المواقع الإلكترونية: أنه بطبيعته شخصية قلقه وعندها شغف بمعرفة تفاصيل الأشياء من حولها ففي بداية تعامله مع الأطباء أثناء مرضه لم يرغب الأطباء ان يطلعوه على ما يدور داخل جسده ـ حسب تعبيره ـ ولكن بعد أن لا حظوا حرصه الشديد على معرفة كل شيء بدؤوا التعامل معه وكأنه طبيب يتابع معهم حالة شخص آخر اسمه احمد زكي، ويضيف: 'لذلك اقضي معظم الوقت في متابعة جسدي مع هذه الخلايا النشطة'·
فيلم حليم
شكل هذا الفيلم أيضا درسا من دروس أحمد زكي في العناد، ودرس من دروس أحمد زكي في عشق الفن والإخلاص له حتى في المرض حتى في الأيام الأخيرة من الحياة، ودرسا آخر كبير في الأداء التمثيلي، حيث قال عدد من أصدقاء أحمد زكي الذين شاهدوا بعض المشاهد من فيلم (حليم): 'إنه تحول إلى العندليب أو ان العندليب عاد ليغني ويطل على جمهوره'· والأكثر من ذلك وحسب معلومات وردت على إحدى الصحف الإلكترونية أن زكي طلب من منتج الفيلم المخرج عادل أديب في حال وفاته قبل انتهاء تصوير الفيلم أن يوعز إلى المخرج شريف عرفه بتصوير جنازته وان يضعها في أحداث الفيلم بدلا من جنازة عبد الحليم حافظ القديمة·
ان هذا الممثل الـ (عفريت تمثيل) ـ كما قال عنه المخرج الكبير يوسف شاهين ـ أصر على ان يمثل حتى وهو ميتاً، وربما يكون تقمصه غير الطبيعي أدى إلى تدهور حالته الصحية، هذا ان جاز التمادي في الخيال·
في هذا الفيلم كان أحمد زكي يدرك انه في سباق مع الموت ولذا أصر ان ينجز عبد الحليم الذي كان أحد أحلامه التي أراد ان يحققها في مشواره السينمائي وكان له ذلك، حيث أنجز معظم مشاهده، حسب آخر تصريحاته·· آخر كلماته في هذه الحياة وهو: أريد أن أعود إلى حياتي الطبيعية واكمل المشاهد المتبقية في فيلم (حليم) فقد انتهيت بالفعل من معظم المشاهد حتى الأغاني ولم يتبق سوى المشاهد الخاصة بلحظات المرض الأخير في حياته·
فيما كان أحمد زكي يقول هذه الكلمات كانت مضاعفات مرض السرطان تنتشر في جسده وهو الذي كان يطمح بعد حليم ان يصور فيلم (رسائل البحر) الذي سبق وعلق قائلاً بشأنه: 'إن كان في العمر بقيه سأقف وأصور رسائل البحر' لكن لم يكن في العمر بقية وغاب أحمد زكي ودخلت أعماله عالم الخلود السينمائي وسوف يعاد إليها من جديد وسوف يبقى ممثلا مميزا على مر الأجيال القادمة·

اقرأ أيضا