الاتحاد

دنيا

الصرع هلوسة كهربائية


الحديث عن الأسباب يقودنا إلى قائمة طويلة وغريبة من الخرافات·· فالصرع تحديدا من أكثر الأمراض ارتباطا بالاعتقادات الخاطئة وبالممارسات العلاجية الشعبية المؤلمة والمخيفة في الكثير من الحالات·· فقد ارتبط هذا المرض باعتقاد راسخ بأنه نوع من تلبس الجن والعفاريت·· وتحمل الذاكرة الكثير من المآسي التي نتجت عن الممارسات العلاجية التي يطبقها الدجالون·· مثل ضرب المريض ضربا مبرحا لإخراج الجني أو العفريت العنيد من جسده·· ومن مأساة الزوجة التي كانت تعاني من نوبات صرعية وتولى احد الدجالين علاجها بالضرب وظل يضربها حتى لفظت أنفاسها·· لماذا ارتباط هذا المرض تحديدا بالخرافات؟·· ربما بسبب أعراضه المميزة·· وربما بسبب عدم وصول العلماء إلى سبب واحد مانع جامع للإصابة به·· ومن أسباب الإصابة بالصرع في تراث الممارسات الشعبية غير العلمية إلى التفسير العلمي·
أسباب إصابة الدماغ واحتمالات تعرضه لنوبة صرع من وجهة نظر العلماء عديدة وكثيرة جدا وإن كان الطب يحدد بعضها كمجرد احتمالات وليس أكثر: منها أورام دماغية ناجمة عن تشوه في التكوين الجسماني، تبدأ بوادره في المرحلة الجنينية·· ومنها مرض يضرب الأعصاب الدماغية نفسها وفي أي مرحلة من مراحل عمر المريض·· ومنها كسور أو صدمات تصيب عظام الجمجمة، ومنها كذلك ما يرتبط بالاضطرابات الجسدية (والذهنية) التي قد تصيب المريض قبيل بلوغه سن البلوغ الجسماني·· ومنها ما ينتج كأحد المضاعفات الناتجة عن الجراحات الكبرى في الدماغ·
اختلال التوازن
أما عن طريقة الانقطاع المفاجئ في كهرباء الدماغ، وعن سر حصوله في هذا الوقت بالذات، وليس قبله أو بعده، فهذه من المسائل التي ما يزال الطب يجهلها جهلاً مطبقاً·· غير أن الأبحاث العلمية التي يعمل عليها منذ سنوات فريق من خبراء 'معهد الأمراض العصبية لمنطقة حوض البحر المتوسط'، التابع لجامعة مرسيليا، فهي تحاول إيجاد دلائل على وجود حالة اختلال توازن ما بين مختلف آليات وعوارض نوبات الصرع، إضافة إلى فهم آلية انتقال المعلومات إلى الدماغ·
المعروف طبياً، على أي حال، هو أن المئة مليار عصب التي تستوطن الدماغ البشري، هي في الواقع شبكة حقيقية كهربائية وكيميائية في الوقت نفسه، والمعلومات تخترق هذه الأعصاب بسرعة كبيرة جداً، وبشكل إشارات كهربائية تؤمن لها الانتقال من خلية عصبية إلى أخرى بفعل مواد كيميائية جارية فيما بينها·· ومن بين هذه المواد مادة الجلوتامين التي تنحصر وظيفتها في تسريع وتنشيط أعصاب الشبكة الدماغية مما يؤمن تسريع وتنشيط حركة الإشارات الكهربائية ومساعدتها على أداء دورها كاملاً في عملية نقل المعلومات·· ومن بين تلك المواد الكيميائية أيضاً مواد أخرى، كمادة 'جابا' التي تتركز وظيفتها على إبطاء حركة الأعصاب، ومن هذا التناقض الوظائفي يستمد الدماغ توازنه وقدرته على العمل بالطريقة الصحيحة·
تفسير غامض
غير أن الخبراء الفرنسيون اكتشفوا مؤخراً أنه خلال حصول نوبة الصرع (الخفيفة والعادية إجمالاً لدى البالغين) والتي تطال منطقة في الدماغ تعرف باسم 'هايبو كامب'، تتسارع حركة نشاط الأعصاب الدماغية فيما تتباطأ حركة انتقال الإشارات الكهربائية، وبالتالي يفقد الدماغ توازنه ويسوء أداؤه خلال فترة النوبة وحتى خلال ما بعدها في بعض الحالات·
وعلى بساطته النظرية، فإن من شأن هذا الاكتشاف أن يفتح أبواب كبيرة وكثيرة على فهم النوبات الدماغية التي آن الأوان لإيجاد العلاج اللازم لها·
يبقى أن نوبات الصرع لم تعد حالات معزولة، حيث تبين في أحدث تقرير أجرته منظمة الصحة العالمية، أن في العالم ما لا يقل عن 300 مليون إنسان معرضون للإصابة بهذه النوبات الدماغية، أي ما يوازي 5 في المئة من إجمالي سكان العالم·
كما أظهر تقرير هذه المنظمة العالمية أن العلاجات والعقاقير الصيدلانية المتداولة حتى الآن تختلف فيما بينها باختلاف عوارض وأشكال النوبة·· وفي حالات معينة يلجأ بعض الأطباء إلى العلاج الجراحي كبديل للعلاج الدوائي حيث يتم التخلص من بؤر النشاط الكهربائي الزائد في أدمغة المصابين·· ولكن يبقى العلاج الجراحي دائما هو الخيار الأخير، علماً بأن كل هذه العلاجات، وسواء كانت عقاقير أو عمليات جراحية، لا جدوى لها إلا في حالات النوبات الجزئية والمتمركزة في أماكن محددة من الكتلة الدماغية·
أورينت برس

اقرأ أيضا